دول المغرب العربي

لماذا تصاعدت الاحتجاجات في مدينة عقارب في تونس؟

شهدت مدينة عقارب غرب صفاقس في تونس احتجاجات في 9 نوفمبر 2021 اعتراضًا على قرار وزارة البيئة بإعادة فتح مصب “القنة” للحد من أزمة تراكم النفايات في المدينة. وحدثت اشتباكات بين القوات الأمنية التي أطلقت الغاز المسيل للدموع والمحتجين نتيجة رشق القوات الأمنية بالحجارة وإحراق مركز الشرطة. وقُتل أحد الأفراد ويدعى “عبد الرزاق الأشهب”، لكن وزارة الداخلية نفت أنه توفي نتيجة الغاز المسيل للدموع، وإنما توفي بوعكة صحية، وقد جاءت هذه الاحتجاجات اعتراضًا على قرار استئناف نشاط المصب.

تعود جذور أزمة مصب النفايات في مدينة عقارب إلى عام 2018 عندما شهدت المدينة احتجاجات من قبل المواطنين تحت شعار “خنقونا”، مطالبين بإغلاق هذا المصب وبعد أشهر من هذه الاحتجاجات، صدر قرار قضائي في يوليو2019 بإغلاقه نظرًا لأضراره وتأثيرها على المواطنين، ومنح المسؤولين عنه 6 أشهر لإزالة هذه النفايات، وقد أعادت وزارة البيئة العمل به نظرًا لأن إغلاقه تسبب في تراكم النفايات.

دوافع القرار

اتخذت وزارة البيئة قرارًا باستئناف نشاط المصب المراقب بعقارب بولاية صفاقس بوصفه مرفقًا عموميًا للحد من المخاطر الصحية والبيئية والاقتصادية، واتخذت مجموعة من الإجراءات في سبيل ذلك منها:

  • الانطلاق في أشغال التهيئة داخل المصب إلى حين إعادة تأهيل الموقع.
  • الانطلاق في استخراج الغازات ومعالجتها، مع مضاعفة تواتر عمليات إزالة الروائح والمداواة ضد الحشرات.
  • تنظيف ورفع الفضلات المتراكمة في الأحياء والنقاط العشوائية بالولاية بمشاركة ومساهمة كل الأطراف المعنية.
  • تكثيف عمليات مراقبة نوعية الهواء بموقع المصب، ومراقبة مستوى التلوث الصادر عن المؤسسات الصناعية بعقارب.
  • حوكمة وإعادة هيكلة منظومة التصرف في النفايات.
  • دعوة المؤسسات الصناعية بمنطقة عقارب إلى الانخراط في تحمل مسؤولياتها المجتمعية، والمساهمة في تحسين الإطار الحياتي بالمنطقة.
  • إشراك المجتمع المدني في تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للتصرف في النفايات، والتي تعمل على الفرز الانتقائي للنفايات بغاية تثمينها وإعادة تدويرها.

وفى سياق الأزمة، اجتمع الرئيس قيس سعيّد مع رئيسة الوزراء نجلاء بودن ووزير الداخلية توفيق شرف الدين للنظر في الوضع البيئي في تونس، لاسيما في مدينة صفاقس، مؤكدًا في هذا السياق بأنه لا مجال للمساس بصحة المواطن، واطلع على الحلول الآنية والمستقبلية بشأن الأزمة.

مضاعفة الأزمة

فيما يتعلق بتراكم هذه النفايات في المدن التونسية؛ اتضح أن المسؤول عن الأزمة هي البلديات العاجزة عن حل مشكلة النفايات، وأن من هيمن على أغلب هذه البلديات المسؤولين الفاسدين المتعاقبين في الفترة الماضية؛ إذ رأس بلدية مدينة صفاقس في السابق مسؤولين تابعين لحركة النهضة، وكان يتم طمر حوالي 2,5 مليون طن من النفايات التي تُجمع كل عام في المصب بدون معالجتها أو حرقها، ويعاد تدوير كمية صغيرة فقط.

هذا بجانب أن هذا المصب قد تم فتحه في 2007 وكان من المقرر إغلاقه نهائيًا في 2017، لكن الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات أوقفت عملية قبول النفايات، ولم يحدث تطور لتنمية المدينة ومواجهة مشكلة النفايات. ومن ثم فهي مشكلة قديمة ومتجذرة، وليست مرتبطة بالحكومة أو النظام الحالي، كما أن مدينة صفاقس بها عدد من المعامل والمخلفات الكيميائية التي لم تضع الحكومات المتعاقبة ولا البرلمان السابق أي حلول لمعالجتها.

ومن ثم هناك قوى تقف وراء تأجيج الرأي العام وإشعال الأزمة؛ بهدف إيصال رسائل بفشل وعدم قدرة الرئيس قيس سعيد على إدارة الدولة وعرقلة جهوده نحو الإصلاح، بعد السير في خطوات تعيين حكومة برئاسة نجلاء بودن لمواجهة الأزمات التي تشهدها الدولة. وربما يقف وراء تصعيد هذه الاحتجاجات عدد من القوى السياسية غير الراضية عن سياسات الرئيس والراغبة في إحراجه. إضافة إلى استحداث أزمة أخرى تضاف إلى أزمات الدولة في سياق احتجاجات النفايات؛ بهدف توريط النظام والحكومة في أزمة حقوقية من حيث استهداف المدنيين السلمين في التظاهرات.

فقد خرج عدد من الأحزاب السياسية في تونس وعلى رأسها التيار الديمقراطي والحزب الجمهوري والتكتل من أجل العمل والحريات تندد بالإجراءات التي اتخذت حيال هذا المصب، وحمّلت الرئيس قيس سعيد المسؤولية السياسية عن أحداث مدينة عقارب وطالبت بالتحقيق فيها.

من ناحية أخرى، جاء موقف الاتحاد العام التونسي للشغل مساندًا لمطالب المواطنين في مدينة عقارب، ومُدينًا للحل الأمني و”سياسة القتل البطيء”، محمّلًا السلطة مسؤولياتها في الانتهاكات التي تعرض لها المواطنون، واستنكر استمرار أزمة الفضلات في مدينة صفاقس بما يهدد صحة المواطنين وحياتهم ويوضح تخبط السياسة العامة في مجال البيئة. ودعا إلى الإسراع في تكوين خلية أزمة لإنقاذ جهة صفاقس، وإيجاد نقاط تجميع وقتية بسقف زمني محدد، مع ضمان حقوق العاملين وإيجاد حلول لكل المصبات.

ختامًا؛ يمكن القول إن هذه الأزمة تضيف تحديًا آخر أمام الحكومة الجديدة برئاسة نجلاء بودان، ومن ثم يقع على عاتقها وضع حل جذري لأزمة النفايات؛ حتى لا تتصاعد الاحتجاجات من قبل المواطنين، نتيجة الأزمات العديدة في تونس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى