مصر

تقييم تطوير التعليم في مصر بين الانتقادات والمكتسبات

بالعلم تتقدم الأمم، وهو ما يجعل تطوير التعليم قضية مُلحة في سبيل التنمية المستدامة، فعملية التطوير والتنمية ترتبط بشكل مباشر بالعنصر البشري، ولأن أوضاع التعليم شهدت تراجع كبير خلال العقود الأخيرة؛ فهذا يتطلب تغيير وإصلاح جذري للعملية التعليمية ككل، للوصول إلى معايير تعليمية تكافئ وتنافس معايير التعليم العالمي. والأمر ليس سهل على الاطلاق فمواطن القصور المتراكمة التي أصابت التعليم قبل الجامعي كانت كبيرة للغاية، وعلى الجانب الآخر يتغير التطور العلمي والتكنولوجي واحتياجات سوق العمل بشكل يومي، هذا في حين أن نظام التعليم قبل الجامعي في مصر أحد أكبر نظم التعليم في العالم فوفقا لإحصاءات عام 2019/2020، بلغ عدد الطلاب المقيدين في هذه المنظومة نحو 23.6 مليون طالب (أي ما يقرب من ربع سكان مصر .

تقييم المنظومة

لا أحد يختلف على أن منظومة التعليم في مصر عانت لعقود من انعدام التطوير، وهو ما أدى إلى حصول مصر في مؤشر جودة التعليم الأساسي بمؤشر التنافسية العالمي 2012/2013 على الترتيب 137 بين 144 دولة، وتراجعت قيمة المؤشر لتصل إلى المرتبة 148 والأخيرة بين الدول عام 2013/2014، وكانت محل سخرية من قبل الكثيرين على مواقع التواصل الاجتماعي بدعوى إن مصر كانت قبلة طلاب العلم في بعض سنوات عمرها لكنها أصبحت في المرتبة الأخيرة.

ومن هذه النقطة كان للقيادة والحكومة المصرية وقفة بضرورة تطوير التعليم، ليس فقط لاستعادة مكانة مصر العلمية بين الدول، لكن انتصارًا لمعركة الوعي وحروب الجيل الرابع التي تخوضها الدولة منذ سنوات، فقد كان الهدف قديمًا هو القضاء على الأمية الهجائية، لكن أفرزت التغيرات الحالية أنواع أخرى من الأمية تحتاج إلى علاج كالأمية التكنولوجية، والثقافية، وانعدام الوعي أو نقصه.

وقد اتخذت الدولة عدة خطى سنتناولها فيما بعد للتخلص من الأمية الهجائية كأحد محاور التطوير العلمي بالدولة. أما الأمية التكنولوجية، فالتكنولوجيا المحيطة دفعتنا لممارسة ولو جزء بسيط من التكنولوجيا كلًا وفق علمه واحتياجه، فأصبحنا نرى الأمي يستخدم الهواتف الذكية بكل سهولة دون مساعدة من الغير، لكن طريقة وأخلاقيات الاستخدام محكومة في المقام الأول بالأمية الثقافية والمجتمعية، أو بمعنى آخر بالوعي المجتمعي، والتي تحتاج في المقام الأول وعي كل مواطن بحقوقه وواجبته وعقبات كل فعل من أفعاله.

ولتطوير التعليم بمصر، تم وضع ثلاث أهداف رئيسية وفقًا لرؤية مصر 2030 وهي، تحسين جودة النظام التعليمي بما يتوافق مع النظم العالمية، إتاحة التعليم للجميع دون تمييز، وتحسين تنافسية نظم ومخرجات التعليم. وتضمنت عملية التطوير؛ تطوير المناهج وتوفير البنية التحتية وتطوير منظومة التقييم والتركيز على التقويم الشامل (معرفيًا – مهاريًا – وجدانيًا).

حددت الرؤية عدد من التحديات الأساسية التي تواجه التعليم الأساسي، وكان من أهم هذه التحديات: انخفاض أعداد المعلمين نسبة إلى الطلاب وعدم وضوح معايير توزيعهم، تدهور الثقة بين المجتمع والمنظومة التعليمية، الأمية الرقمية لمعظم المعلمين، ضعف نظم التدريب والتقويم والحوافز، وكذلك ضعف المناهج التعليمية وتأخر تحديثها، وضعف الكفاءة المهنية لبعض المعلمين، والاحتياج لتغيير جذري في عملية تخريج وإعداد المعلمين، بالإضافة إلى ضعف الجدوى الاقتصادية والتربوية من الحصول على الاعتماد. وتدهور البنية التحتية لمعظم المدارس.

وفي هذا الصدد، تم وضع عدد من برامج تطوير التعليم العام الأساسي وفق الرؤية المصرية 2030، منها تبنّي استراتيجية للاستثمار في التعليم، وتنمية الكفاءة المهنية للمعلمين من خلال برنامج تدريبي ينتهي في 2025، وتطبيق نظام الإصلاح الشامل للمناهج التعليمية، ووضع نظام دعم للأهالي غير القادرين، وتطوير منظومة رياض الأطفال، وتنفيذ برامج دمج لذوي الإعاقة البسيطة في المدارس، وبرنامج دعم المتفوقين والموهوبين، وزيادة تطوير منظومة تأهيل المدارس للاعتماد.

وبدأ برنامج التطوير منذ عام 2018/2019، في محاولة لإيجاد حلول للعديد من المشكلات المتراكمة مثل الكثافات، والأبنية التعليمية، وأحوال المعلمين، والانتقال من ثقافة التعليم من أجل الامتحان إلى ثقافة التعلم واكتساب المهارات الحياتية وبناء الشخصية، والتحول من التعليم والتلقين، إلى التعلم والابتكار. واستخدام تقنيات تكنولوجية (التابلت) بين طلاب الثانوية العامة، ودعم البنية التحتية للمدارس، وتدريب المعلمين تقنيًا ومهنيًا، وتغيير مناهج الأطفال بالسنوات الأولى من المرحلة الابتدائية، وتعزيز دمج ذوي الإعاقة البسيطة بالمدارس. ليتم تغيير 50% من النظام التعليمي عام 2021 وهو العام نفسه الذي تنتهي فيه الثانوية العامة بشكلها التقليدي.

ضجيج السوشيال ميديا حول تطوير التعليم

أي عملية تغيير وتطوير دائمًا ما تشهد حالة من المقاومة. وفي حقيقة الأمر، على قدر التغيير كانت المقاومة واللغط. وساهم في تضخيم الأزمة حجم الانتشار على مواقع التواصل الاجتماعي، ومالها من ضجيج مجتمعي. وأصبح كل مستخدم للإنترنت حاكم وقاضي على صحة خطوات التطوير. وبقدر ما كانت التكنولوجيا وسيلة في تطوير التعليم كانت معول تعمل على هدمه، لكن في حقيقة الأمر كشفت وسائل التواصل الاجتماعي عن مدى التناقض الذي يعيشه رواده.

ففي الفترة الأخيرة، كان «منهج رابعة ابتدائي» الجملة “التريند” بلغة مواقع التواصل الاجتماعي، كإعلان عن رفض تطوير التعليم وبخاصة مناهج العلوم والرياضيات، وتعالت الأصوات والفيديوهات والنداءات من “جروبات الماميز”، وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي لوقف هذه المناهج والعودة للمناهج القديمة. والاستمرار على أساليب التعليم القديمة التي تعتمد على الحفظ والتلقين. في حين أن الصفحات والمواقع نفسها كانت “تترحم” على “تعليم زمان” وجودته والذي أخرج لنا علماء وأدباء كنجيب محفوظ، وأحمد زويل ومجدي يعقوب. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل وصل إلى تحرك برلماني بطلب إحاطة جديد من النائب أحمد حتة عضو لجنة الاتصالات بمجلس النواب، موجه إلى رئيس الوزراء ووزير التربية والتعليم يطالب فيه بتغيير مناهج الصف الرابع الابتدائي قبل إجراء الامتحانات.

كما كشفت جائحة كورونا أيضًا عن بعض من هذا التناقض، ففي البداية مع انتظام العملية التعليمية قبل تزايد أعداد الإصابات، انطلقت الدعوات المطالبة بغلق المدارس خوفًا على الأطفال من العدوى واتهامات بأن الوزارة لا تهتم بسلامة الطلاب في سبيل صورتها وإثبات أنها قادرة على استمرار العملية التعليمية، وبعد غلق المدارس والاعتماد على وسيلة التعليم عن بُعد والأبحاث كوسيلة للتقييم، أطلقت الاتهامات  لصعوبة وغرابة التعليم عن بُعد ومستقبل الأطفال، وأن الأولاد لن تحصل على ما تستحقه من تعليم، وعلى الرغم من الاتهامات التي وجهت إلى الوازرة،  أرسل فيه أولياء الأمور أبنائهم لمراكز الدروس الخصوصية “السناتر” دون الاعتبار لمخاوف انتشار فيروس كورونا،  والذي يبدو إنه لا يدخل المراكز التعليمية الخاصة!! ناهيك عن إشاعات وجود إصابات بفيروس كورونا بين الطلاب.

وأخيرًا وليس آخرًا أزمة كل عام، فمع تطبيق منظومة “التابلت” انطلقت ألسن التنظير حول أسباب اختيار فئة الثانوية العامة، وعدم إمكانية تطبيق التعليم التكنولوجي بمصر، وما هو إلا إضافة عبء على المواطنين، وعدم وجود تغطية شبكات اتصالات بكافة الدولة. وسارع أولياء الأمور في أخذ نصيب وافر من انتقاد المنظومة، وكان من أبرز التعليقات الاعتراض على دفع رسوم تأمين التابلت قيمتها 100 جنيه، والاعتراض على الغرامة المحددة بـ 4500 جنيه، على ولي أمر طالب الصف الأول الثانوي حال إتلاف جهاز “التابلت” الخاص به أو فقدانه، وأن الأولاد ستستخدم التابلت للتسلية وليس للتعليم. وأن جعل التقييم مقسم خلال الثلاث سنوات هو مضاعفة لعبء الدروس الخصوصية على المواطنين، والذي هو محل انتقاد للحكومة بعدم قدرتها على القضاء على مافيا الدروس الخصوصية.

ومع انطلاق أول امتحانات “تجريبية” من خلال التابلت كانت المأساة؛ إذ أسفرت بعض المشاكل التقنية عن حدوث بعض الاحتجاجات أمام دواوين التعليم بعدد من المحافظات. هذا إلى جانب الاعتراض على صعوبة الامتحان ووصفه بأنه تعجيزي ومحتاج فهم، وأن الطلاب غير مدربين على مثل هذه النوعية من الأسئلة؛ وذلك لاعتيادهم على الحفظ والتلقين بمراكز الدروس الخصوصية، والتي كانت تدفع في بعض الأحيان لبث روح الاحتجاج والإضراب بين الطلبة وأولياء الأمور لتثبيط عملية التغيير، ووصل الأمر إلى سرقة 4 طلاب لـ 8 وحدات من الأكسس بوينت الخاصة بتقوية الواي فاي في أحد المحافظات، اعتراضًا على امتحان التابلت.

ولم يقف الأمر عند حدود السرقة، فأصبح شيء معتاد أثناء فترة امتحانات الثانوية العامة الإعلان عن حالات انتحار لطلبة في أعقاب الامتحانات أو إعلان النتيجة، نتيجة التعثر بأحد الامتحانات أو عدم الحصول على المجموع المأمول وكأن نتيجة الثانوية العامة هي نهاية العالم. وساهم في هذه الصورة التي رسمتها الأهالي والاجيال المتعاقبة عن “بُعبع” الثانوية العامة، وأن هذه النتيجة هي محدد مصير الطالب للأبد، وأي عثرة في هذا التوقيت بالذات معناه نهاية الحياة لأنها “بلا مستقبل” خاصة لو كانت بعيدة عن كليات القمة والسبيل للنجاة من هذا المأزق هو الدروس الخصوصية.

أيهما على صواب؟

أبرز المؤشرات الفرعية لمحور التعليم بتقرير التنمية البشرية 2020

مخرجات التعليم ما قبل الجامعي هي في حد ذاتها مدخلات التعليم الجامعي وسوق العمل- والذي يتميز بالتغير المتسارع محليًا وعالميًا-، والمستهدف من هذا المخرج في النهاية هو أن يتعادل في جودته مع المخرجات التعليمية العالمية، ويكون له نفس الفرصة التنافسية مع أقرانه في سوق العمل على المستويين المحلي والدولي. وهذا الأمر يدعونا لسؤال هل أوضاع التعليم بمصر بعيدة كل البعد عن المقارنة مع دول العالم وخاصة مثيلاتها في نفس الظروف الاقتصادية والاجتماعية؟ وما هي الخطوات التي اتخذتها الحكومة المصرية لتقليل الفجوة؟

بداية من نسب الالتحاق بالتعليم ما قبل الابتدائي (الحضانة)، فالنسبة بمصر عام 2014 تصل إلى 27% وهي نسبة منخفضة مقارنة بالمتوسط العام للدول متوسطة التنمية والذي يقدر بـ 51% وأيضًا مقارنة بالمتوسط العالمي الذي يصل إلى 52%؛ وهو ما قد يسفر عن تفاوت مستويات الاستيعاب لدى الأطفال، في بداية المرحلة الابتدائية، ومع ازدياد كثافة الفصول لا يستطيع المعلم الموازنة بينهم ومراعاة الفروق الفردية بينهم، مما قد يؤدي لضياع حقوق التلاميذ وقد يدفعهم الفشل في بداية المرحلة إلى التسرب من التعليم.

وفي هذا الصدد، اتخذت الدولة عدة خطوات لزيادة أعداد الفصول الخاصة بالتعليم ما قبل الابتدائي، فوفقًا للكتاب الاحصائي السنوي زادت أعداد الفصول من 24.237 ألف فصل عام 2009/2010 إلى 40.046 ألف فصل عام 2018/2019. هذا وتقدر معدلات التسرب من المرحلة الابتدائية من 1.1 % وفقًا لتقرير التنمية البشرية 2014 إلى 0.3% عام 2017/2018- 2018/2019. فيما قدرت نسب التسرب للمرحلة الاعدادية في العام ذاته إلى 2.7%، وعادة ما تزيد نسب التسرب بالذكور عنها بالإناث، وخاصة بالأسر الفقيرة والتي يلجأ أطفالها إلى الأعمال الهامشية لتوفير مصدر رزق للأسرة، أو لتوفير نفقات التعليم والتي تعتبر غير ضرورية مقارنة بالحاجة إلى الغذاء والسكن خاصة بحالات الفقر المدقع، وفي الأماكن النائية.

وهو ما انعكس بشكل مباشر على تقديرات حصة التعليم من أبعاد الحرمان من الفقر العام بتقارير التنمية البشرية، فكان للفقر تأثير على التعليم بنسبة 41.8% عام 2014، فيما كانت النسبة 53.2% بتقرير التنمية البشرية عام 2020.

ولحل أزمة تزايد التسرب من التعليم، لجأت الدولة إلى زيادة أعداد مدارس المجتمع – هو نظام دراسي يتكون من فصل واحد حكومي يتم إنشاؤها في البيئات النائية والمحرومة للفتيات والأطفال في سن (6-14) الذين لم يلتحقوا بالتعليم الأساسي أو الذين تسربوا منه، ومنها المدارس “صديقة الفتيات” والتي تم إنشائها في إطار بروتوكول تعاون بين وزارة التربية والتعليم والمجلس القومي للأمومة والطفولة بهدف مساعدة الفتيات المتسربات على استكمال تعليمهن داخل قراهن- ويقدر عددها 4995 مدرسة عام 2019/2020 ويدرس فيها 133.7 ألف طالب 68.2% منهم من الإناث.

كما إنها فرصة لتقليل الفجوة التعليمية بين الذكور والإناث، فتقدر نسبة عدم المساواة في التعليم – وتعني عدم المساواة في توزيع سنوات الدراسة بالاستناد إلى البيانات المستمدّة من مسوح الأسر المعيشية المقدّرة باستخدام دليل أتكينسون لعدم المساواة- بـ 38.1% بتقرير التنمية البشرية 2020، بزيادة 16% عن المتوسط العالمي. فيما كانت تقدر النسبة بـ 40.9% بتقرير عام 2014. وهو ما ينعكس بدوره على استكمال الفتيات لتعليمهن، وقد حققت مصر نتائج جيدة في هذا الصدد، فقد ارتفعت نسبة الإناث المتعلمات (تعليم ثانوي على الأقل) إلى 73.5% عام 2020 لترتفع حوالي 30% عن النسبة نفسها عام 2014.

ومن المستهدف خلال المرحلة الأولى من مشروع تنمية الريف المصري “حياة كريمة” إنشاء أكثر من 14 ألف فصل جديد، بالإضافة إلى صيانة ورفع كفاءة 25% من المدارس القائمة بواقع أكثر من 1250 مبنى مدرسيا قائمًا، وذلك لإتاحة التعليم الأساسي، والعمل على حل مشكلات زيادة معدلات الكثافات داخل الفصول وتعدد الفترات الدراسية، إلى جانب العمل على خدمة المناطق المحرومة من الخدمات التعليمية، ولتشجيع الطلاب على التعلم بالمدارس المجتمعية يقوم برنامج الغذاء العالمي بتوفير مواد غذائية لجميع طلاب المدارس ولكن بشرط الا تقل نسبة الحضور بالمدرسة عن 80% خلال الشهر وذلك تحت شعار “التعليم مقابل الغذاء”. هذا إلى جانب زيادة نسبة استيعاب رياض الأطفال، من خلال إقامة المزيد من الحضانات وتوفيرها للأطفال الاقل من أربع أو خمس سنوات بالريف المصري، وما له من دور في التمكين الاقتصادي للمرأة وتقليل معدلات أمية وتسرب الأطفال من التعليم.

وعلى ذكر كثافة الفصول، فمن الملاحظ تزايد كثافة الفصول بدلًا من تقليلها، ويرجع ذلك إلى الزيادة السكانية المضطردة خاصة بالمناطق العشوائية التي لا تستوعب بناء المزيد من المدارس لتتلاءم مع زيادة الأعداد، وبالتالي تكون النتيجة تزايد معدل أعداد الطلاب لكل معلم، هذا إلى جانب تزايد الضغط على المدارس الحكومية لارتفاع تكلفة الخدمات التعليمية بالقطاع الخاص، فقوة المدارس الخاصة بمصر تقدر بـ 15.8% من إجمالي المدارس المصرية (57749 مدرسة).

وكان المتوسط العام للدولة وفقًا لتقرير التنمية البشرية 2014 يقدر بـ 28 طالب/معلم، وقلت وفقًا لتقرير 2020 حتى 24 طالب/معلم، وبذلك تزيد عن متوسط الدول مرتفعة التنمية والذي يقدر بـ 19 طالب/ معلم. وقد أعلنت الحكومة المصرية -ممثلة في وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية- في أبريل 2020 خطة لإنشاء نحو 27 ألف فصل دراسي جديد بتكلفة تزيد على 8.6 مليار جنيه بهدف خفض كثافة الفصول. فتزايد الكثافة بالفصول هو أحد مؤشرات انخفاض جودة التعليم خاصة بالمراحل العمرية الأولى والتي تحتاج إلى رعاية ومتابعة شبه فردية لضمان عدم تباين المستويات التعليمية داخل الفصل الواحد.

وسبيل آخر لعدم تباين المستويات التعليمية ليس داخل نطاق الفصل أو الدولة ولكن بين الدول بعضها وبعض، هو تطوير المناهج التعليمية لتتواكب مع نظيرتها بالدول المختلفة وتتواكب مع التطور التكنولوجي وتغير احتياجات سوق العمل المتسارعة. فتكون من بين أهداف المناهج التعليمية غرس حب التعلم والابتكار في نفوس الطلاب، والقدرة على تطوير الذات من خلال الأدوات المتاحة لمواكبة تغيرات العصر.

ففي عصور سابقة كانت هناك أمية هجائية ونحارب من أجل إنهائها، وأصبح هناك أمية تكنولوجيا، تلاها الأمية الثقافية أو أزمة “غياب الوعي” الذي نعيشه، ونعاني من ويلاته في حياتنا اليومية. وبالنسبة للأمية الهجائية استطاعت مصر تحقيق طفرة في تقليل معدلات الأمية (للأفراد 10 سنوات فأكثر) والتي انخفضت من 49.9% عام 1986 إلى 25,8% عام 2017، بمقدار 24.1%، وانخفضت معدلات الأمية في الحضر عن الريف لتبلغ 17,7%، 32,2% على التوالي في تعداد 2017 مقارنة بمعدلات الأمية في الحضر 35.6% والريف 61.9% تعداد 1986.

وأكثر الأميين من الإناث في تعدادي 1986 و2017 وقد بلغ معدل الأمية للذكور من 37.6% عام 1986 إلى 21.1% عام 2017، مقابل معدل الأمية للإناث 62.8% إلى 30.8% لنفس الفترة، وأكثر من نصف الأميين هم من كبار السن، إذ سجّلت الفئة العمرية (60 سنة فأكثر) أعلى نسبة بين الأميين بنسبة 63.4%، في حين سجّلت الفئة العمرية (15- 24 سنة) حوالي 7% كأدنى نسبة بين الأميين.

ويشير انخفاض معدلات الأمية إلى تغير نسبي في العادات والتقاليد والمعتقدات في زواج الفتيات وجلوسهن فى المنزل، وفي سبيل ذلك أجرت الدولة العديد من الحملات الإعلامية لتغيير بعض من هذه العادات، إلى جانب أنشطة الهيئة العامة لتعليم الكبار كالتعاون مع جامعة عين شمس لتنظيم فصول محو أمية سكان الريف، أو جعل برنامج تكافل – برنامج مشروط- مشروط استمراريته بالانتظام في الدراسة بالنسبة للأطفال، والقيام بالمتابعة الصحية الدورية لهم، وكذلك للأمهات الحوامل في وحدات الرعاية الصحية الأولية.

أما عن تحجيم التفاوت التعليمي بين الدول ففائدته، تقليص الفجوة العلمية بين مخرجات العملية التعليمية المصرية ومختلف دول العالم، وزيادة قدرة الخريج المصري على منافسة العمالة الأجنبية بسوق العمل المصري، أو أسواق العمل العالمية، واسترداد ريادة مهارة العامل المصري في السوق الخليجي والتي احتلتها في الآونة الأخيرة العمالة الاسيوية، باعتبارها أكثر مهارة وتعامل مع التكنولوجيا وذوي رواتب منخفضة نسبيًا.

ولن يتم ذلك بدون تعديل المناهج التعليمية بشكل يتوافق مع المتغيرات العالمية، فقد أكدت التقارير العالمية على تواضع مستوى الطالب المصري مقارنة بأقرانه بالدول الأخرى، فتشير نتائج أداء طالب الصف الثامن في المسابقة الدولية للعلوم والرياضيات TIMSSلعام 2019، والتي شاركت فيها 39 دولة من بينها مصر، إلى تواضع مستوى أداء الطالب بمصر في العلوم تحديدًا.

أما بالنسبة للرياضيات، فقد تفوق أداء طالب مصر عنه في المغرب وجنوب إفريقيا، رغم كون الأخيرة تسبق مصر في مؤشر التنمية البشرية بتقرير عام 2020. وتكشف مقارنة نتائج تلك المسابقة لعام 2019 بتلك المتحققة في عام 2015 عن تقدم ملحوظ في متوسط الدرجات التي حققها طالب مصر (من الناحية المطلقة) بين العامين، ولا سّيما في مجال الرياضيات، إذ ارتفع متوسط الدرجة المحرزة في الرياضيات من 392 إلى 413، كما ارتفع متوسط الدرجة في العلوم من 371 إلى 389، بين أعوام 2015 و2019.

وقد قامت الوزارة بتطوير مناهج التعليم الدراسي منذ عام 2017، حيث قام مركز تطوير المناهج بتطوير مناهج رياض الأطفال والصف الأول الابتدائي وصولاً إلى الصف الرابع الابتدائي (بناء المستقبل)، وفق رؤية تقوم على فكرة التسلسل والتراكم العلمي، وبما يتناسب مع المعايير الدولية، وذلك بالتعاون مع الخبراء والشركاء الدوليين لاسيما البنك الدولي وصندوق الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف”. والتي من خلالها تم توطين مزيد من الخبرات بالمركز، وتعزيز قدرات كوادره، الذين أصبحوا قادرين على تأليف وتحرير وتطوير المناهج فى جميع التخصصات على أعلى مستوى ووفقاً للمعايير الدولية.

ولتحسين الحاضر (نظام تعليم معدل 1.1)، بالنسبة للطلاب المتواجدين بالتعليم، فأكثر المراحل التي تتسبب في أزمة سنوية كانت المرحلة الثانوية وبخاصة الثانوية العامة، والسبب الأساسي في هذه الأزمة هو طريقة التقييم الأوحد المتمثل في امتحان الثانوية العامة، والذي يمثل الهدف الأسمى الذي يتعلم الطالب طوال حياته للوصول لهذا اليوم، فكان البديل استنباط نظام تقييم خلال الثلاث سنوات، مع تغيير طبيعة الامتحانات من أسئلة متوقعة تقيس مهارات الحفظ واسترجاع المعلومات إلى أسئلة تقيس مدى الفهم والقدرة على حل المشكلات. على أن يكون التقييم عادل وينفصل معلم الفصل عن وضع أو تصحيح الامتحانات.

فالنظام الجديد يقوم على فكرة الامتحان في وجود الكتاب المدرسي “open book” فالفكرة من الامتحان قياس مدى فهم المادة العلمية وليس حفظها، من خلال امتحانات ربع سنوية لتتراكم درجات الطلاب عبر عدد من الامتحانات في كل مادة لتكوين درجة نهائية في هذه المادة (من الـ 50% الأعلى درجة من المحاولات) تراكميًا. مع بث وسائل مساعدة للطلاب كبناء بنوك أسئلة ومصادر متنوعة للتعلم كبنك المعرفة وقنوات مدرستنا وحصص مصر وغيرها، لكن المنظومة لم تسير بالوتيرة المأمولة نتيجة الضغط المجتمعي وانتشار جائحة كورونا، وعرقلة تعديل قانون التعليم 139 لسنة 1981.

وكانت الطامة الكبرى مع إعلان نتائج الثانوية للعام الحالي 2020/2021 والتي لم يحصد فيها أي طالب على مجموع 100% على خلاف الوضع الموجود منذ سنوات، وهنا كانت الصدمة المجتمعية بانخفاض معدلات النتائج بحوالي 10 درجات مئوية عن المعتاد، رغم عدم اختلاف نسب النجاح عن غيرها من السنوات والتي قدرت بـ 74%. وبالرغم من اللغط الذي حدث حينها إلا أن النتائج أثبتت نجاح عملية التطوير والتقييم الجديدة والوصول لمنحنى بيل (المنحنى الطبيعي) للتقييم. وبالتالي إعادة تشكيل مفهوم (الفهم والتطبيق والتحليل) كأسلوب للتعلم وليس مستوى التذكر.

لكن هذه المناهج المطورة تحتاج إلى معلم على نفس القدر من الكفاءة لتعليم الطلاب، وخاصة بمراحل التعليم الأساسي وما قبل الابتدائي، وعلى الرغم من إعلان الوزارة عن قيامها بتدريب المدرسين، إلا أن الواقع العملي يشير إلى إننا مازلنا نحتاج المزيد، وقد يكون المزيد يجب أن يبدأ منذ إعداد المدرس بالكلية من الأساس، هذا إلى جانب أن انخفاض عدد المدرسين سبب وسيسبب أزمة كبيرة إن لم يتم وضع حل شامل ونهائي لهذه المشكلة، ففتح بوابة التطوع لتشغيل المعلمين لسد الفجوة ليس بالحل الكافي، خاصة أن الحل تم عرضه في الوقت الضائع، وهو ما ينبئ عن قصور في تخطيط العملية التعليمية وخاصة بمحور المعلمين على وجه الخصوص.

وإلى جانب رفع الكفاءة المهنية للمعلم يجب رفع مكانته المجتمعية والمادية، فقد كانت مرتبات المعلمين من أقل الفئات الوظيفية في الرواتب، لذا كان الملاذ هو الدروس الخصوصية لرفع المستوى المعيشي، ولكن عوائد الدروس الخصوصية أصبحت أداة لجذب غير التربويين لعملية التدريس حتى إنه أصبحت مهنة من لا مهنة له في بعض المناطق العشوائية. وقد شاهدنا على مواقع التواصل الاجتماعي عدة مشاهد استعراضية لمدرسين تفتقر لأدنى القواعد التربوية للتأكيد على قدرتهم على تحفيظ المنهج حتى ولو عن طريق غناء المنهج، فالهدف فقط هو جذب مزيد من الطلبة وخاصة طلاب الثانوية العامة، للنجاة بالفرصة الوحيدة لنيل “مجموع كليات القمة”. وهو المصطلح نفسه الذي دفع أولياء الأمور لدفع أموال باهظة لنيل هذا الهدف.

خلاصة القول، يوضح التحليل السابق أن هناك تحسنًا ملحوظًا في مؤشرات إتاحة التعليم في مصر، لكنه فاق التحسن في مؤشرات جودة التعليم وتنافسيته، باعتبارهما من البرامج الفرعية للبرنامج الرئيسي” تأكيد الهوية العلمية“، ضمن الهدف الاستراتيجي الثاني والمعني ببناء الإنسان المصري. ولتحقيق مزيد من الجودة فتأهيل المعلمين، باعتباره العنصر الأهم في المنظومة التعليمية فهو المكون الوحيد القادر على تطوير التعليم بشكل حقيقي مهما كانت الإمكانيات ضئيلة. إلى ذلك، ورفع الوعي المجتمعي بأهمية وضرورة التطوير والتي أصبحت أمر حتمي لا يحتاج مزيد من التأجيل أو التراجع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى