تركيا

ترسيخ النفوذ… محفزات إعادة تسمية “المجلس التركي” إلى “منظمة الدول التركية”

استضافت مدينة إسطنبول أعمال القمة الثامنة لمجلس التعاون للدول الناطقة بالتركية، في 12 نوفمبر، والتي شهدت تغيير اسم المجلس إلى “منظمة الدول التركية OTS”، واعتماد رؤية “العالم التركي 2040” بمبادرة من الرئيس الكازاخستاني المؤسس نور سلطان نزارباييف. وقررت الدول الحاضرة التعاون في مكافحة الإرهاب والتطرف والانفصالية والعنصرية والتمييز والكراهية، وتنسيق جهودها في هذه المجالات على الساحة الدولية، فضلًا عن اتخاذ الإجراءات اللازمة لتعزيز التجارة والاستثمار المتبادلين لخلق ظروف مواتية للدول الأعضاء.

وتضم المنظمة في عضويتها تركيا وأذربيجان وكازاخستان وقيرغيزستان وأوزباكستان، إضافة إلى تركمانستان والمجر بصفة مراقب، ويُعتقد أن بودابست تسعى إلى أن تكون عضوًا كامل العضوية. ويعود تأسيس المجلس التركي إلى القمة التاسعة لقادة الدول الناطقة بالتركية التي استضافتها مدينة ناختشيفان الأذربيجانية عام 2009، قبل الإعلان رسميًا عن إنشاء المجلس نهاية 2010 خلال قمة عُقدت في إسطنبول. وقد هدف حينها إلى إقامة وتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتعميق العلاقات بين الدول الناطقة بالتركية، وتوسيع مجالات التعاون الدولي في العالم الإسلامي وبين دول المنطقة، وترسيخ السلام والاستقرار فيها.

وخلال السنوات العشر الماضية، عُقِدَت عشرات القمم على مستوى القيادات ووزراء الخارجية والوزارات المختلفة، ووُقعت عشرات الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين وزارات الدول الأعضاء ومؤسساتها ذات الصلة. وفي عام 2019، أُنشئت غرفة التجارة والصناعة، وتخطط الدول لإنشاء صندوق استثماري لدعم الجهود المبذولة لتنويع اقتصاداتها، وزيادة التجارة البينية، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وتعزيز الإطار المؤسسي لغرفة التجارة والصناعة التركية. ويعمل المجلس الذي أصبح منظمة كمظلة لمنصات التعاون الأخرى بين المجتمعات التركية مثل المنظمة الدولية للثقافة التركية، والجمعية البرلمانية للبلدان الناطقة بالتركية، والأكاديمية التركية الدولية، ومؤسسة التراث والثقافة التركية، والغرفة التركية للتجارة والصناعة.

السياق والدلالات

بينما لم تأتِ فكرة إنشاء المجلس التركي من أنقرة؛ كونها كانت تركز في ذلك الوقت بشكل أساسي على التكامل مع الاتحاد الأوروبي وإنما انبثقت عن الرئيس الكازاخستاني نور سلطان نزارباييف عام 2006، فإن تركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان دفعا بقوة نحو تحويلها إلى منظمة الدول التركية والترويج لهذا التغيير؛ تماشيًا مع استراتيجيتها الساعية لخلق دوائر حركة دبلوماسية جديدة والبحث عن حلفاء وشركاء جدد من منظور الترابط التاريخي والعرقي والثقافي والأيديولوجي واللغوي والقرب الجغرافي في منطقة تراها فناءً خلفيًا لها ومنطقة نفوذ تقليدي، وبما يتسق مع صعود مفهوم القومية التركية.

وتعرَّف القومية التركية بكونها فكرة أن الشعوب التركية في جميع أنحاء العالم مثل الأذريين والتتار والكازاخيين والأوزبكيين والقرغيزيين تشكل أمة واحدة ذات تراث مشترك يُمكنها إقامة تحالف إقليمي، وهو ما يُمثل تهديدًا لاثنين من الفاعلين المنخرطين بشكل كبير في آسيا الوسطى وهما روسيا والصين؛ إذ تنظر الصين إلى إحياء القومية التركية في وسط وغرب آسيا كتهديد للاستقرار الاجتماعي والأمني في إقليم شينجيانغ المتمتع بالحكم الذاتي الذي يسكنه الأويجور ويلعب دورًا مهمًا في مبادرة الحزام والطريق. فيما تراها روسيا متناقضة مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي الهادفة لإنشاء تكامل عسكري وتجاري أوراسي، وهو ما يعزز حدة التنافس بين روسيا والصين وتركيا بالمنطقة.

وقد كانت حرب ناجورنو قره باغ نقطة تحول رئيسة في التوجه التركي تجاه آسيا الوسطى وإعادة طرح قضية الوحدة التركية؛ إذ فتح الدعم العسكري التركي لباكو الباب أمام تعزيز نفوذ أنقرة في أذربيجان على جميع المستويات، وبات يُنظر إلى العلاقات بين البلدين كنموذج محتمل لما يجب أن تكون عليه العلاقات بين دول “العالم التركي” كما يحلو لأنقرة تسميتها. ولعل انعقاد القمة الثامنة التي شهدت تسمية “منظمة الدول التركية” بالتزامن مع الذكرى السنوية الأولى لانتصار أذربيجان ومنح رئيسها إلهام علييف وسام العالم التركي الأعلى جسد هذا التطور الأساسي. 

ويُنظر إلى المادة التاسعة من إعلان شوشة التي تحدد بناء ممر زانجيزور الرابط بين أذربيجان وإقليم ناختشيفان الاستراتيجي على أنه وسيلة لفتح طرق عبور جديدة لتركيا للوصول إلى آسيا الوسطى وترسيخ نفوذ أنقرة في منطقة بحر قزوين؛ إذ سيجعل منها جزءًا من شبكة النقل في بحر قزوين بما في ذلك ممر النقل الأوسط “بين الشرق والغرب” وممر النقل الدولي “بين الشمال والجنوب”، بحيث تصبح أحد نقاط الربط بين آسيا وأوروبا. ويمكن أن تصبح منظمة الدول التركية منصة رئيسة لتركيا للاستفادة من فرص النقل الجديدة. 

ولتوضيح الأهمية التي توليها أنقرة للمنظمة الجديدة فقد خصصت مبنى تاريخيًا كبيرًا في إسطنبول ليكون مكتب الأمانة العامة الجديد للمنظمة، ويقع المبنى بالقرب من منطقة السلطان أحمد موطن القصور البيزنطية والعثمانية، وعلى بعد خطوات من قبر السلطان العثماني المفضل لدى أردوغان، عبد الحميد الثاني. 

مُحفزات عديدة

ينطوي إضفاء الطابع المؤسسي على المجلس التركي عبر تحويله إلى منظمة إقليمية على جملة من المحركات يُمكن استعراضها على النحو التالي: 

• تحقيق التوازن مع القوى الكبرى: حفزت التحولات الجيوسياسية في منطقة آسيا الوسطى والقوقاز المرتبطة بالانسحاب الأمريكي من أفغانستان، واستعادة أذربيجان إقليم ناجورنو قره باغ الاستراتيجي خلال حربها الأخيرة مع أرمينيا بدعم من تركيا، وما صاحبها من إعادة توزيع موازين القوى، وزيادة حدة التنافس بين القوى الكبرى والإقليمية ذات النفوذ التقليدي بالمنطقة؛ دول آسيا الوسطى لتعزيز الروابط من أجل تحقيق التوازن والأمن الجيوسياسي على أساس تنويع شراكاتها.

ومن هنا كان القبول بفكرة “منظمة الدول التركية” لتكون إطارًا للتكامل الإقليمي يتوازى مع الاتحاد الأوراسي ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي لكومنولث الدول المستقلة التي تنضم إليهما العديد من بلدان آسيا الوسطى إلى جانب روسيا. ولعل انضمام تركمانستان كدولة مراقب –رغم التزامها بمبدأ الحياد– يوضح تأثيرات الوضع الدولي خلال السنوات الأخيرة على دول المنطقة.

• تعزيز التكامل الإقليمي متعدد المستويات: يحمل تغيير الاسم والصفة إلى “منظمة الدول التركية” مدلولات تتعلق بالإطار التنظيمي والقانوني لعمل المنظمة الجديدة؛ فبينما كان المجلس هيئة استشارية تعاونية ليس لقراراتها طابع ملزم على أعضائها، فإنه بات الآن منظمة إقليمية تستهدف تحقيق التكامل السياسي والاقتصادية والدفاعي، ويلتزم أعضاؤها بتنفيذ القرارات المتخذة بشكل مشترك. علاوة على ذلك، هناك بُعد آخر للتغيير الأخير؛ فبحكم تحولها إلى منظمة دولية، ستكون منظمة الدول التركية قادرة على اكتساب صفة مراقب في الأمم المتحدة والتأثير على السياسة الدولية بطريقة أكثر فاعلية.

ولعل “رؤية العالم التركي – 2040” التي أقرتها القمة الأخيرة كاشفة للفلسفة التكاملية التي تقوم عليها المنظمة؛ إذ تستهدف تحقيق تقارب السياسات الاقتصادية والأطر التنظيمية ذات الصلة، وتحقيق التكامل التجاري الكامل، وإنشاء مساحة استثمارية واحدة، وتحقيق التكامل الرقمي، ورفع مستوى النقل وتوصيل الطاقة والتنقل داخل المنطقة. 

ومن ناحية أخرى، تحدد “استراتيجية – 2026” التي تم تبنيها أيضًا خلال القمة أهدافًا واضحة لعام 2026. وتُظهر الوثيقتان رغبة الأطراف في تحقيق تكامل السوق جنبًا إلى جنب مع التعاون السياسي الوثيق، لا سيمَّا أن دول المنظمة تمثل سوقًا كبيرًا يبلغ عدد سكانه أكثر من 250 مليون نسمة، ويزيد إجمالي ناتجه المحلي على 3.8 تريليون دولار، وحجم تجارته البينية نحو 9 مليارات دولار في عام 2019، بينما يبلغ حجم تجارته في الاقتصاد العالمي 536 مليار دولار. 

ويكتسب البُعد الاقتصادي أهمية خاصة بالنسبة لأنقرة التي ترزح تحت وطأة أزمة اقتصادية حادة تتجسد أبرز مظاهرها في تراجع قيمة الليرة لمستويات قياسية مسجلة 11.19 مقابل الدولار في 22 نوفمبر، واستقرار معدل التضخم في خانة العشرات مسجلًا 19.25% خلال أغسطس الماضي، وارتفاع قيمة الديون إلى 109% خلال ثلاث سنوات مسجلًا 2026.802 مليار ليرة في يونيو 2021 صعودًا من مستوى 969.940 مليار ليرة في يونيو 2018، علاوة على ارتفاع مستويات الفقر والبطالة ليسجلا 12.2% و10.6% على الترتيب. وقد عمقت الضغوط الناجمة عن جائحة كورونا والتوترات مع الدول العربية الأزمة الاقتصادية.

وعليه، تتطلع أنقرة لفتح أسواق جديدة، وتوسيع نطاقات شراكاتها الاقتصادية مع دول آسيا الوسطى، وإنشاء سوق مشتركة للسلع والاستثمار والعمالة والخدمات بحلول 2026-2028، لا سيمَّا أن وجودها الاقتصادي هناك متواضع، وليست شريكًا تجاريًا رئيسًا لأي من دول المنطقة باستثناء تركمانستان. ويجادل البعض بأن دولًا أخرى ذات علاقات وثيقة مع الدول الأعضاء أو تشاركها نفس الأهداف الاستراتيجية قد تنضم لاحقًا إلى السوق المشتركة، فقد كشف الأمين العام للمنظمة أمرييف في مقاله الأخير لصحيفة “حرييت” أن 15 دولة سعت إلى الحصول على صفة مراقب حتى الآن.

• تدعيم برنامج الصناعات الدفاعية: طورت أنقرة برنامجًا للصناعات الدفاعية حقق تقدمًا نسبيًا، وهو ما يتطلب المزيد من الاستثمارات والدخول في شراكات تصنيعية متعددة وتعزيز الصادرات الدفاعية لتواصل نموها على المدى الطويل. وهنا تبرز أهمية دول آسيا الوسطى كسوق محتمل للسلاح التركي وبالأخص الطائرات المسيرة التي أظهرت قدرة على حسم حرب الـ 44 يومًا بين أذربيجان وأرمينيا نهاية عام 2020 لصالح الأولى.

وقد أكسبت تلك الحرب الأسلحة التركية اهتمامًا ملحوظًا بين دول آسيا الوسطى؛ ففور انتهاء الصراع في قره باغ زار وفد عسكري من كازاخستان تركيا وتفقد طائرات بدون طيار في قاعدة بمدينة باتمان. وفي تطور آخر، وقّعت قيرغيزستان صفقة لشراء طائرات تركية بدون طيار من طراز “بيرقدار” خلال نوفمبر الجاري، لتصبح الدولة الأولى في آسيا الوسطى التي تحظى بصفقة كهذه.

وقد شهدت السنوات الأخيرة أيضًا عددًا من مبيعات الأسلحة والعربات المدرعة والعربات العسكرية المختلفة تم الإعلان عن بعضها رسميًا، في حين ظهرت أخرى خلال العروض ولم يعلن عنها من قبل. ويكتسب التعاون الدفاعي بُعدًا آخر يتعلق بالتدريب العسكري، لا سيمَّا أن أنقرة ترتبط باتفاقيات تدريب مع بعض دول آسيا الوسطى ويتلقى الضباط الكازاخستانيون والقرغيزيون والأوزبكيون تدريبات داخل الأكاديميات العسكرية التركية، وبالتالي يكونون مصدرًا لنشر معايير الناتو في آسيا الوسطى. علاوة على برامج الإنتاج العسكري المشترك، على سبيل المثال ذلك البرنامج الذي بدأته تركيا وكازاخستان في 2013.

• الربط الأورو-آسيوي عبر طريق الحرير: تتطلع دول آسيا الوسطى إلى تطوير ممرات النقل وإنشاء بنية تحتية لوجيستية لضمان الوصول إلى الأسواق العالمية الرئيسية، بما في ذلك الصين والهند وباكستان ودول آسيوية أخرى، وكذلك من أذربيجان وتركيا إلى الدول الأوروبية، في إطار منظمة الدول التركية، بحسب ما أكد رئيس أوزباكستان شوكت ميرزيوييف خلال قمة المجلس التركي في أبريل الماضي. 

وقد تحدث أردوغان على وجه التحديد عن الممر العابر لبحر قزوين بين الشرق والغرب والوسط، الذي وفقًا لوصفه سوف يمر عبر جورجيا وأذربيجان وبحر قزوين، ويصل إلى الصين عبر طريق تركمانستان – أوزبكستان – قيرغيزستان، ويُقدم الممر بديلًا اقتصاديًا لخط السكك الحديدية الحالي الذي يربط بين آسيا وأوروبا عبر سيبيريا، والذي ينقل الشحنات من الصين إلى أوروبا. وهو ما يُعطي دول آسيا الوسطى دورًا أكبر في مبادرة الحزام والطريق ويربطها بأوروبا.

• إنقاذ شعبية أردوغان داخليًا: يشهد حزب العدالة والتنمية تراجعًا ملحوظًا في مستويات التأييد الشعبي بالتزامن مع تعمق حدة الأزمة الاقتصادية، مما وضع أردوغان ومستقبله السياسي على المحك وجعله رهينة لحزب الحركة القومية اليميني المتطرف الذي يروج للقومية التركية. وعليه، يريد أردوغان حشد الدعم السياسي عبر دغدغة المشاعر الشعبوية والقومية واليمينية المتطرفة المتنامية داخليًا من خلال تقديم نفسه بوصفه زعيمًا للعالم التركي، لا سيمَّا وأن دعايته الدينية لم تعد تحظى بالترحيب بين قطاعات كبيرة من المجتمع التركي. ومع ذلك، فإن عدم اعتراف الدول الأعضاء بجمهورية شمال قبرص التركية كاشفًا للنهج البراجماتي للمنظمة التي يبدو أنها ستركز على المصالح الاقتصادية بشكل أكبر.

• تثبيت النفوذ التركي في آسيا الوسطى والقوقاز: بينما تعاني أنقرة من توترات جيوسياسية كبيرة مع حلفائها التقليديين بما في ذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتنامي عزلتها الإقليمية في الشرق الأوسط، سعت أنقرة إلى توسيع نطاق وصولها شرقًا إلى آسيا الوسطى بغرض تشكيل تحالف مع الدول الأخرى الناطقة بالتركية يرتكز على مشتركات الهوية واللغة والعرق والدين، بما يعزز نفوذها الإقليمي والدولي، ويمكنها من إقامة تحالف سياسي وعسكري لاحتواء التنامي المتوقع لنفوذ روسيا وإيران في منطقتي البحر الأسود والقوقاز لملء الفراغ الاستراتيجي الناجم عن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، والذي ظهرت ملامحه في انضمام إيران لمنظمة شنغهاي للتعاون، وانخراطها وروسيا في حوار مباشر مع حركة طالبان.

ختامًا، تكتسب منظمة الدول التركية أهمية خاصة بالنسبة لأنقرة التي تراها دافعًا قويًا لتعميق تعاونها السياسي والاقتصادي والأمني والعسكري مع دول آسيا الوسطى والقوقاز، والسعي إلى موازنة النفوذ الروسي والصيني والإيراني المتنامي والمرتبط بالتغيرات الجيوسياسية في المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى