أوروبامكافحة الإرهاب

رسالة تحذيرية.. تفجير ليفربول وتنامي التهديد الإرهابي في أوروبا

بعد مرور نحو شهر على مقتل النائب البريطاني عن حزب المحافظين “ديفيد أميس” إثر تعرضه لعملية طعن داخل الكنيسة الميثودية في لاي أون سي بمقاطعة إسكس شرق إنجلترا على يد شاب بريطاني من أصول صومالية، شهدت مدينة ليفربول بشمال إنجلترا في 14 من نوفمبر الجاري هجومًا انتحاريًا وصفته الشرطة البريطانية بأنه “حادث إرهابي” أدّى إلى مقتل شخص وإصابة آخر. 

تفاصيل الهجوم

أُبلغت شرطة ميرسيسا قبيل الساعة 11 صباحًا بالتوقيت المحلي يوم 14 نوفمبر (2021)، بوقوع انفجار لسيارة أمام مستشفى للنساء وعلى بعد أمتار من كاتدرائية ليفربول الواقعة في شمال غرب إنجلترا، في الوقت الذي تجمع فيه مئات الجنود وقدامى المحاربين لإحياء ذكرى ضحايا المحاربين في الحرب العالمية الأولي. 

وعن تفاصيل تنفيذ الهجوم، ذكر “راس جاكسون”، مدير شرطة مكافحة الإرهاب في المنطقة، أن الهجوم وقع باستخدام قنبلة يدوية الصنع، استقل صاحبها سيارة أجرة في شارع روتلاند، قرب حديقة سيفتون العامة، وطلب من سائق السيارة الذهاب إلى مستشفى النساء التي كانت على بعد 10 دقائق. 

وعندما اقتربت السيارة من مكان التوقف عند المستشفى وقع انفجار بداخلها، واشتعلت النيران بها على الفور. وتمكن سائق السيارة من الخروج منها مصابًا، ونجح في إغلاق أبواب سيارته، حتى لا يتمكن الراكب من المغادرة. الأمر الذي وصفته الشرطة البريطانية ب “العمل البطولي”؛ إذ نجحت جهوده في الحيلولة دون وقوع كارثة مروعة.

أما عن هوية منفذ الهجوم، فكشفت معلومات الشرطة البريطانية عن أن الشخص المشتبه به يُدعى “عماد السويلمين”، ويبلغ من العمر 32 عامًا، ووصل من العراق لاجئًا قبل سنوات إلى بريطانيا، وتحول قبل 4 أعوام إلى المسيحية، وتم تعميده في كنيسة ليفربول التي أراد تفجيرها، لكن حركة المرور وإغلاق الطرق حالت دون وصوله إليها، وانتهى الأمر بوقوع التفجير أمام المستشفى. ومن الممكن أن يكون اعتناق منفذ الهجوم للديانة المسيحية ودخوله الكنيسة مناورة استخدمها هذا الشخص حتى يتمكن من تحقيق هدفه الإرهابي.  

وفى ضوء الهجومين الأخيرين، أعلنت الحكومة البريطانية رفع مستوى التأهب الأمني للتهديدات الإرهابية من “كبير” إلى “شديد”، وهو ثاني أعلى مستوى، وفقًا للتصنيف البريطاني. وهذا الأمر يعني أن بريطانيا ستشهد الفترة المقبلة حالة انتشار أوسع لأجهزة مكافحة الإرهاب، وتكثيف العمل الاستخباراتي حول المشتبه بهم؛ تحسبًا لأية تهديدات إرهابية مُحتملة، لا سيما أن منفذي الهجمات الأخيرة قد يكونون على صلة بخلايا أخرى نائمة داخل بريطانيا، قد تجد في تلك الهجمات حافزًا للقيام بعمليات إرهابية مماثلة.

سياق ودلالات الهجوم

يأتي الهجوم في وقت تشهد فيه القارة الأوروبية تصاعدًا ملحوظًا فيما يعرف ب “عمليات الذئاب المنفردة”، والتي تحمل بصمات تنظيم داعش الإرهابي؛ إذ عمد الأخير في فترات “عدم التمكين” إلى التعويل على تلك الهجمات ذات الطابع الفردي، لتوسيع نفوذه في ساحات جديدة بعد خسارته في معاقله التقليدية بسوريا والعراق. ويمكن إيعاز تنامي مخاطر التهديدات الإرهابية مؤخرًا في الجغرافيا الأوروبية إلى جمله من العوامل: 

• أولها، عودة المقاتلين الأوروبيين في صفوف تنظيم داعش من المخيمات التي تأوي عائلات الدواعش في سوريا والعراق، مثل مخيمي الهول وروج إلى بلدانهم. وتمثل عودة هؤلاء “قنبلة موقوتة” تهدد الدول الأوروبية بالانفجار في أي وقت حال عودتهم إلى ممارسة نشاطهم الإرهابي مرة أخرى. 

• ثانيها، وجود خلايا نائمة بالفعل داخل المجتمعات الأوروبية تشبعوا بالأفكار المتطرفة عبر الإنترنت، إذ تتصاعد المخاوف من قيام تلك الخلايا باستغلال حالة الانفتاح والتجمعات حاليًا بعد عامين من الإغلاق بسبب جائحة كورونا، في مواصلة عملياتها الإرهابية. 

• ثالثها، الأزمة الأفغانية المتفاقمة منذ سقوط العاصمة الأفغانية كابول في قبضة حركة طالبان، وما قد يتمخض عنها من موجة جديدة من المهاجرين القادمين من أفغانستان نحو الدول الأوروبية. فربما يندس بين هؤلاء المهاجرين عناصر إرهابية من تنظيمي القاعدة وداعش، لاسيما أن الأخير صعد نجمه مؤخرًا وبدأ يتوسع شمالًا وجنوبًا في الجغرافيا الأفغانية. وأشارت تقارير استخباراتية كثيرة مؤخرًا إلى أن تنظيم “داعش-خراسان” قد تصبح لدية القدرة على التمدد خارج نطاق أفغانستان في غضون فترة تقدر من 6 إلى 12 شهرًا على أقرب تقدير. 

رابعها، التهديدات الناشئة عن جماعات اليمين المتطرف، لا سيما مع تنامي خطابات تلك الجماعات التي تحض على الكراهية والعنف عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وفى هذا السياق يمكن القول إن خلفية منفذي الهجومين الأخيرين في بريطانيا “كونهم من أصل عربي” ربما تؤدى إلى تعزيز ظاهرة الإسلاموفوبيا وتنامي خطاب الكراهية الذي يتبناه اليمين المتطرف ضد الأجانب، وبالأخص المسلمين منهم. آخر مؤشرات ذلك ما كشفت عنه مؤخرًا “كيم جونسون” إحدى نائبات مدينة ليفربول أمام مجلس العموم البريطاني، إذ ذكرت أن المسلمين يعانون بالفعل من الكراهية العنصرية بعد الحادث الإرهابي الأخير الذي وقع في مستشفى ليفربول للنساء.

علاوة على ذلك، يمكن القول إن الهجوم الأخير في ليفربول يمثل خرقًا أمنيًا للمقاربة التي تنتهجها المنظومة الأمنية البريطانية للحيلولة دون وقوع العمليات الإرهابية؛ حيث إذ المعلومات المتوفرة عن منفذ هجوم ليفربول أن الأخير لم يكن مُسجلًا على قوائم الأمن البريطاني، وتوجد العديد من الأدلة على أن هذا الشخص كان لدية نية مسبقة وتخطيط جيد لتحقيق هدفه الإرهابي منذ فترة؛ إذ أعلنت الشرطة البريطانية أن الرجل الذي يشتبه بأنه نفّذ عملية تفجير ليفربول أعدّ للهجوم منذ سبعة أشهر على الأقل، وأشارت إلى أن عمليات شراء مكونات العبوة الناسفة التي نفذ بها الهجوم جرت على الأقل منذ أن استأجر شقته في أبريل الماضي. 

وفي ضوء ما سبق يمكن القول إن سلسلة الهجمات المنفردة التي شهدتها بعض الدول الأوروبية خلال الأشهر القليلة الماضية تُنذر بحجم الخطر الإرهابي الذي قد تشهده القارة العجوز التي ما كادت أن تتنفس الصعداء من تداعيات جائحة فيروس كورونا حتى وجدت نفسها في مواجهة تنامي الخطر الإرهابي من جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى