المراكز الأمريكية

مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية يتساءل عن القدرات العسكرية التي قد تمتلكها أوروبا بحلول 2030

عرض/ آية عبد العزيز 

ساهمت حالة التنافس بين الغرب والصين وروسيا بجانب عدد من الدول الصاعدة إلى تجدد النقاش حول مدى قدرة أوروبا على تحسين قدراتها العسكرية، وترجمة مبادراتها الدفاعية والأمنية على أرض الواقع، بجانب تأسيس ثقافة استراتيجية أوروبية متوافق عليها تحدد تصوراتها حول التهديدات والتحديات المشتركة لزيادة قابليتها على المواجهة، وتحسين استجاباتها اعتمادًا على مقدراتها العسكرية.

 وعليه حاول مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، تسليط الضوء على هذه الإشكالية، بجانب الجدل المثار حول الإنفاق الدفاعي الأوروبي، مُتسائلًا عن مستقبل القدرات والبعثات الأوروبية خلال العقد المُقبل، وما هي التحديات المُحتملة التي من الممكن مواجهتها. وذلك من خلال إصدار تقرير يحمل عنوان “التحديات العسكرية المتطورة في أوروبا: مستقبل القدرات والبعثات الأوروبية“، لكل من “سيث جي جونز” نائب الرئيس الأعلى؛ كرسي هارولد براون ومدير برنامج الأمن الدولي، و”راشيل اليهوس” نائبة مدير برنامج أوروبا وروسيا وأوراسيا، و”كولين وول” باحث مشارك، برنامج أوروبا وروسيا وأوراسيا. 

يسعى التقرير إلى فهم التحولات المستقبلية التي ستشهدها القدرات العسكرية والبعثات الخارجية للقوى الأوروبية، من خلال تقييم القدرات العسكرية الحالية والتي من المُحتمل أن تمتلكها هذه الدول بحلول عام 2030، وقدرة الحكومات الأوروبية على القيام بمهام عسكرية خارج حدودها سواء بشكل مُنفرد أو بالتعاون مع الولايات المتحدة التي تتضمن المساهمة في مهام الناتو الأساسية للدفاع الجماعي عبر ردع أي عدوان، بجانب المشاركة في تقديم المساعدات الإنسانية ومساعدة قوات الأمن وحرية الملاحة والقتال على نطاق واسع ومهام أخرى خارج الحدود الأوروبية. والجدير بالذكر أن العرض يركز تحديدًا على القدرات العسكرية للحلفاء الأوروبيين وشركاء الولايات المتحدة. 

بيئة مُتغيرة

ارتكز التقرير في دراسته لهذه القدرات على طرح سؤالين رئيسين: ما هي القدرات العسكرية التي قد يمتلكها الحلفاء الأوروبيون وشركاء الولايات المتحدة بحلول عام 2030؟ وما هي أنواع المهمات العسكرية التي ستكون هذه الدول قادرة (وغير قادرة) على أدائها بفاعلية بحلول عام 2030؟ وذلك في سياق البيئة الأمنية المُتغيرة التي أضحت تشهد تفاعلات مُتلاحقة؛ حيث تواجه الولايات المتحدة وأوروبا عددًا من التهديدات المُتطورة التي ستتطلب قدرات عسكرية وغير عسكرية لكي تستطيع التصدي لها.

وفقًا للتقرير، من المرجح أن تقوم روسيا بتوسيع نفوذها في أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا ومناطق أخرى عبر عدد من الآليات التي تجمع ما بين التقليدية العسكرية وغير النظامية والدبلوماسية. فيما انخرطت الصين في أنشطة لزيادة نفوذها، وتوسيع قوتها الاقتصادية، وتجاوز الولايات المتحدة بوصفها القوة التكنولوجية والعسكرية والاقتصادية العالمية المهيمنة. علاوة على مواجهة الأمن الأمريكي والأوروبي تهديدات أخرى تتجلى في البرنامج الصاروخي الإيراني، والبرنامج النووي المُحتمل، وفقًا لما أشار إليه التقرير.

هذا بالإضافة إلى التحديات العابرة للحدود الوطنية، مثل الإرهاب، والجريمة المنظمة، والأوبئة، والانتشار النووي، وتغير المناخ، والهجرة؛ إذ تتطلب عملية المواجهة والتعامل مع هذا التحولات الأخذ في الاعتبار التغييرات التكنولوجية في مجالات مثل البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، والفضاء، وتقنيات السحابة، وتقنيات الصواريخ (بما في ذلك التقنيات التي تفوق سرعة الصوت).

اتجاهات إيجابية

وفقًا للتقرير، على مدى العقد الماضي، تحسنت حالة القدرات العسكرية الأوروبية من الناحيتين النوعية والكمية، بما في ذلك تلبية أهداف قدرة الناتو، وسد أوجه النقص في القدرات الرئيسة، وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة. وفقًا لأرقام الناتو، كان عام 2020 هو العام السادس على التوالي لزيادة الإنفاق الدفاعي من خلال الأوروبيين وكندا؛ إذ بلغت الزيادة 3.9 %. ففي عام 2020، كانت الدول الأكثر إنفاقًا (بترتيب تنازلي) من غير الولايات المتحدة هي المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وكندا وبولندا وهولندا. 

وبمقارنة ذلك بتعهد ويلز للاستثمار الدفاعي لعام 2014، والذي يلزم الحلفاء بإنفاق ما لا يقل عن 2 % من إجمالي الناتج المحلي على الدفاع و20 % من ميزانياتهم الدفاعية على المعدات الجديدة الرئيسة (بما في ذلك البحث والتطوير) بحلول عام 2024، يفي 10 حلفاء الآن بالتزام 2 % (مقارنة بـ 3 في 2014)، فيما تنفق 24 دولة أكثر من 20% على المعدات الرئيسة (مقارنة بـ 7 في 2014). 

واستكمل التقرير أن الأمين العام لحلف الناتو “ينس ستولتنبرغ” يتوقع أن يستمر هذا الاتجاه الإيجابي، ولكن من المُحتمل أن يقوم بعض أعضاء الناتو بتعديل خطط الإنفاق الدفاعي الخاصة بهم، إذا تزايدت التداعيات الاقتصادية لجائحة “كوفيد-19” أكبر من اللازم. 

فيما يتعلق بالاستعداد، قرر الحلفاء في عام 2014 تعزيز قوة الرد التابعة للناتو التي يبلغ قوامها 40 ألف جندي من خلال إنشاء قوة مهام مشتركة عالية الاستعداد (VJTF) قوامها حوالي 5000 جندي مع ما يناسبهم من القوة الجوية والبحرية والخاصة ووحدات قوات العمليات. وقد أعلن الناتو أن (VJTF) قادرة بشكل عملي في عام 2016 حتى مع استمرار وجود فجوات عبر المجالات البرية والجوية والبحرية، فيما لم تصل بعض عناصر التمكين الرئيسية، مثل الاستخبارات المشتركة والمراقبة والاستطلاع، إلى القدرة التشغيلية الكاملة. 

وكشف التقرير أن القوات البرية المُخصصة لقوة المهام المشتركة هي أوروبية، فيما توفر الولايات المتحدة عوامل التمكين الرئيسة لهذه القوات، بما في ذلك الجسر الجوي الاستراتيجي والتكتيكي، والقيادة والسيطرة. وحاليًا تعد فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا وتركيا والمملكة المتحدة قادرة على قيادة عناصر القوات البرية (VJTF) على أساس التناوب. وبالرغم من سعي الدول إلى تعزيز قدرات هذه القوات من خلال الاستثمار في الخدمات اللوجستية والمعدات، إلا أن هناك العديد من الثغرات التي لن يتم سدها قبل عام 2030.  

بالإضافة إلى ضمان مصداقية قوات الاستجابة السريعة هذه، يدفع الناتو أعضاءه إلى تحسين جاهزية قواتهم للدفاع الجماعي وعمليات الاستجابة للأزمات. لذا فقد أطلق الناتو مبادرة جهوزية الناتو في عام 2018، والتي تحدد التزامًا بوجود 30 كتيبة مناورة ثقيلة أو متوسطة، و30 سربًا جويًا حركيًا، و30 مقاتلًا بحريًا رئيسًا جاهزين للاستخدام في غضون 30 يومًا أو أقل. 

ومن حيث القدرات، أظهرت دورات عملية التخطيط الدفاعي للناتو(NDPP)  2014-2018 و2019-2023 استعدادًا أكبر بين الحلفاء لقبول أهداف قدرات الناتو المخصصة لهم؛ إذ مثّل عام 2017 أول عام يقبل فيه الحلفاء 100٪ من أهدافهم المخصصة، وذلك وفقًا للتقرير. 

قدرات غير تقليدية

أوضح التقرير عددًا من المجالات المتطورة التي عزز فيها الناتو من قدراته، -لأن ضمان الاحتفاظ بقدرات عالية إبان الصراعات المستقبلية سيتطلب من الدول الأعضاء في الحلف العمل في المجالات غير التقليدية- تتمثل أبرزها على النحو التالي: 

  • سيبرانيًا: وفقًا للتقرير تطورت عقيدة وقدرات “الناتو” السيبرانية عبر الإنترنت بسرعة في السنوات الخمس الماضية؛ إذ أعلن “الناتو” عن الفضاء الإلكتروني مجالًا تشغيليًا في يوليو 2016، وأنشأ مركزًا جديدًا لعمليات الفضاء السيبراني ضمن هيكل قيادة الناتو في عام 2018. إذ تعد كل من فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأكثر قدرة نشر قدراتها، والقيام بعمليات هجومية عبر الإنترنت، بالإضافة إلى هولندا والنرويج وألمانيا والدنمارك.
  • الفضاء: استكمل التقرير أن الناتو اتخذ نهجًا أكثر نشاطًا في عام 2019 من خلال إطلاق سياسة فضائية جديدة، والاعتراف بالفضاء كمجال تشغيلي. ويركز على رسم الخرائط التي يعتمد عليها الحلفاء في الفضاء، بجانب معالجة نقاط الضعف، وبناء المرونة، وضمان أمن الأصول الموجودة في الفضاء. حاليًا، لا يفي سوى عدد قليل من الحلفاء بأهداف المراقبة الفضائية والوعي بالأوضاع، تأتي في مقدمتهم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا.
  • الدفاع الصاروخي: على المستوى التكتيكي ومسرح العمليات، هناك أوجه قصور في الدفاع الصاروخي لعمليات قوة المناورة. في المقابل تتحسن قدرات الدفاع الصاروخي الجوي والأرضي للحلفاء بشكل مستمر، مع قيام العديد من الدول بتقديم طلبات شراء بطاريات باتريوت، مثل بولندا، ورومانيا والسويد لينضموا إلى مشغلي باتريوت في ألمانيا وهولندا واليونان وإسبانيا. وتعمل هولندا والدنمارك على تحسين قدراتهما الدفاعية للصواريخ الباليستية في البحر. 
  • القدرات النووية: أوضح التقرير أن العديد من حلفاء الناتو وشركائه دعوا إلى تحقيق تقدم أكبر في الحد من التسلح ومنع الانتشار النووي. ففي بعض الدول الأعضاء في الناتو، مثل ألمانيا وهولندا، يتزايد الضغط السياسي المحلي لإعادة النظر في أدوار بلدانهم في استضافة الأسلحة النووية الأمريكية والمساهمة فيها. ومع ذلك، فإن تلك الدول التي تعد جزءًا من بنية الردع الموسعة للناتو التي تتخذ خطوات لتحديث وتأمين سلامة القدرات النووية للحلف. 

تحديات قائمة

وفقًا للتقرير، من المُحتمل أن يكون الحلفاء الأوروبيون وشركاء الولايات المتحدة قادرين على تنفيذ عدد من المهام العسكرية بحلول عام 2030. على سبيل المثال، من المرجح أن تحتفظ أكبر الجيوش في أوروبا بقدرتها على الاستجابة للأزمات ومهام الطوارئ المحدودة أو تحسنها في أوروبا والشرق الأوسط وأجزاء من إفريقيا. وستكون قادرة على التعامل مع معظم أنواع الاشتباك العسكري، والتعاون الأمني ​​، والردع، ومكافحة المخدرات، ومكافحة الإرهاب، والدوريات الجوية والبحرية، وبالرغم من ذلك هناك عدد من التحديات تتجلى فيما يلي:

  • بحلول العقد المقبل، أوضح التقرير أنه من المُحتمل أن تظل الدول الأوروبية تواجه صعوبة في إجراء عمليات إدارة الأزمات على نطاق واسع دون مساعدة من الولايات المتحدة. ولن يكونوا قادرين على تنفيذ قتال واسع النطاق ومتطور ضد المنافسين مثل روسيا والصين. 
  • وأفاد التقرير أنه بالرغم من الطموح المُتزايد من المحتمل إلا تتمكن الجيوش الأوروبية من القيام بمهام أكبر وأكثر فاعلية في المحيطين الهندي والهادئ، بدون مساعدة أمريكية. 
  • واستكمل التقرير أن الناتو لا يستطيع إجبار الحلفاء على تحقيق أهدافهم المتفق عليها، إلا أنه يحتاج إلى مواصلة الضغط من خلال التقييمات المنتظمة لتضمين التقرير السنوي للأمين العام للناتو وتعديل المتطلبات بما يتماشى مع بيئة التهديد المُتغيرة. 
  • على الرغم من الاستثمارات الجارية والمخططة، فمن غير المرجح أن تتحقق القوات والقدرات التي تم الوعد بها في الوقت المحدد؛ نتيجة التغييرات في القيادة السياسية، والضغوط الاقتصادية من جائحة “كوفيد-19″، وتحويل جداول المشتريات أو خطوط الإنتاج (بما في ذلك في الولايات المتحدة) إلى إعاقة قدرة الأوروبيين على تنفيذ خططهم في موعدها. 
  • نظرًا لأن الأوروبيين يسعون إلى تحديث قواتهم العسكرية بالتزامن مع التطورات المُتلاحقة، فإن أي تأخير أو تباعد يهدد بتقويض قابلية التشغيل البيني للناتو وقدرته على مواكبة التحديث العسكري للخصوم. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى