أوروبا

مستقبل الأمن الأوروبي ما بين الاستقلال الاستراتيجي والناتو

بعد وقت قصير من الإعلان عن “أوكوس” صرّح الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية “جوزيب بوريل”، بأنه “يجب أن نحيا بمفردنا، كما يفعل الآخرون …” واستطرد بوريل قائلًا إنه “من الواضح أن الحاجة إلى المزيد من الدفاع الأوروبي لم تكن أبدًا بنفس القدر من الوضوح اليوم بعد الأحداث في أفغانستان”. لقد صار الحديث عن ضرورة وجود المزيد من الاستقلال الاستراتيجي لدى الاتحاد الأوروبي متكررًا بفعل الأحداث الأخيرة، وإن لم يكن حديث النشأة. 

ويثير هذا المفهوم العديد من الهواجس، ويحمل في طياته العديد من التحديات أيضًا. وهو ما يرجع إلى الربط المتكرر بينه وبين تخلي القوى الأوروبية عن الاعتماد على الناتو. وأبرز تحدياته تكمن في قدرته على موازاة الناتو كأساس لضمان الأمن الأوروبي. 

الناتو والاتحاد الأوروبي

لقد تأسس حلف الناتو ليصبح حجر الزاوية في منظومة الأمن الأوروبي والتي تعهدت الولايات المتحدة -بوصفها القوى المهيمنة على النظام العالمي ما بعد الحرب العالمية الثانية- على ضمانه. وكان الحلف أحد أدوات الولايات المتحدة الرئيسة في مواجهتها مع الاتحاد السوفيتي. وقد كان هذ الحلف حافزًا أساسيًا للدول الأوروبية للتعاون؛ فمن ناحية قد تم ضمان تحمل الولايات عبء الدفاع عن أوروبا، وكذلك تم تأسيس بنية تعاونية بين الأطراف سهلت دخولهم في أشكال تقاربية أكبر، ومن هنا تم التوجه نحو تأسيس الاتحاد الأوروبي. 

وقد تم إضفاء الطابع المؤسسي على العلاقات بين الناتو والاتحاد الأوروبي في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين؛ بعد أن باركت الولايات المتحدة سياسة التوسع شرقًا للاتحاد الأوروبي، ودفعت نحو تحمله قدرًا أكبر من المسؤولية، بعد خفوت التهديد السوفيتي لأوروبا. 

هذا الطابع أكدّ على وصول الاتحاد الأوروبي إلى قدرات التخطيط لحلف الناتو للعمليات العسكرية للاتحاد الأوروبي. وهو ما يُعد منطقيًا نظرًا لوجود 21 دولة عضو بالناتو من أصل 30 دولة هي دول أعضاء بالاتحاد الأوروبي. واستمر هذا الطابع في الاتجاه نحو المزيد من الترابط، وكذلك التغير في سبل تعامله مع التهديدات؛ نظرًا لتغير طبيعة تلك المهددات من الأساس..

على سبيل المثال، في وارسو في يوليو 2016، حددت المنظمتان مجالات لتعزيز التعاون في ضوء التحديات المشتركة في الشرق والجنوب، بما في ذلك مواجهة التهديدات المختلطة، وتعزيز المرونة، وبناء القدرات الدفاعية، والدفاع الإلكتروني، والأمن البحري والتدريبات. وفي 10 يوليو 2018، في إعلان مشترك، اتفقت المنظمتان على التركيز على التقدم السريع في مجالات التنقل العسكري ومكافحة الإرهاب وتعزيز القدرة على الصمود أمام المخاطر الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية. وأخيرًا نجد أن الناتو قد أدرج التغير المناخ كمهدد له يجب على دوله التكاتف لمواجهته. 

ولكن برغم تلك المرونة التي يبديها الحلف، تكمن المشكلة الرئيسة في ضمان استمرار عمله بكفاءته القديمة، وحفاظه على أساس تأسيسه وهو (ضمان الأمن الأوروبي)، كما سبق التوضيح. فهناك اتجاه الولايات المتحدة المتزايد لفك ارتباطها بمنظومة الأمن الأوروبي، والتوجه نحو آسيا. هذا التوجه الذي بدأ منذ عهد الرئيس الأسبق “باراك أوباما”، واستمر في عهد ترامب، ويستمر في التزايد في عهد الإدارة الحالية للرئيس “بايدن”. 

وعليه، فإن هذا التحول، انعكس بالتبعية على القيادات الأوروبية، وضاعف شعورهم بالتهديد من انهيار وضعف منظومتهم الأمنية المدعومة بشكل محوري من قبل الولايات المتحدة. وأفرزت تلك المخاوف، عدة مفاهيم، كان أبرزها مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي”.

بروز الاستقلال الاستراتيجي كضامن للأمن الأوروبي

على الرغم من بريق المصطلح، فإنه ليس جديدًا؛ فقد تم استخدام مفهوم الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي لأول مرة من قبل مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في ديسمبر 2013، وركز المفهوم على جانبي الأمن والدفاع، وضمان استقلاليتهما. وعلى الرغم من عدم تعريفه صراحةً، فقد تم ترقيته بوصفه طموحًا استراتيجيًا أوسع في الاستراتيجية العالمية للاتحاد الأوروبي لعام 2016، والتي تمت الموافقة عليها فورًا بعد استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. 

وبمرور الوقت، تم تطوير المفهوم، المشتق أصلًا من مجال الدفاع وتطبيقه، إلى مجالات سياسية أخرى. وأصبح يُستخدم بشكل متبادل مع مفهوم السيادة الأوروبية الذي بشرّ به الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في عام 2017 وردده الرئيس السابق “جان كلود يونكر” في خطابه عن حالة الاتحاد لعام 2018. وتم تبني هذا الفهم الموسع للحكم الذاتي من قبل اللجنة “الجيوسياسية” التابعة لرئيسة المفوضية ” أورسولا فون دير لاين” في خريف عام 2019. 

وضاعفت الأحداث الأخيرة أهمية المفهوم، وكان أبرز تلك الأحداث الخروج الأمريكي من أفغانستان بهذا الشكل المهين للقوى الأوروبية، نظرًا لعدم إشراكهم في مفاوضات الخروج، بل الاكتفاء بمجرد إبلاغهم. وكذلك توقيع اتفاقية “أوكوس” التي كانت أولى نتائجها خسارة فرنسا لعقد تصنيع غواصات لأستراليا. وبالرغم من الحجم المالي الهائل للصفقة، إلا أن وطأة الأمر كانت ترتكز على التفاوض بسرية للوصول لمثل هذا الاتفاق، دون الاكتراث بتنبيه أو إبلاغ الجانب الفرنسي. 

تلك الأحداث، ضاعف وطأتها أن هذا النهج في تجاهل القوى الأوروبية، قد استمر مع إدارة رآها القادة الأوروبيون أكثر إيمانًا بالتحالف عبر الأطلسي وبأهمية الضمان الأمريكي للأمن الأوروبي. بعكس الإدارة السابقة للرئيس “دونالد ترامب” التي كانت تزدري مثل تلك الضمانات أو التحالفات، التي عدّتها نزيفًا للقدرات الأمريكية، وليست داعمة لها. ولهذا مثلّت تحركات إدارة الرئيس “جو بايدن ” عاملًا مُزلزلًا لتصورات الجانب الأوروبي، وضاعفت مخاوفه بخصوص ضمانات أمنه. 

وقد انعكست تلك المخاوف، على دعم الرأي العام الأوروبي للتوجه نحو دعم قدرة أوروبية أمنية ودفاعية أكثر استقلالية. فقد أظهر استطلاع للرأي نُشر بعد انتخاب الرئيس بايدن أن 60% على الأقل من المستطلعين في كل دولة أوروبية يعتقدون الآن أنهم “لا يستطيعون الاعتماد دائمًا على الولايات المتحدة للدفاع عنهم”. ومن المثير للاهتمام أن هذا الرقم يصل إلى 66% في الدنمارك، و69% في بولندا، و74%في المملكة المتحدة، وهي البلدان التي قاومت تقليديًا قدرة أوروبية أمنية ودفاعية أكثر استقلالية.

معوقات الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي

بالرغم من زيادة الدعم في أوساط الشعوب والقيادات الأوروبية، لمفهوم الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي كسبيل لضمان الأمن الأوروبي، في ظل اتجاه الجانب الأمريكي نحو المزيد من فك الارتباط مع الجانب الأوروبي، والتركيز على آسيا كأساس لمواجهتها مع القوى الصاعدة للصين. إلا أن هذا المفهوم يواجه عددًا من التحديات الرئيسة المعرقلة لترجمته بفاعلية على أرض الواقع، ويُعد أبرزها، كالتالي: 

تضارب رؤي القوى الأوروبية: 

تتسم السياسة الخارجية للدول الأوروبية وبالتبعية الدفاعية بالضعف، نظرًا لعامل هيكلي في تأسيس الاتحاد وهو ضرورة اتخاذ القرارات بالإجماع، وهو ما انعكس على إصابة تلك السياسة بالشلل في الكثير من الأحيان. في مقابل تحرّك القوى الأوروبية بشكل فردي، وهو ما يسبب حالة من التضارب. هذا التضارب وعدم التنسيق انعكس على فاعلية التعاون الأوروبي، فوفقًا للمفوضية الأوروبية، فإن عدم التنسيق بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بشأن الإنفاق الدفاعي يكلفها ما بين 25 و100 مليار يورو سنويًا.

وبهذا، فإن تطوير سياسة دفاعية وخارجية، قادرة على تحديد ما يمثله الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، سيستلزم تطوير رؤية موحدة للتهديدات حتى يتم التعاون لمواجهتها. وهو يخالف واقع الاتحاد الأوروبي؛ فدول شرق ووسط أوروبا ترى المهدد الرئيس هو روسيا، تختلف في ذلك عن ألمانيا التي تعتمد على روسيا بكثافة في ملف الغاز. في المقابل هناك فرنسا التي تدور مخاوفها حول التهديدات الإرهابية العالمية، في حين تركز دول جنوب أوروبا بشكل أكبر على ملف الهجرة كمهدد أساسي. 

تكلفة الإنفاق العسكري: 

تواجه القوى الأوروبية تحديًا هيكليًا في تطوير قدرات الدفاعية، سواء تحت عباءة الناتو أو بشكل مستقل، وهو الحاجة لبذل المزيد من الإنفاق الدفاعي. فالناتو يعتمد على الولايات المتحدة، نظرًا لأنها من حيث نسبة الناتج المحلي الإجمالي المخصصة للنفقات الدفاعية، تنفق أكثر من أي دولة من دول الناتو الأخرى. ففي عام 2020، تشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة أنفقت ما يزيد قليلًا عن 3.7٪ من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، بينما كان المتوسط ​​لأعضاء الناتو الأوروبيين (وكندا) 1.77٪ من الناتج المحلي الإجمالي.

وفى حال تم استثناء النرويج والمملكة المتحدة بوصفهما قوى أوروبية ولكن ليسوا أعضاء بالاتحاد، نجد أنه في 2020 هناك 8 دول أوروبية فقط من الاتحاد وصلت إلى هدف 2% من الانفاق على الدفاع، كانت آخرهم في الوصول لهذا الهدف فرنسا، وذلك بالرغم من أن الاتفاق على الوصول لهدف الـ 2% من الإنفاق على الدفاع من إجمالي الناتج المحلى لدول الحلف منذ قمة ويلز 2014. وتأتى على رأس تلك الدول المتراجعة عن الوصول إلى هذا الهدف، ألمانيا. على الرغم من كونها الاقتصاد الأكبر بالاتحاد.

وفي الوقت الحالي، نجد أن الاتحاد الأوروبي، قد قدّر ميزانيته الخاصة بالأمن والدفاع للفترة من 2021 حتى 2027 ب 13 مليار يورو. وعليه، لتحقيق استقلال استراتيجي حقيقي، سيتعين على الكتلة حشد المزيد من الإرادة السياسية في السنوات المقبلة. ولكن في ظل تكلفة تداعيات جائحة فيروس كورونا المستجد على اقتصادات الدول الأوروبية، نجد أن التوجه نحو الاستثمار في مزيد من الإنفاق الدفاعي بكثافة يُعد مستبعدًا على المدى القريب. 

ضعف العوامل التمكينية:

تعتمد تلك العوامل، على الخدمات اللوجستية التي تضمن للأنظمة الدفاعية استمرارها بفاعلية في وقت المواجهة. وهنا نجد أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تفتقر على سبيل المثال لقدرات النقل الجوي الاستراتيجي. والتي تعني في جوهرها ما يكفي من طائرات النقل الكبيرة لنقل آلاف القوات والأسلحة والمعدات بسرعة إلى القتال. 

وأبرز الأمثلة على محورية تلك العوامل، عدم قدرة القوى الأوروبية على الاستمرار بالوجود في أفغانستان؛ نظرًا لافتقادها لتلك العوامل. وتبرز أهمية تلك العوامل كذلك في عملية “برخان” حيث ينتشر حوالي 3500 جندي فرنسي على الأرض، إلا إنهم يعتمدون على طائرات النقل الأمريكية للدعم اللوجستي، وطائرات الاستطلاع الأمريكية بدون طيار للاستطلاع، والمخابرات الأمريكية لتتبع أهداف مثل الصحراويين. وحين تقوم طائرات ميراج الفرنسية المقاتلة بدوريات في السماء، والتي تستغرق تسع ساعات، فإنها تعتمد على طائرات التزود بالوقود الأمريكية KC-135 من قاعدة جوية في جنوب إسبانيا.

ختامًا، إن تلك العوامل مُجتمعة، توضح عدم توافر إرادة واضحة لدى القيادات الأوروبية وبخاصة ألمانيا على التوجه نحو المزيد من الاستقلال الاستراتيجي، تخوفًا من أن يعرقل مثل هذا التوجه من الاعتماد على الناتو. ولكن في ظل اعتراف الإدارة الأمريكية على لسان الرئيس “جو بايدن” بضرورة التوجه نحو المزيد من التكامل بالدفاع الأوروبي بما لا يتعارض مع حلف الناتو، وكذلك في ظل سعي الإدارة الأمريكية إلى فك ارتباطها بقوة بضمان الأوروبي، مقابل التوجه نحو آسيا؛ يجعل ذلك الاتحاد الأوروبي وقادته أمام وضع صعب، يتعين به أن يحددوا سبلًا جديدة لتعزيز قدراتهم، ليصبحوا الضامن الأكبر لأمنهم، وإلا سيتجهون إلى مزيد من انحسار القوة على المستوى الدولي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى