سوريا

تجاوز العقبات.. إرهاصات عودة العلاقات العربية-السورية

تتوالى الأحداث والمؤشرات التي تدفع باحتمالات عودة العلاقات العربية-السورية من جديد بعد أن عُلّقت عضوية سوريا في جامعة الدول العربية (نوفمبر 2011) وقطعت دول عربية على إثر ذلك علاقاتها مع دمشق. وتأتي هذه المؤشرات المدفوعة بأهداف عربية وسورية في آن واحد في خضم تغيرات إقليمية ودولية كبيرة، لعل أهمها رغبة الولايات المتحدة في الانسحاب التدريجي من منطقة الشرق الأوسط والتوجه نحو مناطق أخرى أكثر أهمية للمصالح الأمريكية. إلا أن هذا الطريق نحو إعادة العلاقات العربية مع دمشق وصولًا إلى إعادة شغل مقعدها في الجامعة العربية تعترضه عقبات تجعل منه ليس مُعبّدًا تمامًا.

مؤشرات دافعة

جاءت زيارة وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان كأول زيارة لمسؤول إماراتي رفيع المستوى إلى دمشق منذ عام 2011 لتسلط الضوء بشكل كبير على جهود بذلتها عدة دول عربية خلال الفترة الماضية لإعادة إحياء العلاقات العربية-السورية، ولتُضاف إلى حزمة من المؤشرات التي تدفع باحتمالات عودة العلاقات قريبًا.

العودة الدبلوماسية

سعت دول عربية إلى تهيئة الظروف لعودة العلاقات مع سوريا، فنجد أن تونس أعادت فتح قنصليتها في دمشق (سبتمبر 2015)، وأعادت الإمارات والبحرين فتح سفارتيهما في دمشق (ديسمبر 2018)، وأعلنت المملكة الأردنية إرسال قائم بالأعمال إلى سفارتها في دمشق (يناير 2019)، وأعادت سلطنة عمان فتح سفارتها في دمشق (أكتوبر 2020).

سبقت زيارة وزير الخارجية الإماراتي إلى دمشق ولقائه بالرئيس السوري بشار الأسد اتصالات هاتفية بين ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان والرئيس السوري، أولها (27 مارس 2020) لبحث مجالات التعاون الثنائي قبل مشاركة سوريا في معرض إكسبو دبي 2020 (أكتوبر 2021)، وثانيها (20 أكتوبر 2021) “لمناقشة علاقات البلدين وسبل تعزيز التعاون المشترك في مختلف المجالات”.

وتوازيًا مع هذه التحركات الإماراتية كان هناك اتصال هاتفي جمع بين الرئيس السوري بشار الأسد والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني (3 أكتوبر 2021) تناول العلاقات بين البلدين وسبل تعزيز التعاون المشترك. وهو الأمر الذي يفسر قيام وزير الخارجية الإماراتي بزيارة إلى العاصمة الأردنية عمّان ولقائه بنظيره الأردني بعد انتهاء زيارته إلى دمشق مباشرة. 

وتأتي في هذا الإطار اللقاءات التي عقدها وزير الخارجية السوري فيصل المقداد على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة (سبتمبر 2021) مع عدد من وزراء الخارجية العرب، ومنهم وزير الخارجية سامح شكري الذي قال (25 سبتمبر 2021) “إنه بعد أن هدأت المعارك العسكرية يجب أن يكون لنا دور في التواصل بغية استكشاف ما هي الخطوات اللازمة للحفاظ على مقدرات الشعب السوري والخروج من هذه الأزمة واستعادة سوريا موقعها كطرف فاعل في الإطار العربي وجامعة الدول العربية”.

إحياء خط الغاز العربي

يمثل الاتفاق بين مصر وسوريا والأردن ولبنان على إحياء خط الغاز العربي بغية توصيل الغاز من مصر إلى لبنان، فضلًا عن الاتفاق على تصدير الكهرباء من الأردن إلى لبنان أيضًا؛ خطوة متقدمة في مسار إحياء العلاقات العربية مع سوريا، خاصة بعد الزيارات والاجتماعات المشتركة التي تمت في هذا الشأن، ومنها الاجتماع الرباعي لوزراء البترول والطاقة في مصر والأردن ولبنان وسوريا (8 سبتمبر) وقبله زيارة وفد حكومي لبناني إلى سوريا (4 سبتمبر). علاوة على زيارة وزير الدفاع السوري إلى عمّان (19 سبتمبر).

أهمية هذا الاتفاق أيضًا تأتي من كونه يسهم في إعادة إدماج سوريا في منظومة الاقتصاد والطاقة العربية، فضلًا عمّا تحمله الوساطة الأمريكية بشأنه وقرار واشنطن بإعفاء المشروع الهادف إلى إيجاد حل لأزمة الطاقة في لبنان من العقوبات التي يفرضها قانون حماية المدنيين السوريين “قيصر” من دلالات مهمة في هذا الإطار.

دعوات العودة إلى الجامعة العربية

تعددت خلال الشهور الماضية الدعوات إلى إعادة سوريا لتبوء مقعدها داخل جامعة الدول العربية، وخاصة من قبل الجزائر التي تستضيف القمة العربية المقبلة (مارس 2022). فقد أكد وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة (24 أغسطس 2021) أن بلاده تدعم طرح عودة سوريا إلى الجامعة العربية، وهذا الموضوع موضوع أساسي في التحضير للقمة العربية المقبلة، مؤكدًا (10 نوفمبر 2021) أنه “قد حان الوقت لعودة سوريا إلى الجامعة العربية دون التدخل في شؤونها الداخلية”.

هذا بجانب تأكيد وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد (9 مارس 2021) “ضرورة التعاون الإقليمي لبدء مسار عودة سوريا إلى محيطها”، وتصريح وزير الخارجية سامح شكري (24 سبتمبر 2021) حول أهمية “استعادة سوريا موقعها كطرف فاعل في الإطار العربي وجامعة الدول العربية”. وكان الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط قد أكد (27 أكتوبر 2021) أن النظام السوري قد يعود للجامعة خلال القمة المقبلة في حالة حدوث توافق عربي على مشروع القرار، مشيرًا إلى رغبة عدد من الدول مثل الجزائر والعراق والأردن في ذلك.

أهداف الانفتاح

تعزيز الشرعية

تأتي هذه المحاولات العربية للانفتاح على دمشق كنتيجة طبيعة لمعادلات الأمر الواقع التي فرضها الميدان السوري خلال السنوات الماضية، وخاصة منذ عام 2015 بعد أن توسعت سيطرة النظام السوري الميدانية وصولًا إلى سيطرته على نحو 70% من الأراضي السورية. بجانب ما تأكد على المستوى السياسي من بقاء النظام السوري برئاسة بشار الأسد، والوصول إلى نتيجة مفادها أن تغيير النظام سواء عسكريًا أو سياسيًا بات أمرًا صعبًا، وخاصة بعد الانتخابات الرئاسية التي جرت (26 مايو 2021) وفاز فيها الأسد بأغلبية 95.1% من أصوات الناخبين السوريين في الداخل والخارج.

وبناء على ذلك، فإن أحد الأهداف المهمة التي تدفع النظام السوري إلى السعي نحو إعادة العلاقات مع المحيط العربي هو توسيع دائرة الاعتراف به وتعزيز شرعية الرئيس السوري دوليًا بما يفتح الباب لاحقًا إلى تعاطٍ دولي طبيعي معه بوصفه رئيسًا لسوريا بدلًا من السعي إلى تغييره، من زاوية أن بقاء الوضع السوري الراهن أفضل كثيرًا من تغيير قد يُستتبع بفوضى عارمة أسوأ مما حدث خلال عشر سنوات، وأن هناك مساحات من الدبلوماسية يمكن أن تنتج توافقًا يحقق مصالح لمختلف الفاعلين.

أهداف اقتصادية

تقع الأهداف الاقتصادية في قلب الأهداف التي يتوخاها كلا الطرفين؛ دول عربية من جانب، والنظام السوري من جانب آخر، فضلًا عن قوى دولية ذات نفوذ وثقل في الأزمة السورية، وخاصة روسيا. إذ يمثل إعادة إدماج سوريا في المنظومة العربية وتخفيف حدة المقاطعة الدولية لها فرصة مهمة لانخراط العديد من الدول العربية في مشاريع إعادة الإعمار البلاد التي دمرتها الحرب على مدار أكثر من 10 سنوات.

وفيما تقدر تكلفة إعادة إعمار سوريا بأكثر من 400 مليار دولار حسب بعض التقديرات، وتعاني البلاد من أزمة اقتصادية خانقة، ولا تمتلك روسيا وإيران حليفتا النظام السوري الموارد المالية الكافية لعملية إعادة الإعمار؛ تبدو دول عربية هي الأكثر قابلية وقدرة للانخراط في مثل هذه المشاريع مستقبلًا، مع الإعفاء المؤقت أو الدائم من العقوبات الأمريكية والأوروبية مثلما حدث في ملف تصدير الغاز والكهرباء إلى لبنان مرورًا بسوريا.

معادلة النفوذ الإيراني والتركي

يمثل فك الارتباط بين النظام السوري وإيران أو خفض النفوذ الإيراني في سوريا بشكل عام هدفًا مشتركًا للعديد من القوى الدولية والدول العربية. ورغم أن تحقيق هذا الهدف تعترضه صعوبات كبيرة، فإن أحد أهداف الانخراط العربي في سوريا هو معادلة النفوذ الإيراني هناك، وأن تكون العلاقات مع سوريا ورقة لها مع النظام السوري وروسيا لتحقيق هذا الهدف. بجانب كون سوريا في هذا الإطار ساحة تلاقٍ خليجية إيرانية في ضوء مساعي ومباحثات التقارب بينهما خلال الشهور الماضية.

وفي الإطار ذاته، تسعى التحركات العربية باتجاه سوريا إلى التضييق على التحركات التركية التوسعية في الأراضي السورية، وتقوية النظام السوري في مواجهتها. ويؤدي تحقق هذه المعادلة إلى تحقيق ما تحدث عنه وزير الخارجية سامح شكري (9 نوفمبر) بأن “سوريا بإمكانها استعادة مكانتها في جامعة الدول العربية وتطبيع العلاقات بشكل كامل إذ تمكنت من لعب دورها التقليدي في دعم الأمن الإقليمي العربي”.

تجاوز العقبات

تعترض مسار الانفتاح العربي الكامل على سوريا أو عودة سوريا لشغل مقعدها في جامعة الدول العربية عدة عقبات تتمحور حول رفض الولايات المتحدة ودول عربية وغربية أخرى لهذا المسار من زاوية عدم إمكانية التعاطي مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد بسبب “الجرائم والفظائع” التي ارتُكبت في سوريا على مدار عشر سنوات. 

وقد عبّرت الخارجية الأمريكية عن قلقها بعد زيارة وزير الخارجية الإماراتي إلى دمشق، مشددة على أنها “لن تبدي أي دعم لجهود تبذل من أجل تطبيع العلاقة مع الديكتاتور الوحشي بشار الأسد”. هذا علاوة على رفض دول أخرى لهذا المسار، وهو ما عبّرت عنه قطر في تصريحات لوزير خارجيتها محمد عبد الرحمن آل ثاني قال فيها إن بلاده “لا تفكر حاليًا في التطبيع مع النظام السوري وتأمل في إحجام دول أخرى عن اتخاذ المزيد من الخطوات للتقارب معه”. وظهر الأمر أيضًا في عدم دعوة سوريا إلى مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة الذي استضافته العاصمة العراقية (27 أغسطس 2021) وسط تقارير أشارت إلى رفض بعض الدول المشاركة به دعوة دمشق.

إلا أن الخطوات على أرض الواقع قد تشير إلى إمكانية تجاوز هذه العقبات؛ فالولايات المتحدة التي رفضت زيارة وزير خارجية الإمارات إلى دمشق هي التي أعفت الغاز والكهرباء المارين عبر سوريا من عقوبات قانون قيصر، بل وتضمن الاتفاق أن تستفيد سوريا أيضًا من الغاز المار عبر أراضيها حسب تصريحات وزير النفط السوري بسام طعمة. ومن المحتمل أن يكون هذا الملف محل بحث ومساومات بين موسكو وواشنطن، ومنها ما يتعلق بتمديد آلية إيصال المساعدات الإنسانية إلى سوريا.  أما غربيًا، فنجد أن دولًا أوروبية ترفض التعاطي مع النظام السوري سهّلت في الوقت ذاته إجراء الانتخابات الرئاسية السورية في سفارات دمشق لديها بعد أن كانت تمانع ذلك. 

وعلى الصعيد العربي، تحتاج عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية توافقًا بين الدول العربية وليس اتفاقًا عامًا؛ إذ إن آلية العودة ستتطلب تصويتًا من الدول الأعضاء، وتتم العودة بموافقة أغلبية المصوتين، مثلما حدث في قرار تعليق العضوية؛ إذ صوتت 18 دولة بالموافقة من أصل 22 دولة. وهو التوافق الذي تعمل الجزائر ودول أخرى على الإعداد له تمهيدًا للقمة العربية (مارس 2022).

وفيما يتعلق بالنفوذ الإيراني في سوريا، فإن طهران قد رسخت حضورها في سوريا بشكل قوي على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، ومن ثم فإن طرد إيران من سوريا يبدو هدفًا صعبًا للغاية في الأمد المنظور. إلا أن توافقات قد تفضي اتخاذ النظام السوري خطوات لكسب الثقة العربية، فضلًا عن تحييد الخطر الإيراني على دول الجوار السوري عبر إبعاد قواتها من المناطق المحيطة بالجولان، وبدء خروج تدريجي لميلشياتها المنتشرة في سوريا.

إجمالًا، تتحول مجريات الأحداث في المنطقة بشكل متسارع، ويعيد الفاعلون الدوليون والإقليميون ترتيب أوراقهم في الإقليم تجاوبًا مع هذه التحولات. ومن هنا تتجه الأمور إلى إعادة إدماج سوريا في المنظومة العربية على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية. ولن يكون مستغربًا أن تشهد القمة العربية المقبلة في الجزائر عودة سوريا لشغل مقعدها في جامعة الدول العربية بعد نحو 10 سنوات من تعليق عضويتها. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى