الصحافة المصرية

شراكة استراتيجية وريادة إقليمية … دلالات لقاء السيسي-ترامب على هامش قمة السبع

حسين عبد الراضي

حمل لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، على هامش قمة مجموعة السبع الكبار(G7) في نسختها الـ(44) المنعقدة بمدينة بياريتز الفرنسية، مؤشرات كبرى على عمق واستراتيجية العلاقات المصرية الأمريكية، وأهمية الدور الذي تلعبه مصر في تحقيق معدلات متقدمة من التطوير والتنمية على كافة المستويات. ورغم الطبيعة الاقتصادية لقمة السبع، إلا أن النتائج والانعكاسات السياسية تعد من أهم الآثار التي تعكسها القمة.
حيث تعتبر الولايات المتحدة من أبرز الشركاء لمصر على الصعيد الاقتصادي، فإن العلاقات السياسية والتعاون الاستراتيجي بين الدولتين يشغل مساحة كبرى من دوائر الاهتمام المشترك للقاهرة وواشنطن.

وهو ما برز في تصريحات الرئيس الأمريكي وإشادته بما حققته مصر من انجاز كبير ومشهود تحت قيادة الرئيس السيسي، كذلك إشارة “ترامب” للتطورات الجارية في ملف السلام في فلسطين ورغبة الطرفين بالسلام وتأكيده على الدور الذي لعبته مصر في احتواء الصراع والدفع بعملية السلام، بالإضافة الى الجهود المصرية والخبرات التي ستكون محورية في الوصول لاتفاق ينهى الأزمة الإيرانية الجارية. وقد أكد الرئيس السيسي على أهمية التفاهم والتقدير المتبادل بين القاهرة وواشنطن، والذي وصل الى درجات متقدمة جداً، وأشار أيضًا أن هذا التعاون والتفاهم غير منقطع منذ انطلاق حملة الرئيس “ترامب” للرئاسة وأثناءها وبعدها، وأن مصر كانت من اول المهنئين بوصوله للبيت الأبيض.

ملفات مهمة على طاولة الحوار
تناول الرئيسان خلال اللقاء العديد من الملفات الشائكة والهامة بشكل كبير للإدارتين المصرية والأمريكية على حد السواء، وحملت تلك الموضوعات التي جري مناقشتها تأكيدًا كبيرًا على دور مصر البارز في تحقيق المصلحة الإقليمية والوطنية، وتزايد معدلات التعاون بين الجانبين، فضلاً عن وجود مساحات مشتركة كبرى بين القاهرة وواشنطن في التعاطي مع تلك القضايا. ويمكن بيان تلك الملفات فيما يلي:
• تثمين الجهود المصرية في الحرب على الإرهاب: حيث أعرب الرئيس الأمريكي عن دعم الولايات المتحدة الكامل للجهود المصرية في هذا الشأن، والتي أطلقها الرئيس السيسي منذ قيام ثورة 30يونيو واستمرت حتى اليوم؛ للتأكيد على رفض مصر لتلك التنظيمات الاجرامية، وإحباط أي مخطط لها للمساس بأمن الدولة المصرية. وعلى الجانب الاخر، أكد الرئيس “السيسي” أن تلك الجهود المصرية تستدعي تضافر جهود المجتمع الدولي لتقويض خطر الإرهاب، ومنع وصول الدعم لتنظيماته سواء بالمال أو السلاح أو الأفراد.
• الإشادة بتعزيز مصر لقيم التسامح والعيش المشترك: إذ كانت إشادة الرئيس “ترامب” بالجهود المصرية بقيادة الرئيس السيسي محل تأكيد بصورة ملفتة، وارتبطت بما تقوم به الدولة المصرية من إجراءات تستهدف تعزيز مبادئ العيش المشترك وقيم التسامح الديني وحماية حرية العبادة، وهو ما برز من قبل في تعليقات الرئيس الأمريكي خلال افتتاح (كاتدرائية ميلاد المسيح) بالعاصمة الإدارية الجديدة لتكون أكبر كنيسة بالشرق الأوسط.
• توافق مصري-أمريكي لإيجاد حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية: حيث ناقش الرئيس السيسي والرئيس ترامب خلال اللقاء أبرز تطورات مختلف القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، فقد أكد “السيسي” على دعم مصر لجميع الجهود المخلصة التي تهدف لإيجاد حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، على أساس مرجعيات وقرارات الشرعية الدولية، بما يسهم فى إعادة الاستقرار وفتح آفاق جديدة تستفيد منها جميع شعوب المنطقة. وخلال اللقاء الصحفي أعلن “ترامب” قرب إعلان خطة السلام وأن الطرفان يريدان السلام، كما أشار الى أن الصراع في فلسطين قد نال كثيراً من الدعم والاهتمام من مصر والسيد الرئيس بشكل خاص.
• رؤية مشتركة للقاهرة وواشنطن لتقديم الحلول السياسية لازمات المنطقة: قد جرى تناول ملفات الصراع في ليبيا وسوريا خلال اللقاء، وأكد الطرفان على أهمية التوصل إلى حلول سياسية لتلك الأزمات، وأكد الرئيس السيسي على تمسك مصر بدعم المؤسسات الوطنية وتماسكها؛ لحفظ وحدة الدول التي تعاني من أزمات وصيانة مقدرات شعوبها، وإنهاء المعاناة الإنسانية التي تعيشها شعوب تلك الدول.

دلالات اللقاء .. وتحديات استكمال المسار
وقد أكد هذا اللقاء بين “السيسي” و”ترامب” على عدة دلالات هامة تتصل بحجم الإنجاز الذي تقوده مصر داخلياً واقليمياً، كذلك الرؤية الدولية لمواقف مصر من القضايا الإقليمية والعالمية والتي تؤكد أن ثوابت السياسية الخارجية المصرية أعطت العديد من الفرص البديلة لاحتواء الصراعات وخفض التصعيد، وتحقيق نتائج ملموسة للحرب على الإرهاب. وحيث تتعدد تلك الدلالات على نجاح استراتيجية العمل المصرية داخلياً واقليمياً ودولياً، يمكن الإشارة الى أبرزها فيما يلي:
• سياسة خارجية متوازنة فعالة: تؤكد معطيات اللقاء على أن تبني الدولة المصرية لسياسة خارجية متوازنة بين الدول الإقليمية والكبرى وغيرها من الدول ذات المستقبل المشترك قد نجحت في تقديم نموذج ناجح -غير متطرف- سياسياً، قد حقق لمصر أقصى درجات المصلحة والاحترام من أطراف المجتمع الدولي والإقليمي.
• اعتماد برامج تنموية منضبطة: عكس اللقاء أهمية اتجاه مصر نحو تبني برامج الإصلاح الاقتصادي والمجتمعي بما يعكس تركيزاً متنامي على التنمية الشاملة، وهو محور اهتمام الدول الكبرى المشاركة بالقمة، وانعكست تلك البرامج على قفز معدلات النمو المصرية خلال الفترة الأخيرة الى معدلات قياسية على المستوى المحلى والدولي.
• تعزيز السياسات التسليحية الدفاعية: وهو ما يعكس أيضاً اتجاهات مصر نحو التحديث القومي، وابعاد فكرة الاعتداء الخارجي؛ إذ قامت مصر بتحديث قدراتها العسكرية بشكل يحقق الردع الفعال المرتبط بتنفيذ استراتيجية التنمية المصرية، ولذلك اتجهت العديد من الدول وفى مقدمتها الولايات المتحدة الى تعزيز التعاون المشترك في هذا القطاع. ويمكن التدليل على ذلك بعودة الجيشان المصري والامريكي لاستئناف مناورات “النجم الساطع”، كذلك اعتماد الشق العسكري من المعونات الامريكية دون تأخير أو تعطيل كما حدث في فترات سابقة.

وعلى هذا الأساس، يمكن الاستدلال على أن العلاقات المصرية الامريكية هي علاقات وثيقة واستراتيجية، وهو ما يفرض حجم كبير من التحديات على تعزيزها والوصول بها الى مستويات أكثر ارتقاءً؛ إذ تتطلب المرحلة الحالية من التاريخ الإنساني والتغيرات العاصفة بهيكل العلاقات الدولية، فضلاً عن التحديات الاقتصادية والتنموية التي تمر بها بلداننا الان، إعادة صياغة شاملة لمفاهيم الردع وبرامج التنمية الشاملة بما يتوافق واهداف التنمية وتحديات النظام السياسي العالمي.

وختاماً، فقد عكس اللقاء بين الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي” ونظيره الأمريكي “دونالد ترامب” الاهتمام المتبادل بين القادة لارتقاء بأطر التعاون المشترك فى جميع المجالات، فضلاً عن مواصلة التنسيق لترسيخ السلام والاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط، فى ضوء تعدد الأزمات التي تعاني منها المنطقة وخطورتها. وهو ما يقدم الدور المصري كفاعل بارز ومؤثر في مسار التسويات الإقليمية المستقبلية للازمات كسوريا وليبيا، بالإضافة الى استئثارها بقدر كبير من مفاتيح حل القضية الفلسطينية ستكون ذات تأثير كبير على مسارات الحل المقترحة، وسبل تعزيز الاستقرار الإقليمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى