مصر

تغيير النظرة: إلى ماذا تؤشر مخرجات الحوار الاستراتيجي بين القاهرة وواشنطن؟

انتهت جولات الحوار الاستراتيجي بين مصر والولايات المتحدة في العاصمة واشنطن، بعد يومين من عقد وزير الخارجية سامح شكري ونظيره الأمريكي انتوني بلينكن مباحثات ثنائية مكثفة تناولت الملفات ذات الاهتمام المشترك، سواء على المستوي الثنائي أو الإقليمي. 

وجاء البيان الختامي لجولة الحوار الاستراتيجي كاشفاً عما تم احرازه ليس فقط على صعيد الرؤية المشتركة للبلدين حيال القضايا الإقليمية والملفات الثنائية؛ بل، كاشفاً عن تغُيّر نظرة الإدارة الديمقراطية تجاه مصر. حيث شهدت العلاقات بين البلدين توترات بالتزامن مع وصول إدارة بارك أوباما للبيت الأبيض، إذ وفرت إدارة أوباما دعماً لتيارات الإسلام السياسي إبان انطلاق موجات ما يُسمي بالربيع العربي. وتسبب ذلك في توقف انعقاد جولات الحوار الاستراتيجي بين البلدين منذ العام 2015، هذا فضلاً عن تعطل إجراء مناورات النجم الساطع حتى العام 2017.

وساد في الأوساط الأكاديمية الغربية، والدوائر الإعلامية التابعة لتنظيم جماعة الإخوان الإرهابية؛ أن قدوم جو بادين رئيساً للولايات المتحدة سيمثل انتكاسة للعلاقات المصرية الأمريكية نظراً لخلفيته الحزبية وتاريخه في العمل مع باراك أوباما؛ إلا أن هذا الانطباع سرعان ما كشف عن زيفه، أمام عدة محطات برهنت على تغير النظرة الأمريكية وتفتت سردية تيارات الإسلام وعمها بعدما اتضحت ارتباط هذه التيارات أيديولوجيا وتنظيميا بالتنظيمات الإرهابية المدرجة على قوائم مجلس الأمن الدولي، ويمكن تحديد محطتين كشفت عن تغير النظرة الامريكية تجاه مصر كالاتي:

  • دعم الموقف المصري في شرق المتوسط من خلال التوافق على تحول القاهرة لمركز إقليمي لتداول الطاقة، وتحول منطقة شرق المتوسط لمورد طاقة بديل لأوروبا يخفف اعتمادها على الغاز الروسي. وقد صدر قانون الطاقة والشراكة في شرق المتوسط في الكونغرس الأمريكي ليدعم هذا الطرح، وهو ما ظهر أيضاً في وجود الولايات المتحدة كعضو مراقب في منتدي غاز شرق المتوسط – مقره القاهرة – والتي تحول لاحقاً إلى منظمة إقليمية. 
  • دعم جهود الوساطة المصرية في حرب غزة الأخيرة، فالقاهرة هي العاصمة الوحيدة التي تمتلك قنوات اتصال مع السلطة الفلسطينية والإسرائيلية والفصائل المسلحة، ما جعل القاهرة تقوم بضبط إيقاع ميدان الحرب في غزة، ورعاية ملف تبادل الأسري والمساعدات الإنسانية، وسط منافسة إقليمية كبيرة من تركيا وإيران. 

إلا أن البيان الأخير حمل توافقات تعدت القضية الفلسطينية وسبل تهدئة الصراع، لتشمل شرق المتوسط وليبيا والسودان ولبنان وسوريا والعراق واليمن، والسد الإثيوبي والقضايا الافريقية المختلفة، وفيما يلي أبرز المخرجات المرتبط بالانخراط المصري إقليمياً:

  • ليبيا: شدّد البلدان على أهمية إجراء الانتخابات في 24 ديسمبر، ودعمها لخطة عمل اللجنة العسكرية الليبية المشتركة (5 +5) لإخراج القوات الأجنبية والمقاتلين والمرتزقة.
  • السد الاثيوبي: أكد البيان دعم الرئيس بايدن للأمن المائي لمصر. ودعا لاستئناف المفاوضات حول اتفاقية بشأن سد النهضة وبرعاية رئيس الاتحاد الأفريقي، اتساقًا مع البيان الرئاسي الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 15 سبتمبر 2021، واتفاق إعلان المبادئ لعام 2015.
  • العراق وسوريا والسودان واليمن: اتفق الجانبان على مواصلة المشاورات رفيعة المستوى حول قضايا الشرق الأوسط وأفريقيا.‬ 
  • القضية الفلسطينية: أعربت الولايات المتحدة عن تقديرها لقيادة مصر في التوسط لإيجاد حلول للنزاعات الإقليمية، لاسيما لتعزيز السلام وإنهاء العنف في غزة.
  • الحقوق والحريات الأساسية: حواراً بناءً حول حقوق الإنسان والحريات الأساسية، بما في ذلك الحقوق المدنية والسياسية وحرية التعبير ومكافحة العنصرية وتمكين المرأة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كما شَمِل الحوار موضوعات حقوق الإنسان في المحافل متعددة الأطراف. هذا، ورحبت مصر بانتخاب الولايات المتحدة بمجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. ورحبت الولايات المتحدة بالاستراتيجية الوطنية المصرية لحقوق الإنسان وكذلك بالخطط الوطنية لتعزيز حقوق الإنسان في البلاد بالتعاون مع المجتمع المدني. وقد اتفق الجانبان على مواصلة الحوار حول حقوق الإنسان.‬

وتجدر الإشارة لإجراء وزير الخارجية سامح شكري جلسة نقاشية مع مركز ويلسون البحثي في واشنطن، وهو من مراكز الفكر المؤثرة في صناع القرار الأمريكي، وأدار الجلسة كل من الجنرال المتقاعد “ديفيد باتريوت”، القائد السابق للقوات الأمريكية وقوات حلف الناتو في أفغانستان، و “جيمس جيفري”، رئيس برنامج الشرق الأوسط، وسفير سابق في العراق وتركيا، والمبعوث الخاص للتحالف الدولي لهزيمة داعش. وكانت الجلسة تحت عنوان “تقييم التفاعلات الإقليمية: الرؤية المصرية”، وأظهر مركز ويلسون اهتماماً بعرض وجهات النظر المصرية وفهمها في مختلف القضايا، ما يعكس اهتماماً امريكياً بالدور المصري المتصاعد في الإقليم.

ويمكن تحديد عدة مؤشرات مستقبلية في العلاقات المصرية الأمريكية، في ضوء مخرجات جولة الحوار الإسراتيجية، كالآتي:

  • استمرار التعاون العسكري والدفاعي ركيزة العلاقات: يعد التعاون العسكري والدفاعي بين البلدين بمثابة نواة لاستقرار العلاقات بينهما ووضعها في إطار “استراتيجي”، حيث عقد البلدان، الدورة الثانية والثلاثين للجنة التعاون العسكري الأمريكية المصرية (MCC) في القاهرة بمصر في الفترة من 20 إلى 21 سبتمبر. وقد عقدت مناقشات محددة ركزت على الأمن الحدودي والبحري ومكافحة الإرهاب وقابلية التشغيل البيني بين القوات الأمريكية والمصرية، كما ناقشت الوفود التطورات الإقليمية والمنافسة الاستراتيجية والمصالح المشتركة في جميع أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا. وجاءت الدورة الثانية والثلاثون للجنة التعاون العسكري المصرية الأمريكية عقب اختتام مناورات النجم الساطع لهذا العام.
  • تفاهم أوسع لملف حقوق الإنسان: قدمت القاهرة قيمها ونظرتها الجوهرية لملف حقوق الإنسان من خلال مشروعات التنمية المستدامة التي طالت جميع المناطق المصرية، إلى أن وضعتها في وثيقة الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان التي راعت فيها جوانب تفصيلية في الحريات الأساسية وتمكين المرأة، وقد أبدي الجانب الأمريكي تفهما لخصوصية الحالة المصرية في البيان الختامي لجولة الحوار. 
  • انهيار سردية “الإسلام السياسي” في دوائر الحكم والأكاديميا الامريكية: حيث كانت تعول دوائر الحكم في الولايات المتحدة على جماعات الإسلام السياسي إبان العقد الماضي، لكبح النشاط الإرهابي، وحظيت هذه المقاربة بدعم أمريكي واسع، إلا أنه ومع تثبيت مصر لدعائم نفوذها في المنطقة وكشفها لارتباط هذه التيارات بالجماعات الإرهابية، أعادت حتي الدوائر الحزبية الديمقراطية النظر فيما تبنته إدارة أوباما السابقة. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى