أفريقيامكافحة الإرهاب

علاقة ارتباطية.. التدخلات الخارجية والظاهرة الإرهابية في أفريقيا

ركزت معظم الكتابات الأكاديمية والبحثية في مناقشتها لتنامي النشاط الإرهابي في القارة الأفريقية على “السياقات الداخلية المحفزة” للظاهرة الإرهابية في أفريقيا، وهي وإن كانت محددات رئيسة مهمة حاكمة لتنامي النشاط الإرهابي في أفريقيا، إلا أن هناك محددات واعتبارات أخرى مصاحبة للظاهرة، وهي المحددات التي ترتبط من جانب بتنامي التنافس الدولي والإقليمي على القارة السمراء، ومن جانب آخر بالبعد العولمي للظاهرة الإرهابية، وهو الأمر الذي تصاعدت معه الحاجة إلى فتح نقاش حول العلاقة بين التدخلات الدولية في القارة الأفريقية وتنامي النشاط الإرهابي في القارة.

أولًا- سعي التنظيمات الإرهابية لاستهداف الوجود الدولي في أفريقيا

لا يمكن فهم توجه تيارات الإرهاب المعولم نحو القارة الأفريقية وتنامي أنشطتها الإرهابية في القارة السمراء بمعزل عن صراع هذه التيارات مع القوى الدولية والإقليمية، انطلاقًا من إدراك تيارات التطرف العنيف لأهمية القارة الأفريقية في استراتيجيات هذه القوى، وبالتالي ارتبط توجه التيارات الإرهابية نحو القارة الأفريقية بالسعي إلى جعل هذه المنطقة ساحة مواجهة رئيسة مع القوى الدولية والإقليمية، ومنطلقًا لاستهداف مصالحها.

وكان تنظيم القاعدة قد توجه إلى القارة الأفريقية مبكرًا، بل إن القارة الأفريقية كانت شاهدة على تحول “أسامة بن لادن” وأعوانه من تبني “التطرف” إلى “التطرف العنيف” أو الإرهاب، وذلك أثناء التدخل الأمريكي – الدولي في الصومال في الفترة من 1992 – 1994، إذ أقام “بن لادن” ومعاونوه في تلك الفترة في السودان، وشاركوا في إنشاء العديد من معسكرات التدريب، وقام هو وأعوانه بتدريب عشرات المقاتلين الصوماليين.

وبدأت القاعدة في التوجه نحو توسيع مساحة النشاط الإرهابي في أفريقيا، وجعلها أحد ساحات المواجهة الرئيسية مع الولايات المتحدة، في إطار مقاربة القاعدة لمواجهة أمريكا، والتي قامت على فتح حرب كونية واسعة مع الولايات المتحدة تمتد عبر ساحات وجبهات متنوعة، في إطار ما يمكن وصفه بـ “أقلمة الصراع” القاعدي – الأمريكي.

فقام التنظيم بإنشاء العديد من التنظيمات الأصولية المسلحة تحت إشراف “على أمين الرشيدي” الذي كان معروفًا بلقب “أبو عبيدة البنشيري”، وهو أحد قادة القاعدة وكان مسؤولًا عن معسكرات التدريب في أفغانستان، و”محمد عاطف” الذي قيل إنه تولى مهمة التخطيط والتنفيذ فيما يتعلق بعملية تفجير سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام في عام 1998، فضلًا عن احتواء التنظيم للعديد من الجماعات والتنظيمات المسلحة التي كانت موجودة بالفعل، وتوجيه جهودها باتجاه مواجهة “العدو البعيد” أي القوى الغربية الموجودة في أفريقيا والتي يصفها التنظيم بـ”الصليبية” أو “الاستعمارية”.

ومؤخرًا، بدأ تنظيم داعش الإرهابي في التوجه نحو القارة الأفريقية، خصوصًا منذ انهيار ما يعرف بـ”استراتيجية التمكين “التي تبناها تنظيم داعش، وهي الاستراتيجية التي سقطت بسقوط “الخلافة الداعشية” في الموصل في سبتمبر 2017، والباغوز في مارس 2019، مستغلًا في ذلك كون أفريقيا بيئة خصبة لممارسة النشاط الإرهابي، وسعيًا منه إلى “الانتقام” من القوى الدولية التي يرى أنها السبب الرئيس لانهيار خلافته المزعومة. وبالتالي فإن توجه داعش نحو القارة الأفريقية لا يرتبط فقط بـ”استراتيجية التمكين” التي تعد المحدد الأهم الحاكم لتحركاته، وإنما يرتبط هذا التوجه كذلك باستهداف مصالح وحضور القوى الدولية المختلفة الموجودة في القارة.

ثانيًا- تداعيات سياسية سلبية توفر بيئة خصبة للنشاط الإرهابي

أشارت بعض الدراسات الأكاديمية إلى أن هناك نمط حكم جديد آخذ في الانتشار في أفريقيا منذ نهاية القرن الماضي، وهو النظام الذي وصفته بعض الدراسات بـ”الأفروقراطية الجديدة”، وهو نظام يحافظ على الحكم الفردي الشمولي، مع إتاحة بعض ملامح الديمقراطية الليبرالية. وتشير كافة المعطيات المرتبطة بالتعاطي الدولي مع قضايا القارة الأفريقية، إلى أن هذه القوى الدولية تتغاضى عن أي تجاوزات قد تقوم بها مثل هذه النظم، طالما حافظت على مصالحها الاستراتيجية في القارة.

كذلك، يجد المتابع لانخراط القوى الدولية في القضايا والأزمات المرتبطة بالقارة الأفريقية أن هذه القوى تركز في تعاطيها على أطر ومناطق جغرافية بعينها، وتدعم بعض القادة الموالين لها والضامنين لمصالحها، وهي أمور تزيد من حالة الاستقطاب السياسي في هذه الدول، وتأتي على حساب دعم منظومة الحكم الرشيد، وتفاقم الأزمات سواءً السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو حتي الأمنية، وهي التداعيات التي توفر البيئة الأمثل بالنسبة للتيارات الإرهابية للحضور والنشاط، ولاستقطاب عناصر جديدة.

جدير بالذكر أن فرنسا، ومع إعلان المجلس العسكري في تشاد عن حزمة من القرارات والتوجهات التي كان على رأسها قرار تشكيل حكومة جديدة لإدارة المرحلة الانتقالية، يوم 2 مايو الماضي، أعلنت تأييدها لقرارات وسياسات المجلس العسكري في تشاد، وهو الموقف الذي رفضته المعارضة التشادية والاتجاهات النقابية في البلاد في ذلك الوقت؛ إذ اعتبرت هذه الاتجاهات أن الموقف الفرنسي “غامض وهش”، ويتنافى مع تطلعات الشباب الأفريقي الرافض للممارسات السلطوية، وذكّروا ماكرون بخطابه للشباب الأفريقي في نوفمبر 2017 في واغادوغو عندما وعدهم بعلاقة جيدة لفرنسا بمستعمراتها السابقة بعيدًا عن العلاقة ذات الطابع الاستعماري والأبوي، وبعيدًا عن التواطؤ مع الأنظمة القائمة، وبالتالي رأت المعارضة التشادية هذا الموقف الفرنسي “عكس التيار”، ويؤكد الصورة السيئة عن فرنسا.

ثالثًا- زيادة فرص استقطاب عناصر جديدة

أحد التحديات الرئيسة التي تواجه الحضور الغربي والدولي بشكل عام في القارة الأفريقية هو وجود قناعة لدى قطاعات مجتمعية أفريقية واسعة بأن سياسات التدخل الدولي في أفريقيا هي شكل جديد من أشكال الاستعمار. وكان المثال الأوضح على ذلك، هو تصاعد الرفض الشعبي للوجود الفرنسي في منطقة الساحل. 

هذا بجانب أن الحضور القوي للجنود الفرنسيين في عواصم المنطقة أعاد الأذهان إلى حقبة الاستعمار الفرنسي قبل ستينيات القرن الماضي. ومن هنا تولّد نوع من النقمة الشعبية للوجود الفرنسي في منطقة الساحل، وهي حالة الغضب التي تخلق عناصر “قابلة للاستقطاب”، هذا فضلًا عن فشل المقاربات الدولية إزاء أفريقيا في تحقيق الأهداف المعلنة والمرجوة منها، سواءً على المستوى التنموي والأمني والسياسي، بل واعتقاد قطاعات أفريقية بأن هذه السياسات والتدخلات ساهمت في تأزيم الأوضاع.

في المقابل، تسعى التيارات الإرهابية إلى استغلال حالة السخط الشعبي على التدخلات الدولية من أجل طرح نفسها كبديل أمام هذه القطاعات المجتمعية، إذ تحاول تيارات الإرهاب المعولم الترويج لفكرة أن تحركاتها تستهدف تحرير هذه الشعوب من الهيمنة الغربية أو “الاستعمار الجديد” أو “المد الصليبي” على حد تعبير هذه التيارات، أو من النظم السياسية الموالية لهذه القوى.

رابعًا- دعم وتوظيف قوى دولية للتيارات الإرهابية

شهدت السنوات الأخيرة تزايد اعتماد بعض القوى الدولية والإقليمية على إقامة علاقات مع التيارات الإرهابية بما يخدم على مساعي الهيمنة وتحقيق النفوذ. في هذا السياق قامت بعض القوى بتقديم الدعم المالي واللوجيستي للجماعات الإرهابية في أفريقيا؛ بهدف خلق حالة من الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة تهيئ لها بسط نفوذها في القارة بذريعة مكافحة الإرهاب، أو حتى لضرب مصالح قوى أخرى.

ومن بين هذه الدول تركيا، إذ يُوجه لها العديد من الاتهامات بتورطها في رعاية تنظيمات إرهابية في منطقة الساحل وغرب أفريقيا. على سبيل المثال وليس الحصر، كشفت بعض التقارير الاستخباراتية أن أنقرة أرسلت نحو 900 عنصرًا للانضمام إلى تنظيم داعش في شمال غرب مالي بهدف تعزيز صفوفه بقيادة عبد الحكيم الصحراعلاقة ارتباطية.. التدخلات الخارجية والظاهرة الإرهابية في أفريقياوي الذي قُتل على يد قوة برخان الفرنسية خلال العام الجاري.

وختامًا، يمكن القول إن التدخلات الدولية وما صاحبها من نقل الحرب الكونية على الإرهاب إلى القارة الأفريقية فضلًا عما ترتب عليها من تفاقم لأزمات القارة السمراء قد أدت في مجملها إلى توجه تيارات الإرهاب المعولم إلى القارة الأفريقية، وخلق بيئة محفزة لنشاط هذه التنظيمات، خصوصًا مع استهداف هذه التنظيمات تحقيق ما يمكن وصفه بـ”الأثر الانتشاري”، بما تمثله من نموذج أيديولوجي وحركي قد يكون ملهمًا للعديد من الجماعات المسلحة المحلية، ويدفعها إلى الانخراط في إطار “الإرهاب المعولم”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى