مصر

المجالس المحلية.. استحقاق دستوري طال انتظاره

أعضاء المجالس المحلية هم المسؤولون الحكوميون المنتخبون في الإدارة المحلية القائمون على الرقابة على المستوى المحلي، وكانت في الماضي سلطتهم مقيدة ودورهم استشاري إلى حد كبير، وكان يُنظر للمجالس المحلية على أنها مجالس للخدمات، إلى أن جاء دستور 2014 الذي تطرق لمفهوم يعتمد على اللامركزية، ومَنح هذه المجالس قدر كبير من الاستقلالية، وهذا يعنى أنه بمجرد انتخاب المجالس المحلية ستعد بمثابة برلمان في محيط نشاطها.

حيث نصت المادة 180 من دستور 2014 على أن كل وحدة محلية تنتخب مجلسًا محليًا بالاقتراع السري المباشر لمدة أربع سنوات، ويجب ألا يقل سن المرشح عن 21 عامًا، ويخصص ربع المقاعد للشباب دون سن 35 سنة، وربعها للمرأة، على ألا تقل نسبة تمثيل العمال والفلاحين عن خمسين بالمائة من إجمالي عدد المقاعد، وأن تتضمن تلك النسبة تمثيلًا مناسبًا للمسيحيين وذوي الهمم، على أن ينظم القانون شروط الترشح الأخرى وإجراءات الانتخاب.

ويُذكر أن آخر انتخابات للمحليات كانت في عام 2008، وتم حلها بعد أحداث يناير في يونيو 2011 بحكم من القضاء الإداري استنادًا إلى حل مجلسي الشعب والشورى وتعطيل الدستور آنذاك.

وبعد دستور 2014 عملت الدولة المصرية على استكمال مؤسساتها، فتمت انتخابات مجلس النواب وتكونت السلطة التشريعية في عام 2015، ثم تم إقرار قانون مجلس الشيوخ واكتملت السلطة التشريعية بغرفتيها النواب والشيوخ في 2020. وبهذا استكملت الدولة المصرية كافة مؤسساتها باستثناء المجالس المحلية التي تمت إحالة مشروع قانون قدمته الحكومة المصرية لتنظيم أداء وانتخاب المجالس المحلية في مصر إلى البرلمان في نوفمبر 2016، ومنذ ذلك الوقت لم يتبقى من الهيكل الإداري للدولة سوى تشكيل المجالس المحلية المكونة من 57,500 عضو محلى تقريبًا على مستوى الجمهورية. 

أهمية المجالس المحلية

تنبع أهمية المجالس المحلية من أهمية الدور الجديد المنوط بها، فوفقًا للمادة 180 من دستور 2014 تختص المجالس المحلية بمتابعة تنفيذ خطط التنمية، ومراقبة أوجه النشاط المختلفة، وممارسة أدوات الرقابة على الأجهزة التنفيذية من اقتراحات وتوجيه أسئلة وطلبات إحاطة واستجوابات وغيرها، وكذلك فى سحب الثقة من رؤساء الوحدات المحلية على النحو الذي ينظمه القانون. ويحدد القانون اختصاصات المجالس المحلية الأخرى ومواردها المالية وضمانات أعضائها واستقلالها.

كما تنبع أهمية المجالس المحلية في تحمل الأعباء من على الجهاز الإداري للدولة والتي تحملتها الدولة المصرية طيلة فترة غيابها؛ حيث أن طوال هذه المدة كانت الدولة المصرية تعمل بشكل مركزي في اتخاذ القرارات والتخطيط للمشروعات، باعتماد الدولة على تكوين لجان تشاورية وفرق عمل من المواطنين، للمساعدة في اقتراح المشروعات والمتطلبات التي تحتاجها المراكز والوحدات المحلية، ليتم تصعيدها لصانعي السياسات بشكل مركزي لاختيار الأولويات ووضع التكلفة المالية، لذا فعند تشكيل المجالس المحلية فإنها ستقوم بإقرار السياسات العامة بوضع ومتابعة تنفيذ خطط التنمية، ومراقبة الأنشطة المختلفة وإقرار موازنات المحليات، بالإضافة إلى الدور الرقابي للمجالس الشعبية المحلية على الأجهزة التنفيذية بمختلف مستوياتها.

الدولة المصرية تمهد الطريق أمام المحليات

خلال فترة تأخر إصدار قانون المجالس المحلية عملت الدولة المصرية على:

  • إجراء تعديلات عديدة على مشروع قانون الإدارة المحلية؛ حيث تم مراجعته أكثر من مرة بسبب استحداث بعض المواد، والتي من بينها وجود نائب محافظ بصلاحيات واختصاصات، بالإضافة إلى أن دور اللامركزية كان محدودًا جدًا في القانون وبما أن الدولة تعمل على تفعيل اللامركزية فكان لابد من توضيحها أكثر بما يتسق مع نص الدستور، إذ نصت المادة 182 على “أن كل مجلس محلي يضع ميزانيته ويعد حسابه الختامي”.
  • ميكنة الإدارة المحلية وإدخال التحول الرقمي في محافظات ومراكز مصر، من المتوقع أن يصل التحول الرقمي لكل ربوع المنظومة المحلية في عام 2023، لمواجهة مخالفات المحليات مما يقلل من تدخل العنصر البشري في الخدمات المقدمة للمواطنين، من خلال معايير وآليات تضمن توفير أكبر قدر من النزاهة والشفافية والحيادية، مما يُغلق بشكل عام أوجه استغلال المواطنين عن طريق الرشاوى، أو الفساد في تقديم الخدمات والمرافق، وفيما يتعلق بالاختلاس والإضرار بالمال العام تقوم الدولة بحملات التفتيش والرقابة المستمرة على المخالفين، بالإضافة إلى رفع كفاءة موظفين المجالس المحلية التنفيذية.
  • تدريب الشباب على الدور الذي تقوم به المجالس المحلية، وذلك من خلال “المشروع القومي لتأهيل الشباب للمحليات والمشاركة السياسية” الذي يقام تحت رعاية وزارات الشباب والرياضة والتنمية المحلية والتعليم العالي والمعهد القومي للحوكمة والتنمية المستدامة ومبادرة شباب مصر ٢٠٣٠، وبالشراكة مع الأكاديمية الوطنية لمكافحة الفساد، وأكاديمية ناصر العسكرية، ويهدف المشروع إلى التدريب على الإدارة المحلية ومشاركة الشباب في المجالس المحلية، والنزاهة والشفافية ومكافحة الفساد وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، من خلال المجالس المحلية والاستراتيجيات والأمن القومي والتثقيف السياسي.
  • إطلاق برنامج “اللامركزية والحوكمة”، والذي يهدف إلى الانتهاء من إصدار القانون الجديد للإدارة المحلية، وأن تكون المحافظة هي المسؤولة عن التخطيط على مستوى المحافظة والمركز والقرية، وأن يكون للمحافظة موازنة للموارد المحلية لتنفيذ برامج متكاملة للحوكمة، للقضاء على الفساد وبرامج تدريبية للتحول للامركزية.
  • إطلاق برنامج “الإسراع بالتنمية”، والذي يهدف إلى رفع معدلات النمو الاقتصادي وترسيخ العدالة الاجتماعية وتمكين كل فئات المجتمع خاصة الفقراء والشباب والمرأة، وتحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة وعدالة في توزيع عائدات التنمية والارتقاء بمستوى الدخل للمواطنين وتحسين معيشتهم، من خلال إحداث تغييرًا جوهريًا في بوصلة المجتمع لوضع خريطة طريق للإسراع بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية على مستوى كل قرية ومدينة ومحافظة.
  • ملاحقة الفساد المالي والإداري، حيث قام قطاع التفتيش والمتابعة بوزارة التنمية المحلية خلال العام المالي 2020 / 2021، بشن 242 جولة تفتيشية مفاجئة على حوالي 159 حي ومدينة في 23 محافظة، و286 جولة تفتيشية مخططة في 18 محافظة، كما إنه بناءً على تقارير القطاع تم إحالة 572 موظفًا بالوحدات المحلية بالمحافظات للنيابة الادارية والعامة، وتم التوجيه بنقل واستبعاد وإيقاف عن العمل لعدد من القيادات المحلية من المناصب التنفيذية.

وفي سياق متصل، من المفترض أن تكون الأحزاب السياسية قد اتخذت إجراءات خلال هذه الفترة المطولة من الوقت، في تكوين قاعدة جماهيرية والتواجد القوي في الشارع، وملامسة هموم المواطن ومشاكله من ناحية، ومن ناحية أخرى تكون عملت خلال الفترة الماضية على إعداد كوادر مؤهلة ومثقفة سياسيًا قادرة على المنافسة وخوض انتخابات المجالس المحلية.

وختامًا؛ فإن الظروف والأجواء حاليًا مجهزة ومهيأة لإجراء انتخابات المجالس المحلية، وأنه قد حان الوقت لإقرار مجلس النواب لقانون المجالس المحلية كونها الأقرب للمواطن والأكثر قدرة على فهم أفكاره واحتياجاته ومشاكله وفقًا لبيئته المحلية، ولما لها من دور هام في صناعة السياسات على المستوى المحلي والتدخل الفوري وسهولة التواصل والتوفيق بين المواطنين والوحدة المحلية، وإحداث تغييرات حقيقية وفاعلة في منظومة الإدارة والحكم المحلي بمصر. كما أن تطبيق الأدوات الرقابية التي أقرها الدستور والتي من المتوقع أن يوسعها القانون حال إقراره، من تشكيل لجان تقصي حقائق وطلبات إحاطة وتوجيه الأسئلة للأجهزة التنفيذية وتقييم وتقويم أدائها، ستؤدي إلى إصلاح منظومة المحليات وتحسين جودة حياة المواطن.وأخيرًا؛ لم يعد هناك أي مبرر للسلطة التشريعية في مزيد من التأخير عن إصدار قانون الإدارة المحلية الذي أجل مجلس النواب السابق إقراره مرات عديدة. وبعد انتهاء الفصل التشريعي الأول لمجلس النواب الحالي وبدء الفصل التشريعي الثاني، لا تزال التوقعات قائمة بشأن الإسراع في إصدار القانون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى