آسياالأمريكتان

بعد قمة بايدن – شي الافتراضية.. هل تتراجع واشنطن بشأن “تايوان”؟

بعد تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة والصين، ظهر مسعى جديد لتخفيف حدة المشاحنات بين البلدين خاصة عندما يتعلق الأمر بالحديث عن” تايوان”، وذلك في أول لقاء افتراضي بين رئيسي البلدين، الأمريكي جو بايدن ونظيره الصيني شي جينبينج، حاولا من خلاله تهدئة التوترات بين القوتين وإدارة القضايا التي يختلفان عليها وتحديد طرق التواصل لتجنب الصراع، ذلك في إشارة واضحة لاعتقاد البلدين أن العداء المفتوح بينهما لم يكن مفيدًا لأي منهما.

لقاء افتراضي لتخفيف التوترات

في الفترة الماضية، ارتفع مستوى التوتر بين الصين والولايات المتحدة بشأن “تايوان” الديموقراطية المتحالفة مع واشنطن، والتي تحظى بحكم ذاتي وتطالب بها الصين، وهو ما يجعلها أقوى اختبار للإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة الرئيس جو بايدن والذي من المرجح أن يقود إلى الحرب أو السلام في بحر الصين الجنوبي المضطرب، وأكدت الولايات المتحدة أنها لن تتخلى عن تايوان في أي محاولة لإعادة تحسين العلاقات مع الصين، ويعد ملف تايوان الوحيد الذي قد يدفع الولايات المتحدة والصين للدخول في حرب قد تتصاعد إلى مستوى حرب نووية، كما تدهورت العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم في الأسابيع الماضية على خلفية ملفات عدة، بداية بالتجارة مرورًا بحقوق الإنسان وصولا إلى طموحات الصين الإقليمية، وهو ما دفع بايدن إلى تعزيز تحالفاته الإقليمية في آسيا.

موقف الصين من تايوان

“تايوان”، الجزيرة التي انفصلت عن البر الرئيسي وسط حرب أهلية عام 1949 وعدد سكانها قرابة 24 مليون نسمة، تحوّلت منذ ذلك الحين إلى ديموقراطية تنبض بالحياة ومركزًا رئيسيًا للتكنولوجيا، وتعتبرها حكومة الصين الشيوعية مقاطعة منشقة يجب توحيدها مع الوطن الأم، وأكد الرئيس الصيني شي جينبينج مرارًا في السنوات الأخيرة، أن إعادة دمجها تحت حكم الصين “أمر لا مفر منه” بكل الوسائل الضرورية حتى وإن اضطرت الصين لاستخدام القوة العسكرية، مؤكدًا على مبدأ ” الصين الواحدة” الخط الأحمر الذي لا يسمح بتجاوزه وإنه سيردع بحزم أي نشاط يسعى إلى استقلال تايوان. 

وفي ظل تحالف الولايات المتحدة العسكري من أجل استقلال تايوان، قامت الصين بمناورات هجومية غير مسبوقة شاركت فيها عشرات الطائرات المقاتلة وقاذفات القنابل، بالقرب من جزر براتاس التي تسيطر عليها تايوان في بحر الصين الجنوبي، في رسالة قوية مفادها إنها لن تهدأ حتى يتم ضم تايوان تحت جناحها.

موقف الولايات المتحدة من تايوان

أكدت إدارة بايدن أن التزامها تجاه استقلال تايوان هو مبدأ ثابت كالصخر، وأنها لن تتخلى عن تايوان في أي محاولة مهما كانت لتحسين العلاقات مع الصين، فالولايات المتحدة كانت وما زالت أقوى حليف لتايوان ومزودها الأول بالأسلحة، حتى تتمكن من الدفاع عن نفسها وفقًا لقانون أصدره الكونجرس، وطلبت الإدارة الأمريكية الدعم من الحلفاء الإقليميين من أجل استقلال تايوان، وعلى رأسهم اليابان، التي حافظت على علاقات قوية معها على مدار عقود والتي تؤمن بأهمية السلام والاستقرار فيها.

وعزمت إدارة بايدن على تقديم المساعدات العسكرية والدبلوماسية الملموسة إلى تايبيه، بزيادة مبيعات الأسلحة وتخفيف القيود على التبادل العسكري والدبلوماسي وتوسيع انتشار قوات البحرية الأمريكية في المياه المجاورة للصين، ذلك في إشارة واضحة على التزام أمريكا بتزويد تايوان بوسائل الدفاع عن نفسها، وبذلت واشنطن مساعٍ ملموسة لإقناع حلفائها في فرنسا وألمانيا وبريطانيا وأستراليا واليابان والهند، بتشكيل تحالف عسكري لـ”مواجهة وردع” النفوذ البحري الصيني المتزايد في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهو ما أثار غضب بكين.

ومن قبل ذلك، ما حدث في حفل تنصيب بايدن، إذ تمت دعوة سفير تايوان في واشنطن “هسياو بي كيم” وتقديمه من قبل الحزب الديمقراطي التقدمي على أنه الحاكم في تايبيه، ووصفت بكين هذا الأمر بأنه “اختراق جديد” من الولايات المتحدة منذ أن اعترفت واشنطن ببكين عام 1979.

“تايوان” وتحذير من اللعب بالنار

بعد حفاوة ترحيب الرئيسين ببعضهما، استخدم شي نبرة تصالحية وقال: “على الرغم من أننا لا نستطيع رؤية بعضنا البعض وجهًا لوجه، فأنا أشعر بسعادة كبيرة لرؤية صديقي القديم”، ثم ناقش الرئيسين عددًا من الموضوعات بما في ذلك أفغانستان وكوريا الشمالية وإيران، فضلًا عن حقوق الإنسان وتغير المناخ والمخاوف بشأن تايوان.

شدد جو بايدن خلال اللقاء الذي استمر قرابة ثلاث ساعات ونصف على وجوب وجود “حواجز أمان بين البلدين” تمنع اندلاع أية نزاعات، وأن التنافس بين القوتين الأمريكية والصينية لا ينبغي بدوره أن يتحول إلى صراع سواء كان ذلك بقصد أم لا، ودعا الرئيس الصيني إلى تحسين التواصل بين البلدين حتى يتم إعادة العلاقات الصينية الأمريكية على الطريق الصحيح لتطور سليم ومستقر. 

لا توجد قضية بين الولايات المتحدة والصين أكثر إثارة للجدل من قضية تايوان، التي تعمل كدولة مستقلة في جميع أنحاء العالم باستثناء الاعتراف الرسمي بها، وعن تايوان، ألقى شي باللوم في التوترات الأخيرة بين البلدين على المحاولات المتكررة من جانب سلطات تايوان للبحث الدائم عن دعم الولايات المتحدة لأجندة الاستقلال الخاصة بهم، وكذلك نية بعض الأمريكيين استخدام تايوان لاحتواء الصين.

وحذر شي نظيره الأمريكي من السعي لتحقيق استقلال تايوان أو التفكير في أن تايوان قد تكون سببًا للسيطرة على الصين في يوم ما، وشبه ذلك بـ “اللعب بالنار” وأن من يلعب بالنار سوف يحترق، وحذر من تدخل الولايات المتحدة في شؤونها الداخلية أو شؤون أي دولة أخرى من خلال قضايا حقوق الإنسان، ففي خطاب سابق ألقاه في بكين في يوليو للاحتفال بمرور 100 عام على ميلاد الحزب الشيوعي الصيني، حذر الرئيس الصيني من أن “الشعب الصيني لن يسمح أبدًا للقوات الأجنبية بالتنمر علينا أو قمعنا أو استعبادنا. كل من يمرض الأوهام بفعل ذلك سوف يكسر رؤوسهم ويسفك الدماء على سور الصين العظيم المصنوع من الصلب الذي بني من لحم ودم 1.4 مليار صيني”.

في حين أشار الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى أن إدارته ستبقى وفية لسياسة “الصين الواحدة”، وأكد على أنه يعارض وبشدة أيضًا كل محاولة أحادية لتغيير الوضع الراهن أو الإخلال بالسلام والاستقرار في مضيق تايوان، ولكنه أعرب عن المخاوف التي تقلقه حيال حقوق الإنسان بشأن تايوان وما تمارسه بكين في شينجيانج ضد الأويغور والتيبت وهونج كونج وحقوق الإنسان بشكل عام، فقد خضعت الصين للتدقيق من الديمقراطيات الغربية بشأن حملتها القمعية في شينجيانج، حيث قامت السلطات باعتقال واحتجاز الأويغور وغيرهم من الأقليات المسلمة بأعداد كبيرة ، وفي هونج كونج، حيث أدى قانون الأمن القومي القاسي إلى إلغاء العديد من التقاليد الديمقراطية للمدينة.

وعندما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على المسؤولين الصينيين بشأن هونج كونج وشينجيانج، ردت بكين على الاتهامات المتبادلة بانتقاد الولايات المتحدة، فقد انتقد دبلوماسيون صينيون ووسائل إعلام رسمية الولايات المتحدة بشأن الانسحاب الفوضوي من أفغانستان.

التجارة والمناخ.. خلاف قائم واتفاق نادر

من القضايا التي تمت إثارتها خلال اللقاء ما يتعلق بالتجارة بين البلدين، فلم يحرز الرئيس بايدن وشي جين بينج أي تقدم واضح بشأن القضايا التجارية في قمتهما الافتراضية، لكنهما توصلا إلى ملاحظة تبعث على الأمل حول إمكانية عقد صفقات مستقبلية، فقد سلط بايدن الضوء على الحاجة إلى حماية العمال والصناعات الأمريكية من الممارسات التجارية والاقتصادية غير العادلة من جمهورية الصين الشعبية، ورد شي على هذه القضية بتعليق قوي مفاده أن الولايات المتحدة عليها أن تتوقف عن إساءة استخدام مفهوم الأمن القومي لقمع الشركات الصينية. ويبدو من لغة الحوار الهادئة بين الرئيسين أنه سيتم حل الخلافات التجارية تدريجيًا.

كما تم مناقشة ملف المناخ، فهي السياسة النادرة التي يبدو أن الصين والولايات المتحدة يشتركان فيها، خاصة بعد انعقاد قمة جلاسكو هذا الشهر والتي وقع فيها البلدان- أكبر الدول الملوثة- اتفاقات بشأن خفض الانبعاثات الكربونية وإنقاذ الكوكب، على الرغم من مهاجمة جو بايدن للرئيس الصيني لعدم حضوره مؤتمر المناخ الأخير في جلاسكو واتهامه بأنه لا يريد التعاون في ملف المناخ.

وكرر الرئيسان من خلال مناقشتهم التزامهم بالقضية، ولكن لم يتفقوا بشكل واضح عن الكيفية التي ستعمل بها البلدان معًا من أجل تحقيق الاستقرار بهذا الشأن، فقد افتقر اتفاق جلاسكو إلى التفاصيل، بما في ذلك أي التزام من الصين حول موعد البدء في تقليل كمية ثاني أكسيد الكربون والغازات الأخرى التي تولدها عن طريق حرق الفحم والغاز والنفط، فاكتفت بكين بأنها أعلنت عن تنفيذ ذلك بحلول عام 2030.

وقال الزعيم الصيني شي جين بينج، إن سياسة المناخ يمكن أن تصبح “نقطة انطلاق جديدة” للتعاون مع الولايات المتحدة، وأن الصين بصفتها أكبر دولة نامية في العالم عليها مسؤوليات مختلفة يجب أن تتحملها عندما يتعلق الأمر بتغير المناخ، مقارنة بالدول المتقدمة التي ضخت المزيد من ثاني أكسيد الكربون خلال القرن الماضي.

فضلاً عن أن قطاع التصنيع القوي في الصين يجعلها المصدر الأول للانبعاثات على كوكب الأرض، وهي مسؤولة عن حوالي ربع إجمالي الانبعاثات العالمية. وهو أيضًا السبب الذي يجعل قادة بكين لا يستطيعون التراجع عن الانبعاثات بسهولة أو بسرعة، كما أعلن الرئيس شي عن خطوات للحد من استخدام الصين للفحم الذي يعد أسوأ أنواع الوقود الأحفوري، لكن لا يزال لدى الدولة خطط مكثفة لبناء محطات طاقة تعمل بالفحم، مما يجعل الأمر محل تشكيك.

على الرغم من أن الصين كانت تتسابق لإنشاء مشاريع طاقة الرياح والطاقة الشمسية، إلا أنها لم تكن قادرة على التحول من الفحم إلى الغاز الطبيعي، الذي ينبعث منه كميات أقل من ثاني أكسيد الكربون عند الاحتراق بسرعة مثل الولايات المتحدة.

الحرب الباردة بين البلدين

تكمن وراء التوترات العديدة بين بكين وواشنطن مسألة ما إذا كان البلدان ينزلقان إلى حرب باردة أم لا، فأحد مجالات الاتفاق القليلة بين زعيم الصين والرئيس بايدن هو أن السماح للعلاقات بين البلدان بالتحول إلى سلوك الحرب الباردة سيكون خطأً ذا أبعاد تاريخية، ومن خلال المحادثات، انتقد الرئيس شي ضمنيًا جهود الرئيس بايدن لدعم تحالفات دول ذات توجهات ديمقراطية لمواجهة الصين، قائلاً إن “الترسيم الأيديولوجي” من شأنه أن “يجلب كارثة حتمًا إلى العالم، وأن عواقب الحرب الباردة ليست بعيدة.”

منا جانبه، أصر بايدن على أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى حرب باردة جديدة، وأن الحوادث وسوء التفاهم لن يدفعا أي من البلدين في الاتجاه الخاطئ، وهناك العديد من الأسباب للقول إن ما يحدث اليوم مختلف تمامًا عن الحرب الباردة. وإن حجم التبادل الاقتصادي والتشابك بين الولايات المتحدة والصين ضخم؛ ولكن مع الاتحاد السوفيتي كان ذلك ضئيلًا، كما سيخسر كلا الجانبين مبلغًا هائلًا من الحرب الباردة؛ فهما يعيان جيدًا مخاطر هذه الحرب.

ومع ذلك، مع إشاراته المتكررة هذا العام إلى صراع الأجيال بين “الاستبداد والديمقراطية”، استدعى الرئيس بايدن الحافة الأيديولوجية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. وكذلك فعل الرئيس شي في لحظات في حديثه عن التأكيد على أن الصين لا تعتمد على الغرب في التقنيات الحيوية، بينما يحاول أيضًا التأكيد على أن الغرب يعتمد على الصين.

لا شك في أن الأشهر العديدة الماضية كانت تتردد في أصدائها سلوك الحرب الباردة، فقد قامت القوات الجوية الصينية بتنفيذ طلعات جوية في منطقة تحديد الطائرات في تايوان، كما قامت بكين بتوسيع برنامجها الفضائي وإطلاق ثلاثة رواد فضاء آخرين إلى محطتها الفضائية، وتسريع اختباراتها للصواريخ الأسرع من الصوت التي تهدف إلى هزيمة الدفاعات الأمريكية؛ والإفراج عن مسؤول تنفيذي كبير في شركة Huawei  مقابل كنديين وأمريكيين فيما بدا وكأنه تبادل سجناء.

في الوقت نفسه، أعلنت الولايات المتحدة أنها ستزود أستراليا بتكنولوجيا الغواصات النووية، مع احتمالية ظهور غواصاتها دون اكتشافها على طول الساحل الصيني. ولم يفلت المعلقون الصينيون من أن آخر مرة شاركت فيها الولايات المتحدة هذا النوع من التكنولوجيا كانت في عام 1958، عندما اعتمدت بريطانيا المفاعلات البحرية كجزء من الجهود لمواجهة ترسانة روسيا النووية الآخذة في التوسع.

الصين والتكنولوجيا الأمريكية

ضرب الصدام المستمر منذ فترة طويلة بين الصين والولايات المتحدة حول مستقبل التكنولوجيا، عندما ساعدت وزارة العدل في التوسط بصفقة أدت إلى إطلاق سراح مسؤول تنفيذي كبير في شركة تصنيع معدات الاتصالات الصينية هواوي، ولم يفعل الرئيس بايدن الكثير للتراجع عن الإجراءات التي تم وضعها في ظل إدارة ترامب والتي تهدف إلى تقييد وصول الصين إلى التكنولوجيا الأمريكية. ومنع الصين من استخدام البرامج والمعدات الأمريكية في تطوير أدوات تعزيز حالة المراقبة، بما في ذلك أجهزة الكمبيوتر المتقدمة والذكاء الاصطناعي وأنظمة التعرف على الوجه.

من جانب الصين، من المرجح أن يكون دافع البلاد للاعتماد على نفسها من خلال اتخاذ الخطوات لاستعادة الوصول إلى التكنولوجيا الأمريكية، وأنه من غير المرجح أن تتراجع بكين عن قيودها الصارمة فيما يتعلق بتدفق البيانات أو حرية التعبير عبر الإنترنت، فلقد أدت هذه القيود فعليًا إلى عزل معظم شركات الإنترنت الأجنبية الكبرى عن الصين، وآخرهم شركة LinkedIn، التي أعلنت إغلاقها في الصين.

أخيرًا، بعد هذا اللقاء بين زعيمي أكبر قوتين في العالم، فإن العالم يتطلع إلى المزيد من اللقاءات بينهما فإذا تمكن الرئيسان بايدن وشي من إقامة وتيرة تواصل منتظم من خلال اجتماعات حضورية عندما تسمح الظروف، عندها يمكن للصين والولايات المتحدة معالجة التقلبات والمخاطر في علاقتهما بسهولة أكبر.

مي صلاح

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى