مصر

العنف المجتمعي: ظاهرة تحتاج إلى الحل (1)

تصدر في الأيام الماضية عدد من جرائم العنف ذات الطابع المختلف، وإن جاز التعبير فهو طابع دخيل على المجتمع المصري، وُصف بأنه أكثر دموية. بداية من حادث ذبح مواطن في أحد شوارع محافظة الإسماعيلية نهارًا على مرأى من الجميع، وعقبه حادث ذبح طالب لأحد أصدقائه بمحافظة كفر الشيخ، ثم قتل رجل لزوجته واستخدام أبنائه كدروع بشرية في محافظة الفيوم. وقد أثارت تلك الحوادث الرأي العام وطرحت العديد من الأسئلة حول تزايد معدلات الجريمة، واختلاف نوعيتها، وهل ثمة تغير مجتمعي حول تقبل حالات العنف والمشاهد الدموية؟ وما هي المحفزات الداعية لتزايد وتيرة العنف؟

وبناء على الأحداث السابقة وفي سياق حملة الـ 16 يومًا لمناهضة العنف ضد النساء والتي تطلقها الأمم المتحدة سنويًا في الفترة من 25 نوفمبر وتستمر حتى10 ديسمبر، قام المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية بإعداد دراسة مسحية شاملة حول العنف الموجه ضد الفئات الأكثر ضعفًا (المرأة والطفل) عام 2020. وفيما يلي استعراض للدراسة الأولى الخاصة بالعنف الموجه ضد النساء.

العنف الموجه ضد النساء

تم رصد عدد 211 حالة عنف موجه ضد النساء في عام 2020 موزعة على معظم محافظات الجمهورية، وكان الأكثر وضوحًا هو أن الغالبية من الجناة مرتكبي وقائع العنف هم من الرجال.

وانقسمت ممارسات العنف ضد المرأة وفقًا لنوعية الجريمة، إذ احتل القتل والشروع في القتل مقدمة القائمة بعدد 173 حالة، يليها الجرائم الجنسية ” اغتصاب – تحرش – ابتزاز” بعدد 38 حالة. وبملاحظة منحنى نوعية الجريمة وُجد أن الاتجاه السائد هو نحو ممارسات أكثر عنفًا ودموية تجاه المرأة، خاصة في الجرائم الناجمة عن الخلافات الاسرية، بدلًا من فعل ممارسات أقل حدة كالتعنيف اللفظي مثلًا.

  • انتشار حالات العنف جغرافيًا

على مستوى المحافظات، تصدرت محافظات (الجيزة- القاهرة – قنا- الشرقية) قائمة المحافظات الأعلى في معدلات العنف ضد المرأة، بينما احتلت محافظات (الوادي الجديد – السويس – البحر الأحمر) أقل المحافظات في معدلات العنف. ويتضح من الشكل أن توزيع معدلات العنف لا يرتبط بنطاق جغرافي معين وإنما موزع على كل المحافظات.

  • الأسباب 

تصدرت الخلافات الأسرية قائمة الأسباب المؤدية إلى تزايد معدلات العنف بعدد 98 حالة عنف أسري، تلتها الدوافع الجنسية” إثارة الغرائز “بعدد 43 حالة، ثم الخلافات المادية. وعلى الرغم من ارتفاع معدل دافع الشك في السلوك نسبة لعدد الجرائم، فيرى باحثو الدراسة أن هناك أيضًا نسبة كبيرة من الخلافات الأسرية دافعها الشك في السلوك متخفيًا تحت ستار أسباب أخرى.

  • الوسائل

وبالنسبة للوسائل المستخدمة في ممارسة العنف ضد المرأة، فقد جاء استخدام الأدوات الحادة في المرتبة الأولى بواقع 85 حالة. ومن الملاحظ أن غالبية الحوادث المستخدم فيها أدوات حادة جاءت من قِبل الزوج ضمن الخلافات الأسرية، وتلى ذلك الضرب والتعذيب المفضي إلى الموت بعدد 26 حالة. والجدير ملاحظته في نسب استخدام الوسائل هو الاتجاه لممارسات عنف أكثر دموية تجاه النساء. 

  • من هم الجناة؟

جاءت النسبة الأكبر لممارسات العنف ضد النساء من قِبل الشباب، إذ تم رصد عدد 127 جانيًا من الفئة العمرية (15-40) عامًا. وجدير بالذكر أنه تم رصد اشتراك أكثر من جانٍ في ممارسة العنف الموجه لامرأة واحدة، وظهر ذلك جليًا في جرائم الشرف والشك في السلوك، والجرائم الجنسية؛ عن طريق اشتراك الأب مع الابن أو الأب مع العم وابن العم في الجريمة تحت ذريعة الانتقام لشرف العائلة.

وتم رصد 81 جانًا في الفئة العمرية 40 فيما فوق، منهم 49 جانيًا فوق الـ 50 عام حيث كانت الخلافات الأسرية والجرائم الجنسية أبرز دوافعهم لارتكاب العنف. والخلاصة فإن ممارسات العنف الموجه ضد المرأة كانت متقاربة في جميع الفئات العمرية دون غلبة لفئة بعينها.

وبالنسبة للتصنيف المهني للجناة: تم استنتاج وجود علاقة طردية بين مستوى التعليم ومرتكبي الوقائع؛ إذ جاء أغلب مرتكبي جرائم العنف من ممارسي المهن الحرة “الفئات الأدنى في المستوى التعليمي حسب منهجية الدراسة” بواقع 95 جانيًا. وانخفضت ممارسات العنف في المستويات التعليمية الأعلى؛ فكان عدد الجناة من الموظفين 30 جانيًا، والأطباء 4 جناة، أما من الأكاديميين فكان جانٍ واحد. فيما احتلت فئة العاطلين عن العمل المرتبة الثانية بواقع 69 جانيًا، وهذا يطرح تساؤلًا حول علاقة البطالة بممارسة العنف ضد النساء في المجتمع المصري.

  • بيانات الضحايا

جاءت النسبة الأكبر للضحايا في فئة الشباب؛ إذ تم رصد 143 حالة في الفئة العمرية من (15-40) عامًا، يليها عدد 43 حالة في الفئة العمرية 40 فيما فوق. ويتضح لنا أن أغلب الجرائم التي ارتُكبت جاءت بين الشباب تحت ذريعة خلافات أسرية للجناة والمجني عليهن، وهذا ما يطرح تساؤلًا حول وضع منظومة الزواج وحال الأسرة المصرية اليوم.

وبالنسبة للتصنيف المهني للضحايا، كانت فئة ربات المنازل هي الفئة الأكثر عرضة لممارسات العنف بواقع 146 حالة، يليها مباشرة فئة الطالبات بواقع 34 حالة، ثم فئة الموظفات بواقع 22 حالة. مما يُسلط الضوء على العلاقة بين تمكين المرأة وانخفاض معدلات العنف.

  • صلة القرابة

لعبت صلة القرابة بين الجناة والمجني عليهن دورًا وثيقًا؛ إذ جاءت أغلب حالات العنف من الأقارب بمختلف الدرجات بنسبة 61.6 % بعدد 130 حالة من إجمالي 211 حالة، وتصدر الزوج تلك القائمة بنسبة 39,3 %، فيما جاءت 25 حالة من قِبل الخطيب أو الجار أو العشيق. وكان عدد الحالات التي لا توجد بها صلة قرابة 59 حالة، مما يُسلط الضوء على مدى الترابط الأسري ومن ثم المجتمعي، ومدى الأمان التي تتمتع به المرأة في محيطها الضيق الخاص بالأسرة والعائلة. 

منهجية الدراسة

اعتمدت الدراسة مفهوم العنف الصادر من الأمم المتحدة وهو ” أيّ فعل عنيف تدفع إليه عصبية الجنس ويترتب عليه، أو يرجّح أن يترتب عليه، أذى أو معاناة للمرأة، سواء من الناحية الجسمانية أو الجنسية أو النفسية، بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل أو القسر أو الحرمـــــان التعسفي من الحرية، سواء حدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة “

وفيما يخص مفهوم “العنف الموجه ضد النساء” موضوع الدراسة، فتمثلت “حالات العنف الجسماني في “القتل والشروع في القتل والتعذيب المفضي إلى الموت” والعنف الجنسي في “الاغتصاب والتحرش والابتزاز الجنسي” وتم استبعاد حالات التعنيف والعنف اللفظي.

وبالنسبة لعملية جمع المعلومات، فجميع المعلومات الواردة في الدراسة هي وفقًا لمصادر ثانوية والتي جاءت عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو الوسائل الإعلامية الناقلة عن مصادر أمنية مثل “اليوم السابع – صدى البلد- الأهرام- المصري اليوم – الأخبار – البوابة نيوز- الوطن – الدستور – الوفد” لعام 2020.

وقد تم توزيع الفئات الوظيفية في الدراسة كالاتي: 

  • طالب/ة: هو الطالب المقيد في إحدى المراحل التعليمية.
  • مهن حرة: أي مهنة حرفية: سباك – سائق- مزارع- نجار- أو صاحب مشروع.
  • ربة منزل: هي التي لا تعمل أو كما وردت في المصادر الإعلامية
  • موظف/ة: هو الموظف في مؤسسات حكومية أو خاصة أو أي عمل إداري ومكتبي 
  • عاطل: هو الذي لا يعمل وفقًا للمصادر الإعلامية.

تحليل البيانات

  • دلالة تصدر الشباب معدلات العنف

يمثل الشباب (أقل من 40 عامًا) تقريباً 60% من التركيبة السكانية في مصر، وبلغ عدد الشباب في الفئة العمرية من 18 إلى 29 عامًا طبقًا لتقديرات السكان عام 2020 تقريبًا 20.6 مليون نسمة بنسبة 21% من إجمالي السكان. وعليه؛ فلم تتفاجأ الدراسة من زيادة عدد حالات العنف بين الشباب بوصفها الفئة الغالبة في التركيبة السكانية من جهة.

أما من جهة أخرى فترى الدراسة أن هناك علاقة بين انخفاض سن الزواج وارتفاع معدلات العنف؛ ويعود ذلك إلى قلة الخبرات الحياتية المكتسبة لدى الزوجين، إضافة إلى عدم قدرة الشباب في المراحل العمرية المبكرة على تحمل المسؤوليات المادية والأسرية، مما يساعد على سرعة نشوب الخلافات وتطورها ويدلل على ذلك ارتفاع معدلات الطلاق في السنوات الأولى من الزواج.

  • هل تتمتع المرأة بالأمان في محيطها الأسري والعائلي؟

وفقًا لإحصائيات الدراسة فالإجابة هي لا تتمتع المرأة بالأمان الكامل في محيطها الأسري والعائلي؛ إذ جاءت أغلب حالات العنف من الأقارب بمختلف الدرجات بنسبة 61.6 % من إجمالي عدد الحالات. وهذا يقودنا إلى تسليط الضوء على جودة العلاقات الأسرية والعائلية في مصر، وأثر ذلك على الترابط المجتمعي.

فوفقًا للدراسة وُجد عدد 116 حالة عنف معنونة بالخلافات الأسرية والشك في السلوك، والتي انتهى أغلبها بالقتل أو الشروع في القتل. وعلى الرغم من المزاعم المطروحة من قِبل الجناة بالدفاع عن الشرف والعرض و”غسل عار العائلة” إلا أن الدراسة ترى أن الجناة اتخذوا تلك المزاعم ذريعة للإفلات من عقوبة القتل تحت حماية من القانون الذي يسمح بتخفيف العقوبة إلى حد البراءة في حالة الدفاع عن الشرف.

  • علاقة البطالة والفقر والتعليم بالعنف الموجه ضد النساء

أوضح التصنيف الوظيفي للجناة أن نسبة كبيرة من مرتكبي جرائم العنف ضد النساء عاطلون عن العمل، وكانت النسبة الأكبر منهم من قاطني محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية والتي ترتفع بها نسبة البطالة وتصل إلى “12,7 – 10,3- 8,2% ” بالترتيب ومن ثم يمكن الجزم بأن هناك علاقة مباشرة بين البطالة وتزايد معدلات العنف ضد النساء. 

وبالنسبة للفقر فقد خلصت الدراسة إلى أن هناك علاقة بين الفقر وزيادة معدلات العنف الموجه ضد النساء، وإن لم تكن قوية؛ فالمحافظات الأعلى في معدلات العنف (القاهرة، والجيزة وقنا، وسوهاج) تندرج ضمن المحافظات المرتفعة في معدلات الفقر نسبيًا. ولكن لا يمكن الجزم بطبيعة العلاقة بين الفقر وارتفاع معدلات العنف تمامًا؛ فبنظرة سريعة نجد تصدرًا لمحافظات الصعيد لنسب الفقر على مستوى الجمهورية وتراجعها في معدلات العنف، ويعود ذلك إلى طبيعة ثقافة تلك المجتمعات التي تمنع النساء او الأطفال من الإبلاغ عن حالات عنف أسرية. إضافة إلى عدم الوعي الكافي للمرأة بحقها في الإبلاغ عن حوادث العنف، واللجوء في حالات العنف إلى الجلسات العرفية بدلًا من اللجوء إلى القانون.

وبالنسبة للتعليم فكانت النسبة الأكبر من الجناة، من العاملين المهن الحرة التي لا تتطلب مستوى تعليميًا مرتفعًا، وانخفضت ممارسات العنف في المستويات التعليمية الأعلى -كما سبقت الإشارة- مما يدلل على وجود علاقة عكسية بين مستوى التعليم وزيادة معدلات العنف؛ فكلما زاد مستوى تعليم الفرد قل ارتكابه لجرائم عنف.

وعلى مستوى الضحايا فجدير بالذكر أن العدد الأكبر كان من ربات البيوت بعدد 146 حالة، مقارنة بعدد الضحايا من النساء العاملات البالغ عددهن 28 حالة، لذلك فهناك أيضًا علاقة مباشرة بين تمكين المرأة في سوق العمل وانخفاض معدلات العنف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى