تركياالعراق

تأثيرات ملموسة.. سياسة السدود التركية وانعكاساتها على العراق

أجرى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان افتتاحًا بروتوكوليًا لسد “إليسو” الواقع على نهر دجلة، في ولاية ماردين، بمناسبة الذكرى المئوية للجمهورية التركية. ويُعد السد الذي بدأ تشغيل أول توربين به في مايو 2020 بعد ثلاث سنوات من التأخير، واحدًا من 22 سدًا لتوليد الكهرباء ضمن مشروع جنوب شرق الأناضول “GAP” الذي بدأ في ستينيات القرن الماضي بهدف توليد الطاقة الكهرومائية وإدارة التحكم في الفيضانات والاستفادة من مياه دجلة والفرات للري، وكان لتلك السياسة المائية التركية أن فقد العراق 80% من موارده المائية.

ويُعد سد إليسو جزءًا من مشروع جنوب شرق الأناضول، وافقت الحكومة التركية على إقامته عام 1997، في ولاية ماردين على بعد 65 كيلومتر من الحدود العراقية، بطول 1820 مترًا، وعرض 2 كيلومترًا، وارتفاع 135 مترًا، بينما تبلغ مساحة حوضه 300 كيلومتر مربع، ويستوعب نحو 20.93 مليار متر مكعب مياه، لتوليد 1200 ميجاوات من الكهرباء، ليصبح بذلك رابع أكبر سد من حيث الطاقة الإنتاجية، بتكلفة 8.5 مليار ليرة. وقد رتب إنشاء السد تداعيات ديمغرافية وبيئية على تركيا تمثلت في تشريد نحو 80 ألف شخص من 199 قرية تركية، وإغراق بلدة “حصن كيفا” الأثرية التي يعود تاريخها إلى 12 ألف عام.

سياسة السدود التركية

منحت الجغرافيا تركيا السيطرة على ما يربو على 90% من مياه نهر الفرات و40% من مياه نهر دجلة، وهما النهران اللذان يغذيان العراق بنحو 98% من مياهه السطحية. وخلال النصف الأول من القرن الماضي، كانت المياه وفيرة في الأنهار مقارنة باحتياجات الدول الوطنية، وعليه، ركزت دول الحوض في الغالب على استخدام مياه النهر بطريقة محدودة. لكن منذ الستينيات، أدت التطلعات التنموية المتزايدة إلى زيادة المنافسة حيث تم تبني سياسات مائية أحادية من خلال بناء مشاريع مائية ضخمة، كان أكثرها تأثيرًا مشروع جنوب شرق الأناضول التركي مما شكل تحديًا خطيرًا للوضع المائي في سوريا والعراق.

وتاريخيًا، ربط السياسيون الأتراك الآمال التنموية للبلاد بالمياه الجارية، وشكلت فكرة ترويض الأنهار عبر أحدث التقنيات لتعزيز التقدم الاقتصادي والتحول الاجتماعي جزءًا مهمًا من رؤية تنمية وتحديث الدولة التركية، واعتبرت هذه الرؤية تطوير البنية التحتية للمياه أداة فعالة لمعالجة فجوة التنمية الاجتماعية والاقتصادية بين المناطق المتقدمة والمتخلفة في البلاد، خاصة الفجوة بين غرب وشرق الأناضول. وفي هذا السياق، تم تصور السدود والهياكل المماثلة كرموز للحداثة وأدوات للتكامل بين المناطق الحضرية والريفية.

واعتبرت الحكومة التركية إدارة وتنمية موارد نهري دجلة والفرات مسألة وطنية دون إعارة الاهتمام لتبعاتها الإقليمية، حيث نظرت إلى الطاقة المائية باعتبارها جانبًا مركزيًا لصورتها كدولة قومية ذات سيادة تسعى إلى التنمية. وفي هذا الصدد وبدءًا من الستينيات، قررت تركيا تطوير مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP)، لبناء السدود على نهري دجلة والفرات، مثل سدي كاراكايا وأتاتورك. وتم تصميم المشروع في البداية كبرنامج لتوليد الطاقة الكهرومائية وتطوير الري، لكنه تطور في أواخر الثمانينيات إلى مشروع تنمية إقليمي متكامل يقع في نطاقه 25% من إمكانات المياه في البلاد. ويتضمن المشروع بناء 22 سدًا (14 سدًا على نهر الفرات و8 على دجلة) و19 محطة لتوليد الطاقة الكهرومائية، بغرض ري مساحة 1.06 مليون هكتار وتوليد طاقة كهرومائية سنوية بقدرة 27 مليار كيلوواط ساعة.

وقد أدى إنشاء سدود مشروع “GAP” على نهر الفرات إلى اعتراضات من قبل العراق وسوريا، ومع ذلك، فإن السدود التي بنتها تركيا في الوديان العميقة للحوض الأعلى، حيث يوجد تبخر منخفض نسبيًا، تساعد على منع الفيضانات خلال مواسم الأمطار وتضمن تدفقًا منتظمًا للمياه على طول الحوض.

ورغم وجود بعض حالات التعاون الثنائي في السبعينيات والثمانينيات، جعلت سياسات حقبة الحرب الباردة من الصعب وجود أي آلية مستدامة لتقاسم المياه. ومع تغير ديناميكية الأمن الإقليمي ظهرت بعض علامات التعاون في الحوض خلال السنوات الأولى من هذا القرن، حيث وقعت تركيا مذكرة تفاهم بشأن إدارة المياه العابرة للحدود مع العراق وسوريا 1987، واتفقت أنقرة ودمشق على بناء سد مشترك عام 2009، وبالمثل، تم توقيع مذكرة تفاهم في مجال المياه بين تركيا والعراق عام 2009، تضمنت إشارات مباشرة للتعاون في إدارة الموارد المائية، وتحديث أنظمة الري، وحماية وتحسين الموارد المائية في نهري الفرات ودجلة.

ومع ذلك، فإن التعاون المائي في هذا الحوض لم يُحرز تقدمًا يذكر، إذ أدى عدم الثقة تجاه تركيا إلى رفض مذكرات التفاهم من قبل البرلمانات في العراق وسوريا، ثم جاءت الأزمة السورية عام 2011 لتنهي أمكانية إيجاد آلية تعاونية لمياه دجلة والفرات، فقد استغلت تركيا عدم الاستقرار السياسي لإحكام سيطرتها على المياه واستخدامها كورقة مساومة لتعزيز أمنها الإقليمي. 

وتتجاهل سياسة السدود التركية قواعد القانون الدولي المتعلقة بتقاسم مياه الأنهار الدولية، فبينما يطالب العراق بحصص تاريخية من مياه نهر دجلة، تدعي أنقرة حقها الحصري في استغلال مياه أنظمة الأنهار المشتركة (دجلة والفرات)، وفقًا لمبدأ السيادة الإقليمية المطلقة المعروف باسم “عقيدة هارمون” الذي يقضي بالسيادة المطلقة للدولة على الموارد المائية الواقعة داخل حدودها بغض النظر عن أي تأثيرات جانبية على الدول الأخرى، كما تُصر على استخدام عبارة “أنهار عابرة للحدود” وليس “أنهار دولية” للتنصل من الالتزامات الدولية بموجب اتفاقية قانون الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية لعام 1997، والتي كانت واحدة من ثلاث دول صوتت ضدها في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

علاوة على ذلك، تتجاهل أنقرة التزام البلدين بمعاهدة لوزان لعام 1923، التي اعترفت بالدولة القومية لتركيا الحديثة ورسمت حدودها مع العراق والدول العربية الأخرى، ووفقًا للمعاهدة، كان من المقرر تشكيل لجنة من تركيا وسوريا والعراق بهدف حل النزاعات المحتملة التي تثيرها المشاريع الهيدروليكية، كما طُلب من أنقرة إبلاغ العراق بأي بنية تحتية جديدة مخطط لها على طول الأنهار. كذلك يخالف المشروع معاهدة الصداقة الموقعة بين البلدين عام 1946 التي تضمن بروتوكولاً يهدف إلى تنظيم استخدام مياه نهري دجلة والفرات.

تداعيات سياسة السدود التركية على العراق

تستخدم تركيا قضية المياه كورقة ضغط ومساومة مع العراق وسوريا متجاهلة تمامًا القواعد القانونية الدولية ذات الصلة، وهو ما رتب جملة من التحديات نستعرضها على النحو التالي: 

• تقليص موارد العراق المائية: انخفضت حصة العراق المائية القادمة من تركيا إلى ما دون 9.5 مليار متر مكعب، نزولًا من 30 مليار متر مكعب دخلت العراق عبر نهر الفرات من تركيا وسوريا عام 1933. وقد كشف وزير الموارد المائية العراقي، مهدي رشيد حمداني، إن المياه القادمة من تركيا عبر نهري دجلة والفرات انخفضت بنسبة 50% خلال العام الجاري 2021، وانخفض المحتوى المائي لنهر الزاب (أحد روافد نهر دجلة) بنسبة 70% ووصلت روافده والأنهار التي تصل إلى سد دربنديخان شمال العراق إلى الصفر. 

ويمثل هذا خرقًا لاتفاقية عام 1987 الموقعة بين العراق وسوريا وتركيا، التي تعهدت بموجبها الأخيرة بإمداد سوريا بمعدل سنوي من المياه لا يقل عن 500 م3/ث وفي الحالات التي يكون فيها التدفق الشهري أقل من بمستوى 500 م3/ ث يوافق الجانب التركي على تعويض الفارق خلال الشهر التالي، على أن تمرر سوريا 59% من تلك المياه إلى الأراضي العراقية بموجب اتفاقية ثنائية بين البلدين عام 1989، إلا أن التدفق الحالي لا يتجاوز 200 م3/ث. 

• تهديد الأمن الغذائي: تزامن نقص تدفق المياه إلى العراق مع تصاعد ظواهر الجفاف وندرة المياه وانخفاض معدل هطول الأمطار وزيادة متوسط درجات الحرارة، وهو ما تسبب في تبوير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية التي تستهلك 80% من مياه العراق وتوفر فرص عمل لنحو 36% من السكان؛ إذ انخفضت قدرة الإنتاج الزراعي بالبلاد بنسبة 50% خلال العقدين الماضيين، وقد انخفض إسهام القطاع الزراعي في الناتج المحلي من 4.2% عام 2013 إلى 3.1% عام 2016، بحسب تقرير خطة التنمية الوطنية الصادر عن وزارة التخطيط العراقية، وبالتالي ارتفاع فاتورة الواردات الزراعية والضغط على الاقتصاد. وفي عام 2018، قدر برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن العراق سيفقد حوالي 25 ألف هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة سنويًا.  وبالفعل، بدأت ملامح التأثيرات السلبية على القطاع الزراعي ترتسم في قرار الحكومة العراقية بمنع زراعة بعض المحاصيل مثل الأرز والذرة والخضروات خلال فصل الصيف، والاكتفاء بزراعات الفواكه.

• تغير النظم الإيكولوجية العراقية: رتبت سياسة السدود التركية والإيرانية إلى جانب العوامل الجيولوجية وزيادة التبخر وقلة هطول الأمطار، تداعيات إيكولوجية تمثلت أبرز مظاهرها في جفاف مستنقعات بلاد ما بين النهرين التي أقام فيها عرب الأهوار لأكثر من 5 آلاف عام، وكانت أكبر نظام بيئي في غرب أوراسيا المدرجة في قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو. علاوة على جفاف بحيرة ساوة، التي يبلغ طولها 4.47 كم وعرضها 1.77 كم ويعود عمرها لآلاف السنين، وتعتبر من أبرز المناطق السياحية العراقية لقربها من المواقع الأثرية ومكانتها في الثقافة العراقية، كما أصبحت الأراضي المجاورة لها أرضًا قاحلة. فضلًا عن فقدان بحيرة حمرين الاصطناعية، المصدر الرئيسي للمياه في ديالى، ما يقرب من 70% من مياهها، حيث انخفضت قدرتها المائية إلى نحو 350 مليون م3 نزولًا من 3 مليارات م3 عام 2018.

وتفاقم التغيرات المناخية ظاهرة التغيرات الأيكولوجية؛ إذ أدى انخفاض معدل هطول الأمطار ووصوله إلى أقل من الثلث خلال شتاء 2017-2018، إلى انخفاض السعة التخزينية لخزانات المياه الجوفية إلى ما يقارب 50 مليار متر مكعب عام 2015 نزولًا من 157 مليار متر مكعب، بالتزامن مع زيادة معدل السحب إلى نحو 5.2 مليار متر مكعب، وسحب مياه جديدة بنحو 1.47 مليار متر مكعب سنويًّا عبر أنظمة المياه الجوفية، وفقًا لتقرير خطة التنمية الوطنية الصادر عن وزارة التخطيط العراقية. 

• تهديد السلم المجتمعي وتغذية الاضطرابات الأمنية: أحدثت المتغيرات السالف توضحيها تأثيرات ديمغرافية تمثلت في هجرات جماعية داخلية، فقد أفادت منظمة الهجرة الدولية بأن 21314 عراقيًا نزحوا داخليًا عام 2019 في المحافظات الجنوبية والوسطى بسبب نقص المياه الصالحة للشرب. وغالبًا ما تقترن عمليات النزوح بضعف الخدمات وتلوث المياه وعدم صلاحيتها للشرب بما يؤجج من حالة الاستياء الشعبي؛ فعلى سبيل المثال، تسببت إصابة 100 ألف شخص بأعراض مرضية ناجمة عن شرب المياه الملوثة في اندلاع احتجاجات عنيفة بالبصرة عام 2018، وتكرر المشهد نفسه في يناير 2020. كما أن نقص المياه أدى إلى نزاعات محلية بين القبائل بالأخص في المحافظات الجنوبية كميسان وذي قار، وقد سجلت الأمم المتحدة مواجهات شبه يومية في 38 موقعًا ببغداد وحدها عام 2013، إلى جانب نزاعات بين العرب والأكراد والتركمان في كركوك.

علاوة على ذلك، فإن الصعوبات الاقتصادية المرتبطة بحركة الهجرة الداخلية والمتعلقة بمشكلات نقص الإسكان والوظائف والكهرباء والغذاء والصراع على الموارد، تخلق بيئة حاضنة لنشاط التنظيمات الإرهابية وزيادة وتيرة التجنيد بين صفوفها، وهي ظاهرة لوحظت مرات عديدة؛ فخلال الجفاف الشديد عام 2010 وزع الجهاديون أغذية على السكان، وفي 2012، عندما أزالت الرياح الشديدة مئات من حقول الباذنجان بالقرب من كركوك قاموا بتوزيع النقود. كما اجتذب تنظيم داعش دعمًا أكبر في المجتمعات المحرومة من المياه مقارنة بغيرها، ففي منخفض الثرثار الواقع شمال غرب محافظة تكريت وشمال محافظة الأنبار انضم المزارعون الذين لديهم حقول قريبة من الرمال الزاحفة إلى التنظيم بأعداد أكبر من نظرائهم بالقرب من وادي النهر.

ويرى أستاذ الجغرافيا السياسية دياري الفيلي أن أزمة المياه ستؤدي لتدهور السلم المجتمعي، عبر تحفيز الصراعات العشائرية على الأراضي الزراعية والحصص المائية، وتحفيز بعض المحافظات نحو المطالبة بتشكيل أقاليم جديدة للسيطرة على حصص أكبر من المياه، إلى جانب احتمال موجات هجرة من الجنوب إلى الشمال.

• تأجيج التوترات السياسية: على الصعيد الخارجي، أثارت قضايا المياه نزاعات سياسية وعسكرية بين البلدين في مرتين منفصلتين، كانت الأولى عام 1975، عندما أدى بناء سد كيبان في تركيا وسد طهبا في سوريا إلى نقص حاد في المياه في العراق. والثانية عام 1990، عندما ملأت تركيا خزان سد أتاتورك وتسببت في حجز مياه نهر الفرات، مما قلل من تدفق المياه إلى العراق وسوريا بنسبة 75%، وردًا على ذلك، هدد العراق بقصف السد بينما هددت أنقرة بوقف تدفق المياه إلى العراق وسوريا بشكل كامل.

محفزات تفاقم أزمة المياه العراقية

بخلاف التداعيات السلبية للسياسات المائية لدول جوار العراق، تفاقم مجموعة من العوامل السياسية والطبيعية أزمة المياه، نستعرضها على النحو التالي:

• آثار التغيرات المناخية: يُعد العراق من أكثر البلدان تضررًا من ظاهرة التغيرات المناخية، إذ ارتفع متوسط ​​درجة الحرارة السنوية بمقدار 1-2 درجة مئوية بين عامي 1970 و2004، مما أدى إلى تفاقم حالات الجفاف. ووفقًا للحكومة العراقية، انخفض متوسط هطول الأمطار السنوي بنسبة 10% خلال العشرين عامًا الماضية. ويقدر العلماء انخفاض نسبة هطول الأمطار بحوالي 25% بحلول عام 2050، مما سيزيد من حدة التصحر وندرة المياه. علاوة على ذلك، يسبب ارتفاع درجة الحرارة زيادة التبخر مما يقلل من مستويات المياه المتاحة.

• الزيادة السكانية: إذ تشكل عنصر ضاغط على الموارد المائية المتناقصة، فبينما تضاعف عدد السكان ثلاثة مرات خلال الفترة بين 1970 و2007 ليصل إلى 30 مليون نسمة، فإنه تجاوز 40 مليون نسمة عام 2020، ويتوقع أن يرتفع إلى 44 مليونًا بحلول عام 2030، مما يزيد من الضغط على موارد المياه الشحيحة بالفعل.

• ضعف القدرة على التأثير: افتقر عراق ما بعد عام 2003، الذي تميز بمستويات عالية من عدم الاستقرار السياسي والعنف والتدخل الخارجي، إلى النفوذ اللازم لتعزيز موقفها التفاوضي تجاه تركيا بغية حماية حقوقها المائية وانتزاع بعض التنازلات، بعكس سوريا التي تمكنت خلال مرحلة ما من توظيف دعمها لحزب العمال الكردستاني كوسيلة ضغط، بما أفضى إلى توقيع اتفاقية تقاسم مياه نهر الفرات عام 1987. ومع ذلك، استمرت سوريا في دعم حزب العمال الكردستاني خلال فترة العشر سنوات التي تلت توقيع بروتوكولات عام 1987، واستمرت الاضطرابات بين تركيا وسوريا بشأن قضايا المياه حتى توقيع بروتوكول أضنة الأمني عام 1998، الذي مكن البلدين من التوصل إلى اتفاق ووضع الأساس لتعاون واسع النطاق يتراوح من التجارة إلى السياحة. علاوة على ذلك، في عام 2001، تم توقيع بروتوكول تعاون بشأن الموارد المائية بين إدارة التنمية الإقليمية GAP وSyria-GOLD (المؤسسة العامة لموارد الأراضي).

• غياب الإطار القانوي الملزم: حتى الآن لا توجد اتفاقية ثلاثية موقعة من قبل الدول المشاطئة (تركيا – سوريا – العراق) لإدارة حوض نهري دجلة والفرات بشكل مشترك وتخصيص حصص محددة لدوله، وحتى الأُطر القانونية القائمة حاليًا إما لا تُحترم كاتفاقية عام 1987 التي تُحدد حصة سنوية لسوريا بـ 500 م3/ث، أو تتعلق بمبادئ عامة تخص إدارة الموارد المائية وأنظمة الري دون إقرار حصص ثابتة أو إيجاد آلية لتقاسم وإدارة الموارد المائية أوقاف الجفاف أو وضع ضوابط لإقامة المشاريع على المجاري المائية المشتركة. فيما لا تعترف أنقرة باتفاقية الأمم المتحدة بشأن المجاري المائية لعام 1997 التي تمنح كل دولة مشاطئة وضعًا متساويًا وتدعو إلى نصيب عادل من مياه الأنهار العابرة للحدود. 

• الأولوية المتأخرة لقضية المياه عراقيًا: في ظل الانشغال بالقضايا السياسية والأمنية الملحة تراجع الاهتمام الحكومي بقضية المياه، وبُرز لك في عدة ظواهر شملت عدم وجود خطط لتأهيل السدود وإنشاء خزانات مائية فلم يُنشئ العراق سدًا واحدًا منذ عام 2003 مكتفيًا بالسدود التي أنشأها بين عامي 1959 و2002، واستمرار استخدام الأساليب التقليدية غير الاقتصادية في الزراعة والاستهلاك المنزلي دون وجود خطط حكومية طويلة الأمد لإدخال نظم حديثة،  واستمرار تشغيل البنية التحتية المتهالكة كشبكات الأنابيب المتهدمة، وعلى سبيل المثال، تبلغ نسبة الهدر نتيجة شبكات توزيع المياه القديمة في بغداد 29%، وتتراوح بين 20% و40% في بقية المحافظات، علاوة على تصريف مياه الصرف الصحي بشكل مباشر في نهري دجلة والفرات، كما طالت ظاهرة الفساد الموارد المائية العراقية عبر قيام شخصيات سياسية نافذة بردم أجزاء من روافد النهرين لبناء منشآت سكنية أو تجارية مما تسبب في تضيق مجراهما.

ختامًا، تتخذ تركيا من الورقة المائية أداة لتعزيز أجندتها الإقليمية، من خلال متابعة خططها لتكون “قوة مائية عظمى” إقليمية يمكن أن تمنحها السيطرة الرئيسية على مياه المنطقة، وهو ما يثير إشكاليات سياسية وأمنية وبيئية واقتصادية وديمغرافية عديدة تحمل تبعات سلبية على الدولة العراقية المهددة بفقدان ثلث أراضيها الزراعية وانخفاض ثروتها الحيوانية وتعرضها لموجات نزوح واسعة، وتُعزز تلك التداعيات جملة من العوامل السياسية والطبيعية التي تُفاقم أزمة المياه بالبلاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى