مصر
أخر الأخبار

أضغاث الأحلام.. “الطيب” يقوض مساعي “الدبلوماسية الروحية” في الدعوة للديانة الإبراهيمية

في احتفالية بمناسبة مرور 10 سنوات على “بيت العائلة المصرية” أدلى شيخ الأزهر الشريف “أحمد الطيب” بكلمة تحدث فيها للمرة الأولى عما يطلق عليه “الدين الإبراهيمي الجديد” – إذ وصف أحمد الطيب هذه الدعوات بأنها طريقة للمصادرة على الحقوق والحريات؛ إذ إنه ليس من المنطقي أن يعتنق الجميع ديانة واحدة، والترويج لذلك بوصفه جزءًا من إقرار السلام.

التصريح الذي وصفه الكثيرون بأنه قد جاء متأخرًا وصفه البعض الآخر بأن الرجل بدا وكأنه يوضح ما رأى أنه بحاجة إلى توضيح. علاوة على أن الدعوة تخالف المنطق القرآني المتفق عليه بأن البشر خُلقوا مختلفين، وأن لاختلافهم حكمة “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين”.

وتكمن أهمية رد الأزهر بطريقة علنية للمرة الأولى إلى أنه فضح المخطط الذي تم التعامل معه بطريقة سرية لمدة خمس سنوات متتالية، فيما فسره البعض بأنه نوع من إبراء الذمة إعمالًا للنص القرآني “إني بريء مما تجرمون”. وفي هذا الإطار فإن مراكز الدبلوماسية الروحية إلى جانب مراكز بحثية مشبوهة كانت مسؤولة عن تعزيز انتشار هذا المصطلح.

التأصيل للمصطلح

عمومًا فإن لفظ الإبراهيمية ليس بلفظ جديد، ولكن المصطلح عاد مرة أخرى إلى لسطح عندما نجح الرئيس الأمريكي السابق ترامب في انتزاع توقيع بعض الدول على اتفاقات إبراهام للتطبيع في الأيام الأخيرة من ولايته. والآن يتضح أن هذا المصطلح لم يكن محض صدفة، وإنما كان مقدمة لما هو أهم من ذلك.

وكانت المرة الأولى التي يتم الدعوة فيها إلى الديانة الإبراهيمية صراحة في دراسة نشرها الرئيس الأمريكي الأسبق، جيمي كارتر، في عام 1985 في كتاب حمل عنوان “دم أبراهام”، ثم في التسعينيات على لسان وزير الخارجية الأمريكي السابق “هنري كسينجر”. ويهدف المصطلح فيما يهدف إلى تذويب الفروق بين الديانات الثلاث “اليهودية- المسيحية- الإسلام” في سبيل إعلاء راية التآخي. ولكن المصطلح ظاهره الرحمة وباطنه العذاب؛ إذ إن الفروق بين الديانات الثلاث -وإن كانت سماوية- هي فروق كبيرة وتتعلق بالعقيدة، وإمكانية دمجها ستنتج دينًا رابعًا مشوهًا.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\thumbnail_83eda9c7-f3e3-4e2d-8136-a426c0704c60كسينجر.jpg

 أما ملة إبراهيم، فهي مجموعة من الإملاءات الربانية لسيدنا إبراهيم عليه السلام، ومنها انبثقت الديانات الإبراهيمية أو ما يعرف في شرائعنا بالديانات السماوية وهي اليهودية والمسيحية، وآخرها الدين الخاتم للرسالات السماوية الإسلام. ومن ثم فإن أصول الملة الإبراهيمية التي أشار إليها الكتاب والسنة بعيدة كل البعد عن الهرطقة الفلسفية والسياسية التي تتحدث عن “البيت الإبراهيمي” الجامع لأتباع اليهودية والمسيحية والإسلام؛ فمن أصول الملة الإبراهيمية عقيدة التوحيد الخالص.

ابحث عن الدبلوماسية الروحية

تأتي كل تلك الأعمال ضمن إطار ما يعرف بالـ “الدبلوماسية الروحية”؛ إذ تقدم الدبلوماسية الروحية نفسها كمدخل لتحقيق التنمية المستدامة. وسبق استخدامها أيضًا في مطلع الألفية كمدخل لتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية في الفترة 2000-2015، وذلك عبر الحوار الخدمي، القائم على مبادرات تنموية بين الأديان بهدف بناء مشترك واقعي يتجسد في مشروعات تنموية تكافح الفقر وترفع معدلات التنمية وبخاصة في الدول النامية. إلاّ انّ تطويرها جاء بعد عام 2015، عقب انقضاء أجل الأهداف الإنمائية للألفية، ودخول العالم إلى حقبة تنموية جديدة وهي أهداف التنمية المستدامة لعام 2030 تحت رعاية الأمم المتحدة.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\4630415251520873852.jpg

 وتمارس هذه “الدبلوماسية الروحية” عملها عن طريق عدد من المراكز المنتشرة، وتقوم بالتركيز على قيم الود والتسامح، وخاصة ما يختص بالقضايا الشائكة في الشرق الأوسط.  وفي سبيلها إلى ذلك عمدت إلى إعادة تأويل النصوص الدينية، ونصوص التفسير؛ لتمهيد الطريق لعمل مراكزها التي تنتشر في مراكز الصراع، وتركز على قيم الود والتسامح، وخاصة ما يختص بالقضايا الشائكة.

 وتدفع تلك المراكز بتأويل خاطئ للنص “ثم أوحينا إليك أن اتّبع ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين”؛ ذلك أن ملة إبراهيم هي مجموعة من الإملاءات الإلهية للنبي إبراهيم ومن ثم انبثقت عنها الديانات السماوية الثلاث. أما تمويل مراكز ومؤسسات “الدبلوماسية الروحية” فيأتي من قبل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة من خلال التمويل الحكومي والتبرعات الخاصة والمنح وتمويل الجامعات.

الشرق والغرب ومفهوم الدين

دائمًا ما تأتي هذه الدعوات من الغرب لسبب متعارف عليه وجوهري وهو اختلاف مكانة الدين ومفاهيمه بين الشرق والغرب؛ فالدين في الشرق يُستسقى من النص المقدس قدسية حاسمة، بينما الوضع في الغرب يميل إلى المرونة باستثناء بعض المجتمعات الإنجيلية المتمسكة بالنصوص. والدليل أن هناك ظواهر دينية يحاربها الشرق مثل الطرق الصوفية. ومن ثم فإن هناك انفصامًا بين الحالة الدينية في الشرق والغرب. مع الوضع بالاعتبار أن الأزهر أخذ مؤخرًا اتجاهًا لمراجعة النصوص ولكن التراثية منها وليست القرآنية التي تعتبر قطعية الثبوت وقطعية الدلالة.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\pro-img4.png

أما الدعوة إلى ديانة إبراهيمية فالغرض منها سياسي بالأساس ليضمن محيطًا سلميًا لإسرائيل، وإن كانت هذه الدلالات ضمنية ولكنها ظهرت بوضوح بعد التوقيع على اتفاقات إبراهام قبل انتهاء ولاية ترامب. حيث يجمل البعض فكرة الدعوة الإبراهيمية بمسألة “الحذلقة السياسية” ومحاولة جني المكاسب، وأنها دعوة سرعان ما ستندثر ويأكل بعضها بعضًا. إلا أن التعامل معها بهذا القدر من الاطمئنان يمثل خطرًا لا يمكن استدراكه فيما بعد؛ يتمثل في تمييع فكرة الدين إجمالًا.

ويذهب البعض إلى فكرة مفادها أن الدعوة إلى الديانة الإبراهيمية تمهد لتغييب التناقض الوجودي بين المشروع الاستيطاني لإسرائيل وبين الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، علاوة على أن قيم التسامح والتعايش التي يُروج لها ضمن هذا المصطلح إنما يستهدف منها أن تنجو دولة إسرائيل بفعلتها وممارساتها العنصرية.

على جانب آخر فإن مبرر محاربة التطرف والإرهاب عن طريق الديانة الإبراهيمية لا يمكن استساغته على الأقل في مصر؛ ذلك أن الشعب المصري متعايش منذ زمن بعيد مع الأديان الأخرى، ومنفتح على ثقافات متعددة. ولا يوجد حاضنة تقليدية للفكر المتطرف إلا فيما يتعلق بجماعة منحرفة حظرتها الحكومة وحظرت أنشطتها، كما لفظها الشارع المصري. وعلى الصعيد التنفيذي تكافح الدولة الفكر الإرهابي قبل الأعمال الإرهابية وتقضي على البؤر تباعًا.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\_14888_kat3.jpg

وعمومًا فإن الأفكار التي يروج لها الفلاسفة والمفكرون من الصعب تعميمها لخصوصية ظروفها – فالفيلسوف الفرنسي “روجيه جارودي” والذي اعتنق الإسلام في عام 1982 عندما قال “دخلت الإسلام وبإحدى يديَّ الإنجيل، وباليد الأخرى كتاب رأس المال لماركس، ولست مستعدًا للتخلي عن أي منهما” اتهم بالتجديف والهرطقة وهي فكرة قد تكون ليست فاسدة في أصلها ولكنها بالقطع مفسدة لعامة الناس.

المصادر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى