مراكز أخرى

معهد الأمن القومي الإسرائيلي: الخلافات قد تُهدد العلاقات بين اسرائيل والولايات المتحدة

عرض – هبة شكري

نشر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي تقريرًا، أعده كل من “أوديد إران” و”شيمون ستاين” الباحثين بالمركز. تناولا فيه القضايا الخلافية الرئيسة بين إسرائيل والولايات المتحدة، والمتمثلة في التهديد النووي الإيراني، والصراع الإسرائيلي الفلسطيني، بالإضافة إلى العلاقات مع الصين. وتساءل التقرير عن كيفية تعامل إسرائيل مع تلك القضايا الحساسة، بحيث تحمي مصالحها وفي الوقت ذاته تتجنب عدم الإضرار بعلاقاتها بأقرب حلفائها.

وفقًا لما ورد بالتقرير، لم يكن هناك اتفاق كامل بين واشنطن وتل أبيب على عدد من القضايا الجوهرية التي تؤثر على أمن إسرائيل منذ عقود. وعلى الرغم من توالي الإدارات الأمريكية والحكومات الإسرائيلية، ظلت تلك القضايا قائمة، وكان لها أحيانًا تأثير مؤقت على المساعدة السياسية والعسكرية الأمريكية لإسرائيل. 

ورأى التقرير أن التغيرات الديمغرافية والسياسية في الولايات المتحدة وعودة الديمقراطيين إلى البيت الأبيض والسيطرة على مجلسي الكونجرس بالإضافة إلى التغيرات الديمغرافية والأيديولوجية في الحزب الديمقراطي نفسه والصراع المتزايد الاستقطاب بين الديمقراطيين والجمهوريين؛ دفعت إسرائيل إلى فحص علاقاتها مع الولايات المتحدة، وأدركت حاجتها إلى تحديث سياستها بشأن القضايا التي تشكل حاليًا مصدر الاحتكاك بين إسرائيل وإدارة بايدن، وتحديدًا البرنامج النووي الإيراني، والصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والعلاقات مع الصين.

البرنامج النووي الإيراني

لفت التقرير إلى أن دخول جو بايدن إلى البيت الأبيض قد نتج عنه تغيير في موقف الولايات المتحدة من الملف النووي الإيراني، وقد انعكس ذلك في التراجع عن قرار إدارة ترامب في عام 2018 (بدعم من رئيس الوزراء آنذاك بنيامين نتنياهو) بالانسحاب من الاتفاق النووي لعام 2015، والعودة إلى الصفقة. وقد جاء قرار وضع الملف النووي الإيراني ضمن الأجندة الأمريكية والعودة إلى المحادثات مع إيران حول صفقة “أطول وأقوى” في الوقت الذي استمر فيه التباطؤ الإيراني ورفض التفاوض. 

فمنذ انسحاب الولايات المتحدة من الصفقة، اتخذت إيران خطوات تقلل بشكل كبير من مدة تطويرها لبرنامجها النووي، والذي تم تحديده في الاتفاق الأصلي بعام واحد. وقد لاقت العودة إلى الاتفاق معارضة من قبل إسرائيل التي انتقدت سلوك الإدارة في التعامل مع تقدم البرنامج النووي، الذي تميز بالامتناع عن زيادة الضغط على إيران، التي اتبعت من جانبها سياسة المماطلة. وأكد التقرير أن عدم وجود خطة أمريكية بديلة في حال عدم تجديد المحادثات، أو عدم التوصل إلى اتفاق حول هذا الموضوع، يمثل مصدر قلق بالغ في إسرائيل.

واستطرد التقرير، أن الداخل إسرائيل يخلو من أي خلاف حول التحدي الإيراني، وذلك على الرغم من الانتقادات الداخلية لسلوك رئيس الوزراء السابق نتنياهو المتناقض تجاه الرئيس باراك أوباما في عام 2015، عندما تم إبرام الاتفاق النووي. ورأى أن الوضع الحالي -الذي يعني تقدم البرنامج النووي الإيراني دون رد فعل من الولايات المتحدة، أو بدلًا من ذلك العودة إلى الصفقة الأصلية- يشكل معضلة للحكومة الإسرائيلية فيما يتعلق بردها على تهديد يراه الكثيرون وجوديًا. لذلك، فإن المطلوب الآن هو استمرار المحادثات الهادئة بين إسرائيل والإدارة الأمريكية على المستوى المهني والسياسي، والاتفاق المتبادل على عدم فرض أمر واقع على الأرض.

الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

 أشار التقرير إلى ما اتخذته إدارة بايدن من خطوات في عامها الأول، إذ ألغت قرارات اتخذتها إدارة ترامب بشأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. على سبيل المثال، أعادت مساعداتها المالية للفلسطينيين، والتي بلغت 235 مليون دولار هذا العام، منها 150 مليون دولار عبر الأونروا. بينما لم يلغ الرئيس بايدن اعتراف الرئيس ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، لكنه أعلن افتتاح قنصلية في القدس لتمثيل الولايات المتحدة لدى السلطة الفلسطينية.

 وأشاد التقرير بقيام الحكومة الإسرائيلية بوقف تمويل الأونروا، على الرغم من إثارة الجدل من الناحية القانونية والسياسية. أما مسألة القنصلية الأكثر تعقيدًا من الناحية القانونية، اقترح التقرير أن تقوم إسرائيل بتقديم حلول إبداعية للولايات المتحدة للتنسيق مع الفلسطينيين، مثل فتح مكتب للتنمية الاقتصادية، أو مكتب للمصالح، أو مركز أكاديمي ثقافي.

وألمح إلى مسألتين مهمتين، ألا وهما قرار الإدارة المدنية بالموافقة على بناء 3000 وحدة سكنية جديدة في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية (و1300 للفلسطينيين في المنطقة ج)، بالإضافة إلى الأمر الصادر عن وزير الدفاع بيني جانتس في 22 أكتوبر 2021 الذي أعلن 6 منظمات غير حكومية فلسطينية تابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كمنظمات إرهابية. 

فمنذ أن بدأت إسرائيل الموافقة على بناء المستوطنات في المناطق التي احتلتها عام 1967، اختلف المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة، مع هذه السياسة، فحتى لو لم تعد الإدارات الأمريكية تستشهد بالمستوطنات على أنها “غير شرعية”، فإنها تدينها. حيث صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية إنهم “يعارضون بشدة توسيع المستوطنات، الذي يضر بآفاق حل الدولتين” وأن “إضفاء الشرعية بأثر رجعي على البؤر الاستيطانية غير القانونية” “غير مقبول”. وأفادت الصحافة الإسرائيلية أيضًا بتسبب الأمر في غضب أثناء محادثات بين وزير الخارجية أنطوني بلينكن والوزير جانتس، على الرغم من أن أيًا من الجانبين لم يصدر أي إعلان رسمي ذي صلة.

وأشار التقرير إلى إمكانية تجاهل الحكومات الإسرائيلية التغييرات الديمغرافية والسياسية في الولايات المتحدة، وكذلك التغييرات التي تحدث في أوروبا، وتستمر في سياستها الاستيطانية، لكنها مخطئة في افتراضها أن الولايات المتحدة والدول الأخرى ستستمر في موقفها المتسامح السلبي.

ووفقًا للتقرير، لسنوات عديدة، تم التعامل مع السياسة الإسرائيلية بشأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني كما لو كانت مسألة داخلية إسرائيلية بحتة، مع القليل من الاهتمام الموجه نحو التغييرات في الساحة الدولية، وخاصة في الولايات المتحدة. فشكلت رسالة وجهها الرئيس بوش إلى رئيس الوزراء أرييل شارون في عام 2004، بمثابة موافقة على ترك الكتل الاستيطانية قريبة من خط 1967، أو خطة الرئيس ترامب التي تفرض السيادة الإسرائيلية على ثلث الضفة الغربية كمنطقة التسوية الدائمة. ورأى التقرير أن الرسالة تمثل سياسة الولايات المتحدة، وأثيرت الشكوك بشدة حول ما إذا كانت الإدارة الأمريكية التي يرأسها رئيس ديمقراطي سترغب أو ستتمكن من تكرار الجمل الرئيسية كما وردت في رسالة بوش إلى شارون. 

وأفاد التقرير أنه يجب على القيادة الإسرائيلية أن تأخذ في الاعتبار الصورة الأوسع، والتي تشمل نمو مجموعات الأقليات في الولايات المتحدة التي تعمل غالبًا بمعرفة سطحية للصراع على تعزيز الوعي بحقوق الإنسان والأقليات. وأشار إلى ضرورة أن يُنظر للنقاش في الكونجرس الأمريكي حول الموافقة على ميزانية القبة الحديدية بأنه بمثابة طلقة تحذير لإسرائيل، حيث يضم مجلس النواب نوابًا عملوا باستمرار ضد إسرائيل ونجحوا لأول مرة في تاريخ العلاقات بين الدولتين في تأخير الموافقة على المساعدة الأمنية لإسرائيل.

وشدد تقرير معهد الأمن القومي الإسرائيلي على ضرورة مراجعة الأحداث في إسرائيل وما ترتب عليها من تغيير محتوى وتوقيت القرارات المتعلقة بالبناء في المستوطنات، أو تعريف المنظمات غير الحكومية الفلسطينية على أنها منظمات إرهابية. وأشار إلى ضرورة قيام الحكومات الإسرائيلية بتخصيص الوقت لفحص أعمق للتغييرات في المجتمع اليهودي الأمريكي، وخاصة جيل الشباب. فقد أصبح هذا الجيل مستاءً أكثر فأكثر من إسرائيل لأسباب مختلفة، أهمها رفضهم للسياسة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية.

وحسبما ذكر التقرير، ينظر الكثيرون في إسرائيل، وفي دول العالم، إلى الحكومة الإسرائيلية الحالية على أنها أفضل من سابقتها. لكن الحكومات في جميع أنحاء العالم تدرك أن الأغلبية المهزوزة للائتلاف في الكنيست وتركيبته السياسية تمنعه ​​من تبني سياسات جريئة تجاه القضية. وقد رافق هذا الاعتقاد قبول الأوضاع في الساحة الفلسطينية، التي اتسمت بالخلاف المستمر بين حماس التي تسيطر على قطاع غزة وفتح التي تترأس السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، في الوقت الذي قاربت فيه ولاية رئيس السلطة الفلسطينية “أبو مازن” على الانتهاء. 

ورأى التقرير أن هذا الواقع السياسي يخفض من التوقعات بحدوث اختراق نحو تسوية شاملة للصراع، لكن سيكون من الخطأ افتراض أن العالم قد تقبل عملية الضم الزاحف للأراضي في الضفة الغربية من قبل المجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة وأوروبا. لذلك، رأى أن هناك ضرورة لتجنب إسرائيل اتخاذ خطوات من شأنها الإضرار بإمكانية التنفيذ المستقبلي لحل الدولتين، وتطوير الاقتصاد الفلسطيني بشكل سريع. 

فبشكل عام تكتسب المبادرات الاقتصادية التي قدمتها الحكومة الإسرائيلية لقطاع غزة والضفة الغربية ردود فعل إيجابية وتخلق أساسًا بناء للحوار مع الفلسطينيين ومع الولايات المتحدة، بينما تخدم في الوقت نفسه مصالح إسرائيل، والتي تتمثل في تقليل الاحتكاك في الضفة الغربية وغزة، مع تعزيز العلاقات مع الدول العربية وتجنب الاحتكاك مع الولايات المتحدة.

العلاقات الإسرائيلية الصينية

 حسبما ورد بالتقرير، عُدّت إدارة ترامب حالة شاذة في التاريخ الحديث للولايات المتحدة، لكن هناك استمرارية واضحة بين إدارات أوباما وترامب وبايدن فيما يخص قضية واحدة؛ ألا وهي الصراع المتزايد بين الولايات المتحدة والصين؛ فبالمقارنة بإدارة ترامب، كثف الرئيس بايدن التحركات وردود الفعل تجاه الصين، وهو يحاول تجنيد دول أخرى لزيادة الضغط على بكين. 

وألمح التقرير أن الحساسية الأمريكية تجاه العلاقات الصينية الإسرائيلية كانت واضحة بالفعل في أواخر القرن العشرين، مع إلغاء صفقة فالكون، التي كان من المقرر أن تزود فيها إسرائيل الصين بطائرات الإنذار المبكر. لذا، كان توطيد العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل والصين خلال العقد الماضي ودخول الشركات الصينية في مجالات البنية التحتية والمركبات والتكنولوجيا المتقدمة سمة مركزية مستمرة للحوار الأمريكي الإسرائيلي.

وأشار إلى أن المعضلة الإسرائيلية تنبع من اهتمامها الاقتصادي الواضح بالعلاقات مع أحد الاقتصادات الثلاثة الرائدة في العالم، وحاجتها إلى مراعاة الاعتبارات الاستراتيجية الأمريكية. واعتبر أن سياسة كل الولايات المتحدة وإسرائيل تتسم بالوضوح في أجزاء والغموض في أجزاء أخرى فيما يتعلق بالصين وحوارهما حول هذا الموضوع. وبطبيعة الحال، فإن وجهة النظر الإسرائيلية للمخاطر والفرص التي توفرها العلاقات مع الصين ليست مطابقة لوجهة نظر الولايات المتحدة، ولكن من الممكن تقليل الضرر الناجم عن أي عدم وضوح في السياسات المعنية وبالتالي تقييد المخاطر.

 ولفت التقرير إلى ضرورة قيام إسرائيل بفحص الآليات التي تستخدمها عدة دول للإشراف على الاستثمارات الأجنبية والحد من الضرر الأمني ​​المحتمل للنشاط الاقتصادي أو الأكاديمي من قبل الدول والشركات الأجنبية في أراضيها، معتقدًا أن ذلك من شأنه أن يساعد على التعاون الدولي في مثل هذه الأمور على توفير فهم لحجم المشكلة، وسيساعد في إيجاد طرق للتعامل مع التحديات ذات الصلة التي تواجه العديد من الدول.

واختتم التقرير بالإشارة إلى عدم إمكانية حل القضايا التي تشكل بؤرة الخلافات بين حكومة إسرائيل والإدارة الأمريكية في الظروف الحالية. ودعا إلى ضرورة إيجاد طريقة لإدارة الأزمات الحتمية التي تتسبب في خلق الفجوة في المواقف. ورأى أنه يتعين على إسرائيل أن تبذل الجهد لتجنب الاحتكاك غير الضروري والتركيز على حماية مصالحها الحيوية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى