مقالات رأي

الانتخابات الليبية.. سيناريوهات محتملة

هذا المقال يُكتَب قبل أيام من الموعد المعلن لغلق باب الترشح للانتخابات الرئاسية الأولى في ليبيا يوم ٢٢ نوفمبر الحالي، ومع ذلك فإن الوضع على الأرض يبدو شديد التعقيد، والمشهد مفتوح على كل السيناريوهات. أضاف ترشّح سيف الإسلام القذافي والمشير خليفة حفتر مزيدًا من التأزّم في سياق انتخابي لم يكن ينقصه شيء من أسباب التأزم والتعقيد. فعلى امتداد الشهور القليلة الماضية تابعنا سجالًا حادًا بين أطراف تريد عرقلة إجراء الانتخابات الرئاسية بأي وسيلة، وأطراف أخرى تسعى إلى عبور المرحلة الانتقالية وإنهاء الازدواجية المؤسسية القائمة.

وفى هذه الأثناء طُرِحت كل الأفكار لوضع العصا في دولاب العملية الانتخابية، بدايةً من المطالبة بالاستفتاء على الدستور أولًا، مرورًا بإجراء الانتخابات البرلمانية قبل الرئاسية، وانتهاء بالمطالبة بحل المفوضية العليا للانتخابات وإعادة تشكيلها. وعندما فشل الحوار السياسي بين الفرقاء الليبيين في التوافق على قاعدة دستورية تجرى الانتخابات على أساسها، وأخذ مجلس النواب بزمام المبادرة وأقرّ قانونيّن للانتخابات الرئاسية والبرلمانية أصبح قانون الانتخابات الرئاسية هو لّب الخلاف لأن شروطه لا تنطبق على بعض الشخصيات الراغبة في الترشّح. وفى الأخير أدلى خالد المسرى رئيس المجلس الأعلى للدولة بتصريح من أنقرة ذكر فيه ان تركيا وإيطاليا لا تؤيدان إجراء الانتخابات في ظل قوانين معيبة، وهذا يوضّح عُمق الخلاف بين مواقف القوى الدولية والإقليمية من تطورات المشهد الليبي. 

على ضوء ما سبق وفى ظل المعطيات المتاحة، يمكن القول إن هناك 3 سيناريوهات أساسية تنتظر الانتخابات الرئاسية الليبية: السيناريو الأول هو إجراء هذه الانتخابات في الموعد المحدَد لها يوم ٢٤ ديسمبر المقبل دون تعديل نص المادة ١٢ من قانون الانتخابات الرئاسية الذي يشترط على المترشح تجميد منصبه المدني أو العسكري قبل ثلاثة أشهر من يوم الانتخابات، ما يعنى استبعاد كل المسؤولين الباقين في مناصبهم حتى تاريخه وعلى رأسهم رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد دبيبة. 

هذا السيناريو ينطوي على احتمالات مقاطعة واسعة من الغرب الذي توجد به الكتلة التصويتية الأكبر، وينذر باندلاع أعمال عنف خاصة لو استمر كل من القذافي وحفتر في السباق الانتخابي، وقد رأينا نُذُر هذا العنف من خلال مهاجمة ميليشيات طرابلس بعض المقار الانتخابية فضلًا عن قرصنة الموقع الإلكتروني للمفوضية العليا للانتخابات، مع تكرار الإشارة إلى القوى الثورية على الأرض، وهذا مصطلح يمكن فهمه على وجوه عدّة. 

المقاطعة الواسعة للانتخابات من غرب ليبيا سواء تمت بشكل إرادي أو عن طريق الإجبار عبر منع الناخبين من التصويت، سوف تطرح مشكلة الشرعية بالنسبة للفائز في الانتخابات، إذ سوف يجد نفسه رئيسًا على شرق وجنوب ليبيا فقط، ولا ننسى أن القذافي تقدّم بأوراق ترشحه في سبها أي في الجنوب في إشارة لأنه يمثل إقليمين من الأقاليم الليبية الثلاث أي الشرق والجنوب. بجانب أن من الوارد الوصول إلى وضع يشبه الوضع في العراق حيث أجريت الانتخابات البرلمانية قبل 6 أسابيع تقريبًا ومع ذلك ما زال الوضع محلّك سر.

السيناريو الثاني هو إجراء الانتخابات بعد إدخال تعديلات على نص المادة ١٢ من قانون الانتخابات الرئاسية، وقد سبق تعديل شروط الترشح ما سمح بخفض سّن المرشّح من ٤٠ إلى ٣٥، ما يعنى أن التعديل له سابقة. ميزة هذا السيناريو أنه يسمح بتفكيك جبهة الرفض لإجراء الانتخابات، لأنه سيسحب من معسكر الرافضين أولئك الذين سيسمح لهم التعديل بالترشّح في تلك الانتخابات خصوصًا عبد الحميد الدبيبة. كما قد يرى بعض الرافضين للانتخابات أن إعطاء فرصة الترشح للدبيبة وإن كان لا يرضيهم لأنهم راغبون أساسًا في التسويف والمماطلة، إلا أن هذا يقدّم مرشحًا للغرب لديه فرصة للنجاح بحكم إنجازاته على الأرض خصوصًا في مجال البنية التحتية، وانفتاحه على الشرق، وشبكة علاقاته الدولية الواسعة.

بطبيعة الحال فإن ترشّح الدبيبة إن تم لا يضمن نجاحه، لكنه يبدد الانطباع بأنه تم إخلاء الساحة الانتخابية لاثنين من مرشحي الشرق الأقوياء هما القذافي وحفتر. كما ترشح عقيلة صالح رئيس مجلس النواب وهو بدوره من الوجوه الوسطية العابرة للمناطقية والتي قد تحظى بالتوافق، وقد سبق له العمل مع فتحي باشاغا في الانتخابات التي أوصلت الدبيبة لرئاسة الحكومة، ما يعنى قدرته على تجسير الفجوة بين الغرب والشرق. 

وقد يأتي السيناريو الثاني هذا في إطار صفقة سياسية، يتم بمقتضاها تعديل النص الإشكالي وتمديد مدة الترشح لعدة أيام إضافية، وفى المقابل وقف المطالبات التي تدعو لمحاكمة القذافي وحفتر، فالمشكلات السياسية تحتاج إلى حلول سياسية، فهذان الرجلان يملكان من أوراق القوة والدعم القبلي ما ينذر بتفجير الوضع الأمني في حال استبعادهما، كما أن هناك قوى دولية تدعم كليهما. أما ضمانة نجاح هذا السيناريو فهي التزام الجميع باحترام نتائج الانتخابات أيًا ما كانت، وهنا ستكون الحجة قوية: ها قد فتحنا الباب أمام كل الراغبين في الترشح، وبالتالي فإن الفيصل بين الجميع هو صندوق الانتخابات. 

أما السيناريو الثالث فهو تأجيل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وهذا مطلب معلن لتركيا وإيطاليا. لكن هذا السيناريو ليس له أفق محدود، فمن الصحيح أن خالد المشري اقترح التأجيل لمدة 3 شهور أي لمدة زمنية محددة، لكن السؤال هو لماذا ثلاثة أشهر بالذات وماذا يضمن أن يتحقق التوافق بعد انقضائها؟ ثم إن مقررات مؤتمر باريس تدعم نقل السلطة إلى رئيس وبرلمان منتخَبَين وفق خريطة طريق تبدأ في ٢٤ ديسمبر، ما يعني عدم قبول المجتمع الدولي لإطالة أمد المرحلة الانتقالية ما يسمح بالمزيد من تعقيد المشهد وخلط الأوراق وتهديد الوضع الأمني الهّش أصلًا.

الأيام المقبلة بليبيا ستكون محمّلة بالكثير من التطورات، تتابعها مصر باهتمام وتدعم كل ما من شأنه تحقيق الاستقرار في هذا البلد العربي الشقيق.

نقلًا عن جريدة الأهرام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى