مصر

المتحف المصري الكبير.. واجهة للسياحة الثقافية في مصر

في الرابع عشر من شهر نوفمبر الجاري، عقد السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي اجتماعًا مع عدد من أعضاء الحكومة لمتابعة الموقف التنفيذي لأعمال تشييد مشروع المتحف المصري الكبير، حيث وجه سيادته بأهمية خروج تجهيزات المتحف الهندسية والأثرية على أكمل وجه، كما شدد على أهمية استخدام التكنولوجيا الحديثة في تأمين منشئات المتحف، فضلًا عن تطبيق أفضل الأسإلىب والتقنيات العصرية في العرض المتحفي.

كما وجه الرئيس باستكمال خطط رفع كفاءة المباني والطرق المحيطة بالمتحف المصري الكبير من كافة الاتجاهات، وهو ما سيساعد على إبراز أهمية ومكانة منطقة الاهرام التراثية، ليتماشى بدوره مع المكانة العالمية للمتحف المصري الكبير، حيث ينتظر أن يكون المتحف فور افتتاحه أكبر مؤسسة عالمية مختصة بعمليات جمع وصيانة وعرض الآثار المنتمية للحضارة المصرية القديمة، كما سيكون المتحف واجهة سياحية وأثرية لائقة بمكانة الدولة المصرية على مستوى العالم.

متاحف دولية مهتمة بالحضارة المصرية

على الرغم من اقتران الحضارة المصرية القديمة جغرافيًا وتاريخيًا باسم الدولة المصرية، إلا أن مصر لم تكن هي الدولة الأكبر أو الأكثر شهرة في عمليات صيانة وعرض قطع الآثار المصرية، حيث استطاعت العديد من الدول الغربية أن تنافسها في هذا الملف مثل المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وإيطإلىا – انظر الشكل التإلى -، فتلك الدول مجتمعة تمتلك ما إجمإلىه 50 متحفًا أثريًا كبيرًا، يضم كل متحف منها مجموعة ضخمة من الآثار المصرية القديمة وإن كانت بأعداد متفاوتة، حيث لا يقل عدد الآثار التابعة لتلك المتاحف عن 1000 أثرية بالمتحف الواحد، فيما تتخطى أعداد تلك القطع حاجز 45 ألف قطعة في بعض من تلك المتاحف مثل متحف بوسطن للفنون الجميلة بالولايات المتحدة الأمريكية، كما تصل أعداد القطع الأثرية إلى 80 الف قطعة في متاحف أخرى مثل المتحف المصري ببرلين ومتحف بيتري بلندن، ويصل أعلى عدد مسجل للأثار المصرية تحت سقف مكان واحد داخل المتحف البريطاني، فجنبات هذا المتحف وحده تحتوي على 100.000 قطعة منتمية للحضارة المصرية القديمة.

  المصدر: حصر اجراه الباحث

  ملاحظة: المتاحف الواردة في الحصر لا يقل عدد الآثار المصرية بكل واحد منها عن 15 ألف قطعة أثرية.

المتحف الأكبر في مصر

مع توإلى الاكتشافات الأثرية على مدار العقود الماضية، واجه المتحف المصري بالتحرير حالة من التكدس الشديدة، فالآثار أصبحت متراصة بأروقة المتحف ومخازنه الأثرية بشكل غير مناسب أو ملائم لطبيعة العرض المتحفي، مما دفع المختصين إلى وصف المتحف المصري بالتحرير بإنه مخزن أثري أكثر من كونه متحفًا لعرض الآثار، كما واجهت السلطات المحلية الكثير من الانتقادات الدولية جراء الحالة الغير مناسبة لحفظ الآثار داخل المتحف وهو ما هددها بالتعرض لمختلف الأخطار، كما كانت المتاحف الإقليمية والمخازن الأثرية في عموم البلاد تعاني من ذات الحالة من الإكتظاظ الأثري، وهو ما يعني إحتمالية تعرض الآثار بتلك المؤسسات لأخطار مماثلة لما كانت تواجهها آثار المتحف المصري بالتحرير.

في مطلع الالفية الأولى من القرن الواحد والعشرين، اتخذت الحكومة المصرية قرارًا بتشييد عدد من المتاحف الجديدة وذلك لاحتواء الأعداد المتزايدة من الآثار. وكان المتحف المصري الكبير أبرز تلك المتاحف التي خططت الحكومة لإنشائها، وحددت الحكومة موقعًا له بالقرب من أهرام الجيزة، وذلك لكي يتكامل من الناحية السياحية مع هضبة الأهرام المسجلة على قائمة التراث العالمي من قبل منظمة اليونسكو.

خُصص للمشروع مساحة من الأرض بلغت 117 فدان بمدخل طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي، ووضع حجر أساس أعماله الإنشائية في عام 2002، وسارت معدلات تنفيذ المشروع بمعدلات مقبولة حتي نهاية عام 2010، لكن حالت التوترات الأمنية والسياسية في البلاد أوائل عام 2011 دون استكمال المرحلة الأخيرة من عمليات التشييد، ومع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الرئاسة عام 2014 ظهرت بارقة أمل لاستكمال المشروع المتوقف، حيث جرى بين عامي 2016 و2020م إنهاء المرحلة الثالثة والأخيرة من إنشاءات المتحف، والتي مثلت الأكثر كُلفة في خطة العمل، إذ خُصصت تلك المرحلة لبناء وتشطيب منشأت المتحف ومرافقه وجاوزت تكلفتها المليار دولار أمريكي. 

الجهات القائمة على تصميم وتنفيذ مشروع المتحف قامت بتقسيمه إلى عدد من القاعات والمرافق التي من شأنها خلق وقت مفيد وممتع لكافة الزوار على اختلاف أعمارهم، لذلك جرى تقسيم المبني الرئيسي للمتحف إلى 5 قاعات خاصة بعرض القطع الأثرية، كما تم إضافة متحفين جديدين أولهما خاص بعرض محتوى تثقيفي يتناسب مع الأطفال، وثانيهما معرض خاص بذوي الهمم ووظيفته إتاحة تجربة حسية تفاعلية لهم، كما جرى تشييد ورش تفاعلية داخل المتحف من أجل إتاحة الفرصة أمام الزوار لكي يختبروا عدد من الحرف اليدوية التي مارسها المصريون القدماء، إلى جانب ذلك يضم المتحف مركزًا للمؤتمرات وعدد من قاعات الدراسة والمحاضرات. 

بالإضافة إلى المبني الرئيسي أنشأت مصر مركز الحفظ الأثري على مساحة 7000 متر مربع، ويختص هذا الموقع بحفظ الآثار وصيانتها ومعالجتها من خلال 5 معامل متخصصة، حيث يقوم أحدها بالتعامل مع الآثار البشرية والحيوانية، فيما يختص الثاني بالآثار الخشبية، أما الثالث فيقوم بمعالجة الآثار العضوية مثل النسيج والبردي، أما الرابع والخامس فيقومان بالتعامل مع الآثار الحجرية والمعدنية، ويرتبط مركز الحفظ الأثري مع جسم المتحف الرئيسي من خلال ممر مؤمن تحت الأرض، وهو ما يقلل احتمالات تعرضه للأخطار الأمنية إلى الحدود الدنيا، ومن المنتظر أن يحتوي مبني المتحف الرئيسي والمخازن المتحفية التابعة لمركز الحفظ الأثري على ما يفوق 100.000 قطعة أثرية، وهو ما يعني أن المتحف المصري الكبير سيكون أكثر المتاحف العالمية التي تضم آثار منتمية لحضارة مصر القديمة. 

إمكانات داعمة

قوة المتحف المصري الكبير لاتقتصر على احتواءه على عشرات الآلاف من الآثار المنتمية لحضارة مصر القديمة، لكن في وجود العشرات من المرافق الخدمية لعمل المتحف وهو ما ستجعل منه وجهة سياحية مميزة يرغب السائحين في اكتشافها والاستمتاع بها، فإلى جانب قاعات العرض المتحفي وقاعات المحاضرات وغيرها من المرافق الثقافية، سيحتوي المتحف على دار للسينما وعدد من المطاعم والتي سيطل بعضها على الأهرامات، كما سيحتوي المتحف على عدد من الحدائق المفتوحة التي تعكس الطبيعة الجغرافية والبيئية لمصر.

إلى جانب ما سبق جرى التخطيط لربط المتحف المصري الكبير بهضبة أهرام الجيزة، من خلال تشييد ممشى صاعد بطول 1.2 كيلو متر، وسيضم هذا الممر مسارات للمركبات الرابطة بين المكانين، ومسارات للمشاة، بالإضافة إلى محلات تجارية لبيع التحف والمستنسخات الأثرية، كما سيحيط بالممشى عدد من الفنادق التي ستساهم في تلبية الطلب المتصاعد على خدمات الإقامة الفندقية بتلك المنطقة مستقبلًا. وإلى جانب مشروع الممشى تقوم الحكومة حاليًا بتطوير منطقة الأهرام بالكامل، وذلك لتحسين الخدمات المقدمة بتلك المنطقة، وتوفير أقصى سبل الراحة للزائرين مع الحفاظ على معايير الاستدامة التي يجب الأهتمام بها في مثل هذا الموقع التراثي الفريد.

الحكومة المصرية اهتمت أيضًا بمشروعات ومرافق النقل بالمنطقة المحيطة بالمتحف، لذلك أنشأت في عام 2016 مطار سفنكس الجديد، والذي سيربط المتحف ومنطقة الأهرام التراثية مع باقي المقاصد السياحية في مصر خاصة في إقليمي البحر الأحمر وجنوب الصعيد، كما قامت الدولة بتقوية شبكة الطرق المحيطة بالمتحف، لذلك طورت مدخل طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي بطول 15كم، كما طورت طريق الفيوم بطول 50 كم، واستكملت القوس الجنوبي من الطريق الدائري حول القاهرة بطول 5 كم، ومن المتوقع أن تختصر تلك الطرق من زمن رحلات المركبات السياحية بين هضبة الأهرام ومنطقة القاهرة الإسلامية إلى أقل من 30 دقيقة، كما سيتم اختصار المسافة بين منطقة الأهرام ومطار سفنكس إلى أقل من 20 دقيقة. 

ختامًا، تتنظر مصر وينتظر العالم معها افتتاح المتحف المصري الكبير، ذلك الصرح العملاق الذي سيكون واحدًا من أبرز المنشأت المتحفية حول العالم، والذي سيكرس مجهوداته لصيانة التراث المنتمي للحضارة المصرية القديمة، ومن المنتظر أن يكون للمتحف العديد من الفوائد على قطاع السياحة المصري، حيث سيساهم في جذب ما يزيد على ثلاثة ملايين سائح سنويًا، وهو ما يعني زيادة الإيرادات السياحية بأكثر من 3 مليار دولار.   

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى