الأمريكتانمصر

الحوار الاستراتيجي بين القاهرة وواشنطن.. توافق في الرؤى والمصالح

انتهت يوم أمس أعمال الحوار الاستراتيجي المصري الأمريكي الذي ترأسه كل من وزير الخارجية المصري سامح شكري ونظيره الأمريكي أنتوني بلينكن، وشهدت زيارة شكري والوفد المصري رفيع المستوى لواشنطن لقاءات عدة، كان أهمها مع عدد من أعضاء الكونجرس الأمريكي وأبرز مؤسسات الفكر والمراكز البحثية الأمريكية.

كان الحوار الاستراتيجي بين البلدين توقف منذ جولته الأخيرة في 2015 والتي التقى فيها الوزير سامح شكري بنظيره وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري. واليوم بعد مرور 6 سنوات مليئة بالتغيرات والأحداث في المنطقة والعالم كان لابد من عودة هذا الحوار الذي يعد أعلى درجات التنسيق بين البلدين.

جدير بالذكر أن “الحوار الاستراتيجي” المصري الأمريكي هذا العام يأتي تزامنًا مع مرور 99 عامًا على العلاقات المصرية الأمريكية، وهو ما أشار له وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن في الجلسة الافتتاحية للحوار الاستراتيجي، معربًا عن سعادته بعودة الحوار في الوقت الذي سيشهد فيه العام القادم مرور 100 سنة على العلاقات المشتركة بين القاهرة وواشنطن.

تاريخ الحوار الاستراتيجي

شهدت العقود الثلاثة الأخيرة تطورًا ملحوظًا في العلاقات المصرية الأمريكية من خلال التعاون في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية وغيرها، حيث عمل دبلوماسيو البلدين على إيجاد إطار مؤسسي يتسم بصفة الاستمرارية، وهو ما يطلق عليه “الحوار الاستراتيجي” بهدف تحقيق التنسيق والتفاهم المطلوب بين البلدين المؤثرين بدرجة كبيرة في مستقبل منطقة الشرق الأوسط.

وكانت أولى جولات “الحوار الاستراتيجي” المصري الأمريكي عام 1988 الذي شهد عقد جلستين بين مسؤولي البلدين في العاصمة المصرية القاهرة وفي العاصمة الأمريكية واشنطن، ومع بداية الألفية الثالثة أكتسب ” الحوار الاستراتيجي” المصري الأمريكي زخمًا خاصًا لما له من دور في تفهم الجانبين لأزمات المنطقة المتعددة وتعاونهما المشترك في سبيل إيجاد حلول لها، وعملت الجهود التعاونية بين البلدين على استقرار المنطقة، بالإضافة لعدد من المشروعات والاتفاقيات المشتركة التي تجمع بين القاهرة وواشنطن.

كما حرص البلدان على وضع محاور وأهداف محددة لهذا الحوار ليكون بمثابة الدافع لبناء العلاقات وتطورها كما ليكون” الحوار المصري الأمريكي المستمر” ذا دور بناء ليس فقط للبلدين ولكن كذلك لاستقرار المنطقة ككل، وكانت هذه الأهداف هي: –

الالتزام بالسلام 

وهو ما يعني أن البلدين يسعيان من خلال جهودهما المشتركة إلى إرساء السلام والحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة بما في ذلك تسوية الصراع العربي الإسرائيلي على جميع المسارات وتحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي.

تعزيز الإصلاح الاقتصادي 

حيث تقوم الولايات المتحدة بدعم الاقتصاد المصري من خلال المساعدات الاقتصادية ومن خلال المؤسسات الدولية بوضع برامج تستهدف معالجة الخلل الاقتصادي في مصر بهدف تحقيق عوائد تنموية تزيد عن معدلات الزيادة السكانية كما تساعد في تعظيم دور القطاع الخاص وتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر.

التحالف الاستراتيجي بين البلدين

تعي الولايات المتحدة الأهمية الاستراتيجية لمصر كمؤثر ولاعب حيوي في الإقليم على الصعيد السياسي كما تعي حجم القدرات العسكرية المصرية والتي تساهم بشدة في إرساء السلام في المنطقة وخلق توازن القوى فيها، وكذلك محاربة الإرهاب وتجفيف منابعه، لذلك يهتم الجانبان بعمل تدريبات عسكرية ومناورات مشتركة والتعاون في برامج التسليح والتصنيع العسكري ومحاربة الإرهاب.

ويعد التعاون العسكري هو أحد أكبر أوجه الشراكة المصرية الأمريكية، فقد بدأت العلاقات العسكرية بين البلدين في العام 1976 وظلت في تطور حتى وصلت مصر لتكون البلد الثاني من حيث تلقي المساعدات العسكرية الأمريكية بعد توصل الجانبين لاتفاق للمساهمة في تطوير ترسانة القوات المسلحة المصرية والتي أصبحت مصر بموجبه من بين الدول التي تستطيع الحصول على قروض أمريكية لشراء سلاح أمريكي، وهي القروض المعروفة باسم قروض المبيعات العسكرية الأجنبية.

ويتخذ التعاون العسكري المصري الأمريكي عدة صور ويعد أهمها مناورات “النجم الساطع” المشتركة التي بدأت العام 1994، واستهدفت تدريب القوات المصرية والأمريكية على العمليات الهجومية والدفاعية، وتدريب القوات الأمريكية على العمليات في المناطق الصحراوية.

أهمية الدور المصري

تعي الولايات المتحدة الثقل التاريخي لمصر في الإقليم، وحجم الدور الذي يمكنها لعبه في أزمات المنطقة. وهو ما تحرص من خلال علاقتها بالقاهرة على استغلاله بما يتناسب مع مصالحها، فشراكتها مع مصر وتوصيفها للعلاقات بين البلدين بأنها “علاقة خاصة” أو علاقة “تحالف وشراكة استراتيجية ” يقف خلفه عدد من الأهداف الأمريكية التي تعكس فهم واشنطن لمحورية وأهمية الدور المصري وتتلخص هذه الأهداف في: –

  • الاستفادة من الدور القيادي لمصر في الوطن العربي 

الاعتماد على مصر في إقناع الدول العربية والتعامل معها وقت الأزمات؛ كونها صاحبة الريادة في المنطقة، وكونها دولة وسطية ذات مؤسسات يمكنها العمل مع الدول والكيانات العربية الأخرى وتقويم أي سلوك من خلال الحديث والطرق الدبلوماسية، لما لمصر من باع دبلوماسي طويل تحديدًا في المنطقة العربية صاحبة الريادة فيها. 

فعلى الرغم من التقلبات الحادة في العقد الأخير في المنطقة إلا أن مصر تمكنت من الصمود كدولة ذات سيادة وقرار في هذه الفترة الصعبة، وهي تعود الآن للعب دورها المؤثر والمعهود عنها سابقًا من خلال عقد الاتفاقيات في محيطها العربي وخارجه. فانعكاسًا لتماسكها الداخلي، تمكنت مصر من البقاء كقائد وهمزة وصل للمنطقة بعد عقد صعب مرت به، وهو ما تفهمه إدارة بايدن، وتعي محورية الدور والتأثير المصري الإقليمي.

  • الحفاظ على معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية 

تولي الولايات المتحدة أهمية كبيرة لسلامة وأمن إسرائيل؛ الأمر الذي يرتبط بموقف الدولة المصرية تجاهها والحفاظ على معاهدة السلام ” كامب ديفيد”. فعلى الرغم من توقيع “الاتفاقات الإبراهيمية” بين إسرائيل ودول عربية إلا أن اتفاقية “كامب ديفيد” تعد هي الضامن الحقيقي للسلام مع إسرائيل. وتقوم مصر كذلك بدور محوري في إدارة وتخفيف حدة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وهو ما ظهر جليًا خلال دورها المشهود في حرب غزة الأخيرة، بعد أن تمكنت الجهود الدبلوماسية المصرية من الوصول بطرفي الصراع إلى اتفاق الهدنة ووقف إطلاق النار المستمر منذ مايو الماضي ، الأمر الذي ما كان ليحدث دون التدخل المصري على الرغم من الجهود الدولية الأخرى، مما استوجب من الإدارة الأمريكية وعلى لسان رئيسها جو بايدن توجيه الشكر في خطاب تلفزيوني  للإدارة المصرية لما قامت به إبان الأزمة، استمرارًا لأدوارها المحورية والحاسمة في المنطقة.

أجندة الزيارة

اتسمت زيارة الوزير “شكري” والوفد المرافق إلى واشنطن بنشاط دبلوماسي كبير؛ ففي اليوم الأول لوصوله قبل يوم من أعمال الجلسة الافتتاحية للحوار الاستراتيجي التقى وزير الخارجية بالمبعوث الأمريكي الخاص إلى إيران روبرت مالي، وتناقش الجانبان خلال الجلسة حول الرؤى المصرية والأمريكية من القضايا والأزمات في منطقة الشرق الأوسط، وسبل تعزيز الاستقرار في المنطقة. ثم التقى “شكري” بأعضاء البعثة الدبلوماسية في واشنطن، وفي الجلسة أكد أهمية الدور الدبلوماسي والجهود المتواصلة لتعزيز وتعميق العلاقات المصرية الأمريكية.

وفي اليوم الأول لأعمال الحوار الاستراتيجي التقى وزير الخارجية سامح شكري بنظيره الأمريكي في جلسة مغلقة تناول فيها الجانبان مجمل علاقات الشراكة الاستراتيجية بين البلدين والقضايا الدولية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك. تلى ذلك افتتاح الوزيرين لأعمال الحوار الاستراتيجي في جلسة افتتاحية بحضور وفد من البلدين. 

وخلال كلمته في الجلسة الافتتاحية أشار “شكري” إلى مدى التميز الذي تشهده العلاقات المصرية الأمريكية، وأهمية التنسيق المشترك في مواجهة التحديات النامية، وضرورة مواصلة الدفع قدمًا بالعلاقات الثنائية من خلال تعزيز التعاون الثنائي والعمل المشترك. وأعرب وزير الخارجية الأمريكي بلينكن خلال كلمته عن امتنانه لعودة الحوار الاستراتيجي وعودة الوزير سامح شكري لواشنطن حيث كان يعمل كسفير لمصر فيها، وأعرب عن سعادته بعودة الحوار في الوقت الذي سيشهد فيه العام القادم مرور 100 عام على العلاقات المصرية الأمريكية التي وصفها بالشراكة الاستراتيجية والخاصة، ليلي ذلك اجتماعات فنية بين وفدي البلدين للتشاور والتباحث حول عدد من الملفات العالمية والإقليمية.

وفي كلمته الختامية بنهاية أعمال وجلسات “الحوار الاستراتيجي” أعرب الوزير “شكري” عن ترحيبه بمخرجات الحوار وضرورة العمل على تنفيذ مخرجاته، التي ترتبط بتطوير العلاقات الثنائية بين البلدين في مختلف المجالات.

وقد شهدت زيارة شكري إلى واشنطن عددًا من الفاعليات المؤثرة التي هدفت إلى إيضاح الرؤية المصرية ومحاور السياسة الخارجية المصرية الرامية للاستقرار والسلام الإقليمي، مدفوعة بالتعاون مع مختلف القوى من خلال الجهود الدبلوماسية. فعقد وزير الخارجية لقاءً مع مجموعة من الباحثين التابعين للمجلس الأطلنطي، وشارك في جلسة نقاشية بمعهد “ويلسون” بالعاصمة واشنطن جاءت تحت عنوان “تقييم التفاعلات الإقليمية: الرؤية المصرية” تناولت أبرز محددات السياسة الخارجية المصرية، وجهود مصر على الصعيد الإقليمي.

وفي إطار الاهتمام بالتواصل مع جميع دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، تناول وزير الخارجية مجمل العلاقات المصرية الأمريكية خلال مكالمة هاتفية مع السيناتور ليندسي جراهام. وكذا، جمعه اتصال آخر بنائبة الكونجرس كاي جرينجر؛ لتناول عدد من موضوعات التعاون الثنائي والقضايا ذات الاهتمام المشترك بين البلدين.

وفي آخر أيام زيارته إلى واشنطن، التقى شكري بعدد من ممثلي المنظمات اليهودية الأمريكية، وأكد خلال اللقاء على عمق العلاقات الاستراتيجية المصرية الأمريكية، وأوضح رؤية مصر في عدد من القضايا والملفات الإقليمية المرتكزة على تحقيق السلام ودعم ركائز الاستقرار في المنطقة.

وعلى الصعيد الاقتصادي التقى شكري بممثلي الغرفة التجارية الأمريكية؛ لتناول العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وبحث سبل زيادة الاستثمارات وحجم التبادل التجاري، وإيضاح حجم الجهد المصري المبذول لتحسين المناخ الاستثماري وتوفير الإمكانيات الازمة لدخول أي مستثمر إلى السوق المصري.

مخرجات الحوار الاستراتيجي

اختتمت أعمال الحوار الاستراتيجي المصري الأمريكي بتوافق في الرؤى والمواقف حول الملفات الإقليمية والدولية، وهو ما انعكس في المخرجات النهائية للحوار؛ إذ تشارك الطرفان الرؤية في الملف الليبي، مشددين على ضرورة إقامة الانتخابات الرئاسية الليبية في موعدها، وضرورة خروج القوات الأجنبية ودعم خطة عمل اللجنة العسكرية الليبية 5+5 في هذا الشأن. أما عن أزمة سد النهضة فجددت الولايات المتحدة دعمها لأمن مصر المائي، والدعوة لعودة المفاوضات بين دول الأزمة برعاية الاتحاد الأفريقي.

وعن الأزمات الإقليمية، فقد امتدت أحاديث الجانبين إلى النقاش حول تطورات الأوضاع في السودان وسبل تهدئة الوضع فيها، وسبل حل الأزمات الإنسانية في لبنان واليمن وسوريا، بالإضافة إلى الاتفاق على استمرار الاتصال والتنسيق المستمر حول مختلف قضايا وازمات الشرق الأوسط، والتأكيد على الالتزام المشرك تجاه الأمن القومي للبلدين، ودعم استقرار الشرق الأوسط، وتعزيز التعاون الدفاعي لمواجهة التحديات المتنامية بما فيها الإرهاب والأمن الحدودي والبحري. واتفق الجانبان كذلك على توسيع وتعميق العمل والجهد المشترك بينهما في مجال المناخ، وتخفيف التلوث والتصدي لظاهرة الاحتباس الحراري.

ختاماً يعد “الحوار الاستراتيجي” المصري الأمريكي في الوقت الراهن أحد أهم أدوات الولايات المتحدة لضمان توافق السياسات الأمريكية وتناغمها مع التفاعلات في المنطقة، مرتكزة على أن مصر لديها من القدرات والخبرات والتأثير ما يمكنها من فرض الاستقرار الإقليمي، وقدرتها الدبلوماسية والسياسية على حل أزمات المنطقة، وكانت حرب غزة مايو الماضي خير دليل على ذلك.

تعي الإدارة الأمريكية ما تريده مصر من دعم دولي في عدد من الملفات؛ أهمها قضايا الأمن المائي وسد النهضة، ولذا جاء التأكيد من الجانب الأمريكي بالتزام واشنطن الكامل بحقوق مصر المائية، وهو ما يرسل رسالة بعدم تأثر الموقف الأمريكي من هذا الملف الحيوي بتغير الإدارة الأمريكية. وكذا، تولي مصر أهمية قصوى لخروج القوات الأجنبية من ليبيا، وهو ما تشارك البلدان الرؤى بشأنه.

وتدرك الولايات المتحدة أيضًا أهمية الدور المصري في الوقت الراهن بالتزامن مع انسحابها التدريجي من المنطقة؛ إذ ترى أن مصر يمكنها لعب دور “البوصلة” في الشرق الأوسط ارتكازًا على تشارك الرؤى بين البلدين نحو السعي إلى استقرار المنطقة وتخفيف حدة الأزمات في الدول العربية التي تعاني منذ سنوات. 

فقد أثبتت الدولة المصرية قدرتها على فرض الحلول السلمية، والمبادرة نحو حل دبلوماسي لأزمات بدت انها ستظل عسكرية، وهو ما تحتاجه الولايات المتحدة مع خروجها من المنطقة، للحفاظ على استقرار الأمن في الإقليم. وتعلم الإدارة الأمريكية الحالية أن تحالفاتها في المنطقة لا يمكن أن تستمر بنفس المستوى دون تنسيق مع مصر خاصة في ظل المتغيرات العالمية، من منطلق دورها التاريخي كهمزة الوصل بين العرب والغرب وقدراتها وخبراتها السياسية في إدارة المشهد الممتدة عبر التاريخ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى