اليمن

تحركات متسارعة: هل نشهد مقاربة أمريكية جديدة في اليمن؟

تبنت الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة العديد من المبادرات والتحركات الدبلوماسية التي استهدفت حلحلة الأزمة اليمنية، وإنهاء الحرب الممتدة منذ سنوات. وهي التحركات التي تأتي في ظل مقاربة إدارة “بايدن” والتي تقوم على أولوية خيار “إنهاء الحرب”، والدفع باتجاه الحد من التدخلات العسكرية والعودة إلى الجهود الدبلوماسية ومساعي التسوية السياسية. وقد طرحت هذه التحركات الأمريكية العديد من التساؤلات التي حاولت الوقوف على مرتكزات سياسة إدارة بايدن فيما يتعلق بالتعاطي مع الأزمة اليمنية، ومدى فاعلية هذه التحركات وقدرتها على حلحلة الأزمة.

أولًا- تحركات أمريكية متسارعة لحلحلة الأزمة

توجه المبعوث الأمريكي الخاص إلى اليمن “تيم ليندركينج” يوم 17 نوفمبر في جولة إلى السعودية والبحرين، وقالت وزارة الخارجية الأمريكية في بيان لها إن هذه الزيارة ستشهد لقاء “ليدركينج” بكبار المسؤولين لبحث الجهود المبذولة لدفع عملية سلام شاملة بقيادة الأمم المتحدة في اليمن، وتقديم الإغاثة الفورية للشعب اليمني. وأشار البيان إلى أن “ليدركينج” سيناقش استمرار احتجاز الحوثيين لبعض الموظفين اليمنيين بالسفارة الأمريكية في صنعاء، واختراقهم لمجمع السفارة.

وفي إطار التحركات الأمريكية إزاء الملف اليمني، كان “ليندركينج” قد التقى يوم 7 نوفمبر بالرئيس اليمني “عبد ربه منصور هادي”، حيث تم التباحث حول تطورات الأوضاع على الساحة اليمنية وسبل إحلال السلام وإنهاء الحرب، وخلال اللقاء أكد “هادي” حرصه على إحلال السلام الدائم والشامل وفقًا للمرجعيات الأساسية وإنهاء حالة الحرب، وأعرب عن تطلعه لممارسة المجتمع الدولي المزيد من الضغط على الحوثيين للجنوح للسلام، ووقف إطلاق النار، ووقف استهداف المدنيين والنازحين والمنشآت العامة والخاصة.

كذلك، التقى “ليدركينج” يوم 9 نوفمبر وزير الخارجية اليمني أحمد عوض بن مبارك، فضلًا عن لقائه في 10 نوفمبر بنائب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز، حيث بحث معهما مستجدات الأوضاع على الساحة اليمنية وجهود تسوية الأزمة. وخلال المباحثات جدد “ليندركينج” التأكيد على “تضامن بلاده ودعمها الكامل للحكومة الشرعية”، مشددًا على “أهمية استكمال تنفيذ اتفاق الرياض ومساندة الحكومة في تطبيع الوضع الاقتصادي، والمحافظة على سعر العملة الوطنية وتقديم الخدمات لليمنيين”.

وقد عكست هذه التحركات سواءً من حيث كثافتها، أو طبيعتها، أو حتى التصريحات الأمريكية في ثناياها، وجود رغبة في رفع وتيرة الجهود الدبلوماسية والسياسية من أجل إنهاء الحرب، خصوصًا في ظل تصاعد استهداف المصالح الدولية وفي القلب منها مصالح الولايات المتحدة إثر الحرب، فضلًا عن الأزمات الإنسانية الكارثية المترتبة على استمرار الحرب.

ثانيًا- تأكيد أمريكي على ضرورة تنفيذ اتفاق الرياض

خلال جولته الأخيرة التي شملت السعودية والبحرين، وعلى هامش لقائه في الرياض بوفد من المجلس الانتقالي الجنوبي، شدد المبعوث الأمريكي الخاص إلى اليمن “تيم ليندركينج” على ضرورة “إحراز كافة الفصائل اليمنية تقدمًا على مستوى تنفيذ اتفاق الرياض، ومواجهة التهديدات المشتركة من استفزازات الحوثيين والأزمة الاقتصادية وانعدام الأمن”.

وتأتي دعوة “ليندركينج” لتنفيذ اتفاق الرياض، في ظل سياق يمني شديد الاضطراب، وذلك بالتزامن مع تصاعد الهجمات الحوثية على العديد من المناطق اليمنية خصوصًا محافظة مأرب، فضلًا عن تصاعد استهداف الحوثيين للأراضي السعودية، بل واستهداف السفارة الأمريكية واقتحام مقرها في صنعاء، واحتجاز موظفين يمنيين فيها والاستيلاء على بعض التجهيزات.

 وهي الممارسات التي دفعت “ليندركينج” إلى اتهام الحوثيين بعدم إظهار التزام حقيقي بالسلام وبعرقلة جهود تحقيقه في اليمن، فضلًا عن دعوة بعض أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي عن الحزب الجمهوري مثل: النائب “تيد كروز”، والنائب “أندرو كلايد”، إلى إعادة تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية، والتوسع في سياسة فرض العقوبات على “أنصار الله”.

جدير بالذكر أن الدعوة إلى إعادة إحياء اتفاق الرياض كانت محور زيارة وفد برئاسة رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن عيدروس الزبيدي، إلى العاصمة السعودية الرياض، في 16 نوفمبر، لكن العديد من التقديرات تذهب إلى أن إعادة إحياء هذا الاتفاق الذي يحوي في طياته مقاربات أمنية – سياسية – اقتصادية لمعالجة الأزمة يعد أمرًا صعبًا في الفترة الحالية؛ في ظل مساعي جماعة الحوثي التمدد نحو مأرب، فضلًا عن التعثر الذي تشهده مفاوضات فيينا، والجمود الذي تشهده المباحثات السعودية – الإيرانية، وهو الأمر الذي يُلقي بظلاله على جهود حلحلة تسوية الأزمة اليمنية.

ثالثًا- مرتكزات سياسة إدارة “بايدن” إزاء اليمن

من خلال متابعة النهج الأمريكي في التعاطي مع الأزمة اليمنية منذ وصول الرئيس “جو بايدن” إلى البيت الأبيض، وفي ضوء مخرجات التحركات الأخيرة وما حملته زيارات “ليندركينج” في ثناياها، يمكن القول إن هنالك جملة من المحددات والركائز التي تحكم مقاربة إدارة “بايدن” إزاء الملف اليمني، وذلك على النحو التالي:

1- “عودة أمريكا”: لا يمكن قراءة التحركات الأمريكية المتنامية إزاء الملف اليمني في عهد الرئيس “جو بايدن”، بمعزل عن رؤية الرئيس الديمقراطي والتي استهدفت حسب تعبيره في أكثر من مناسبة “استعادة الدور الأمريكي على المسرح العالمي”، وذلك بعد سنوات من سياسة “أمريكا أولًا”، والمقاربات الانعزالية التي تبناها سلفه “دونالد ترامب”، بما أحدث فراغًا استراتيجيًا كبيرًا، وتراجعًا في ثقة الحلفاء ودول المنطقة في الولايات المتحدة.

2- الاعتماد على التحركات الدبلوماسية: ركزت سياسات وتحركات إدارة “بايدن” على تقليل التدخلات العسكرية إن لم يكن الحد منها. وقد عبر “بايدن” عن هذا التوجه في بداية حكمه عبر قرارات وقف الدعم المُقدم للعمليات العسكرية التي تقودها السعودية في اليمن، وتعيين “ليندركينج” مبعوثًا أمريكيًا خاصًا إلى اليمن، وهو الدبلوماسي الأمريكي الذي لديه معرفة كبيرة بمنطقة الجزيرة العربية.

هذا فضلًا عن رفع الحوثيين من لوائح الإرهاب، وهو القرار الذي ارتبط على ما يبدو بقناعة إدارة “بايدن” بأن لعب دور الوساطة في اليمن لن يكون ذا فاعلية في ظل تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية، ورهان الولايات المتحدة على فرضية أن هذا القرار قد يؤدي إلى تحرك الحوثيين بمعزل عن الحسابات الإيرانية، فضلًا عن رغبة الولايات المتحدة في ذلك الوقت في استخدام هذا القرار، كأحد أوراق التفاوض مع إيران، ولكن يبدو أن رهان الولايات المتحدة كان خاسرًا في هذا الصدد، فلم يوقف الحوثيين هجماتهم، ولم يكن هذا القرار دافعًا لهم لدعم جهود إنهاء الحرب، أو الابتعاد عن المحور الإيراني، فضلًا عن أن إيران رفضت جعل ملف الوكلاء في المنطقة أو سياساتها الإقليمية أحد محاور تسوية الملف النووي.

3- أولوية وقف الحرب: يبدو أن هدف “وقف الحرب” في اليمن يمثل أولوية استراتيجية بالنسبة لإدارة “بايدن”، وذلك في ضوء الأزمات الإنسانية المهولة المترتبة على الحرب، فضلًا عن إدراك الإدارة الأمريكية وقناعتها بأن هذا الهدف مُقدم حتى على “التسوية السياسية”، في ضوء التعقيدات التي تواجهها عملية بناء التفاهمات السياسية بين الأطراف اليمنية، وذلك في ظل أزمة الشرعية في البلاد، ورهان الحوثيين على التقدم الميداني والانتصار العسكري وفرض الأمر الواقع، والتفاوض بعد ذلك في إطار توازنات القوى على الأرض.

4- دخول المؤسسات الأمريكية على خط الأزمة: تتصاعد الضغوط على الإدارة الأمريكية على المستوى الداخلي بفعل الأزمة اليمنية، خصوصًا مع حالة الاستقطاب المؤسساتي والحزبي في الداخل الأمريكي بسبب الملف اليمني، وقد استمرت هذه الحالة حتى اليوم، على الرغم من إعلان “بايدن” عن وقف الدعم للعمليات العسكرية في اليمن.

وقد بلغت هذه الحالة ذروتها عند مطالبة الديمقراطيين في الكونجرس في أبريل الماضي، بكشف “الطبيعة الدقيقة” لموقف الإدارة الأمريكية من مسألة المساعدات التي كانت تُقدم للتحالف العسكري، حيث وقع 41 نائبًا في الكونجرس على رسالة موجهة لوزير الخارجية “أنتوني بلينكن” ووزير الدفاع “لويد أوستن” طرحوا فيها تساؤلات حول ما إذا كانت الحكومة الأمريكية أو الشركات المُرخصة من قبلها قد قدمت أي نوع من الدعم سواءً معلومات استخباراتية أو مشورة أو دعم صيانة للعمليات العسكرية ضد الحوثيين في اليمن أم لا، منذ قرار بايدن بوقف الدعم. وبالتالي تمثل هذه الضغوط الداخلية أحد المحددات التي تحفز الإدارة الأمريكية نحو تبني مبادرات وتحركات مكثفة من أجل حلحلة الأزمة.

5- تنسيق أمريكي – أممي – سعودي: تأتي التحركات الأمريكية المكثفة في الآونة الأخيرة والتي عكست وجود تنسيق كبير مع المملكة العربية السعودية، بالتزامن مع عمل المبعوث الأممي إلى اليمن “هانس غوردبورغ” بالتنسيق مع الولايات المتحدة والسعودية على وضع خطة سلام جديدة في اليمن لم يُعلن عن ملامحها بعد، على أن تتبنى هذه الخطة مقاربات جديدة يتم من خلالها تجاوز العقبات التي اعترضت خطة السلام التي اقترحها المبعوث السابق مارتن غريفيث، وتضمن إشراك الأطراف الفاعلة في محادثات السلام المنتظرة.

وقد أشار “غوردبورغ” إلى أن هنالك تنسيقًا دوليًا كبيرًا لإحياء اتفاق وقف إطلاق النار في الحديدة وعمل بعثة المراقبين الدوليين هناك بعد أن تعطل عملها طوال عامين، وفي سياق متصل كان “ليندركينج” قد أشار في لقاءه مطلع نوفمبر الحالي مع السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان إلى الحاجة إلى حل دائم لمسألة واردات الوقود عبر ميناء الحديدة، واستئناف الرحلات التجارية إلى مطار صنعاء، مع تبني إصلاحات اقتصادية سريعة.

ويبدو أن إشارة المبعوث الأممي إلى اليمن في تصريحات صحفية إلى أن عملية السلام في اليمن يجب أن تضمن إشراك كافة الأطراف الفاعلة في المشهد، لا تنفصل عن الرؤية الأمريكية التي تستهدف إدماج الحوثيين في عملية التسوية السياسية مستقبلًا، وهو أحد الاعتبارات التي عكستها عملية إلغاء تصنيفهم كمنظمة إرهابية.

ختامًا، يمكن القول إن الولايات المتحدة في عهد “بايدن” تتبنى مقاربة مختلفة عن تلك التي تبناها “ترامب” إزاء الصراعات الإقليمية بشكل عام، وتقوم مقاربة إدارة “بايدن” في اليمن على الأولوية الاستراتيجية لخيار “إنهاء الحرب” و”وقف إطلاق النار”، لكن هذه المقاربة تواجه عددًا من الصعوبات التي تحد من فاعليتها، مثل: تضارب المقاربات الإقليمية في اليمن، ورهان الحوثيين على خيار الحسم العسكري، وعدم استناد مقاربة الولايات المتحدة لأدوات قوة وضغط حقيقية يمكن من خلالها فرض خيار السلام على الأطراف المتصارعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى