الأكثر قراءةأفريقيامكافحة الإرهاب

ملاذ بديل: المحددات الحاكمة لتنامي النشاط الإرهابي في القارة الأفريقية

اكتسبت القارة الأفريقية أهمية متزايدة على المستوى العالمي فيما يتعلق بعلاقتها بالإرهاب، وذلك خلال مرحلتين، الأولى عقب هجمات 11 سبتمبر باعتبار أفريقيا ساحة رئيسية من ساحات الحرب على الإرهاب، إذ كانت القارة السمراء هي الساحة التي جرت عليها الهجمات الأعنف للقاعدة قبل هجمات 11 سبتمبر (تفجيرات نيروبي ودار السلام عام 1998)، 

أما المرحلة الثانية فهي المرحلة التي عبرت عنها السنوات الأخيرة وبالتحديد منذ عام 2018، حيث تصدرت القارة الأفريقية سلم أولويات تنظيمات الإرهاب المعولم وعلى رأسها تنظيمي داعش والقاعدة، فضلاً عن التنامي الكبير في معدلات النشاط الإرهابي للتيارات المتطرفة العنيفة المحلية والتي بايع بعضها تنظيمات مثل: داعش والقاعدة وذلك في إطار استراتيجية التنظيمين للعمل والتعاون مع الجماعات المسلحة المحلية في أفريقيا، وهي الجماعات التي يمكن أن تتحول بعد ذلك إلى أذرع للتنظيمين.

دفعت هذه الاعتبارات كافة الدوائر السياسية سواءً الحكومية والتنفيذية الإقليمية والدولية، أو الدوائر الفكرية والأكاديمية والبحثية إلى جعل ملف الإرهاب في أفريقيا على رأس أولوياتها واهتماماتها، وهي متغيرات تصاعدت معها الحاجة إلى الوقوف على المحددات الحاكمة لتنامي النشاط الإرهابي في أفريقيا، وتنامي الاهتمام برصد ودراسة الظاهرة تبعًا لذلك.

أولًا- تنامي كبير في معدلات النشاط الإرهابي في أفريقيا

وفقًا لمؤشر الإرهاب العالمي لعام (2020) الصادر عن “معهد الاقتصاد والسلام” الكائن بمدينة سيدني الأسترالية، فقد وقعت ثلاث دول أفريقية ضمن قائمة الدول العشر الأكثر تأثرًا بالإرهاب في العالم خلال عام (2019). حيث احتلت نيجيريا المرتبة الثالثة (إجمالي الوفيات الناجمة عن الإرهاب 1245 شخصًا)، وجاءت الصومال في المرتبة الخامسة (إجمالي الوفيات الناجمة عن الإرهاب 569 شخصًا)، في حين جاءت جمهورية الكونغو الديمقراطية في المرتبة التاسعة (إجمالي الوفيات الناجمة عن الإرهاب 559 شخصًا)، وأشار المؤشر إلى أن أفريقيا وتحديدَا في جنوب الصحراء أصبحت واحدة من أكثر عشرة مواقع خطرة في العالم.

https://marsad.ecss.com.eg/wp-content/uploads/2020/12/%D8%A7%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8-2-1.png

ووفقًا لتقارير “عدسة الإرهاب في إفريقيا” التي تصدر شهريًا عن مُؤسسة “ماعت للسلام والتنمية” شهدت القارة الأفريقية خلال الفترة من يناير حتى سبتمبر (2021) سلسلة من الهجمات الدامية، تخطت 474 هجومًا، وخلفت ما يزيد عن8365 قتيلًا، فضلًا عن إصابة وتشريد ونزوح وخطف الآلاف من الأفراد، ووفقًا للبيانات الواردة بالتقارير فإن أكثر شهر شهد سلسلة من العمليات الإرهابية خلال الفترة من يناير حتى سبتمبر من العام (2021)، هو شهر يناير الماضي، حيث شهد وقوع ما لا يقل عن 66 هجوم إرهابي، بينما كان شهر مارس الماضي الأعنف من ناحية عدد ضحايا الهجمات المنفذة في القارة، بواقع 1835 قتيلًا. وهو ما يتضح في الشكل التالي:

تعكس هذه الأرقام أن الأمور في القارة الأفريقية فيما يتعلق بالنشاط الإرهابي تتجه نحو الأسوأ، وهو ما أكده “مؤشر الإرهاب العالمي” في نسختيه الأخيرتين، إذ أشار إلى أن أفريقيا ستمثل بؤرة الإرهاب الملتهبة في العالم خلال المستقبل القريب.

ثانيًا- توجه تيارات الإرهاب المعولم نحو أفريقيا

مُنيت تيارات الإرهاب المعولم وعلى رأسها تنظيم داعش، خلال السنوات الأخيرة بالعديد من الهزائم والضربات التي كبدت التنظيم خسائر ضخمة، وذلك مع انهيار ما يعرف بـ”استراتيجية التمكين” التي تبناها تنظيم داعش، وهي الاستراتيجية التي سقطت بسقوط “الخلافة الداعشية” في  الموصل في سبتمبر 2017، والباغوز في مارس 2019، وهو الأمر الذي دفع التنظيم إلى تبني تغيرات تكتيكية على مستوى استراتيجيات التمدد وممارسة النشاط الإرهابي، حيث تحولت أولوية التنظيم إلى إعادة بناء نفسه، من خلال استقطاب عناصر جديدة، وجماعات مسلحة تنضوي تحت لوائه، مع السعي لتكوين مناطق تمركز وحضور جديدة خارج نطاق مناطق النفوذ والارتكاز التقليدية.

وقد ركز تنظيم داعش على مناطق الساحل والصحراء، ووسط وغرب أفريقيا، ولوحظ أن التنظيم ركز في تحركاته في القارة الأفريقية على مسألة “الانتشار القاعدي” في مناطق جديدة مثل: خليج غينيا، وهو التحرك الذي قرأته العديد من التقديرات على أنه نتاج الاستراتيجية الجديدة لداعش والتي تستهدف خلق مناطق نفوذ جديدة، بما يضمن جعل التنظيم متفوقًا على كافة تنظيمات الإرهاب العالمية من حيث مستوى الانتشار الجغرافي، فضلًا عن زيادة قدرة التنظيم على منافسة تنظيم القاعدة في أفريقيا.

وكان خبراء أمميون قد حذروا في تقرير لمجلس الأمن الدولي في يوليو (2021) من أن أفريقيا أصبحت المنطقة الأكثر تضررًا من الإرهاب في النصف الأول من عام (2021). وحذر الخبراء من تنامي النشاط الإرهابي عبر الحدود من مالي إلى بوركينا فاسو وساحل العاج والنيجر والسنغال بالإضافة إلى التوغل من نيجيريا إلى الكاميرون وتشاد والنيجر في غرب أفريقيا، وفى الشرق امتدت الجماعات الإرهابية من الصومال إلى كينيا ومن موزمبيق إلى تنزانيا.

ثالثًا- مكاسب استراتيجية للتنظيمات الإرهابية في أفريقيا

لا يمكن قراءة تنامي النشاط الإرهابي في القارة الأفريقية بمعزل عن الأهداف الاستراتيجية الأوسع الحاكمة لتحركات التيارات الإرهابية، فالإرهاب في ذاته ليس هدفًا بقدر ما هو أداة تستخدمها هذه التيارات بما يخدم على مشروعاتها السياسية، وأطماعها التوسعية، وتصوراتها المتطرفة، فالقارة الأفريقية تتمتع بموقع جغرافي متميز يجعلها تتحكم في المضايق والبحار وخطوط النقل البري والبحري، وهو الأمر الذي يزيد من الأهمية الجيوسياسية والاستراتيجية للقارة الأفريقية بالنسبة للتنظيمات الإرهابية، إذ أن السيطرة على هذه الممرات والطرق سوف يمثل ورقة ضغط قوية على كافة القوى الإقليمية والدولية.

أيضًا فإن القارة الأفريقية بما تملكه من موقع جغرافي متميز، وثروات اقتصادية ضخمة، تمثل فرصة كبيرة بالنسبة للتنظيمات الإرهابية على صعيد تعزيز شبكات الدعم والتمويل، فضلًا عن المزايا العملياتية الكبيرة التي تتيحها القارة بالنسبة لهذه التنظيمات، وهي المزايا الناتجة عن ضعف الرقابة على الحدود، والانتشار الواسع للأسلحة والمعدات الحربية في كافة دول القارة، بفعل الصراعات المسلحة والحروب الداخلية، وهو الأمر الذي توظفه تنظيمات الإرهاب من أجل زيادة قدراتها التسليحية والعملياتية، أيضًا توفر هذه الصراعات الداخلية والحروب الأهلية مقاتلين ذوي خبرات ميدانية كبيرة، وبالتالي فاستقطاب التنظيمات الإرهابية لهؤلاء يمثل دعمًا كبيرًا بالنسبة لقدرات واستراتيجيات هذه التنظيمات.

وفي ذات السياق ترى التيارات الإرهابية أن انتقال مسرح عملياتها إلى مناطق جديدة مثل أفريقيا، يحقق ما يمكن تسميته بـ “أقلمة الصراع” مع القوى الكبرى، ويتيح فرصة لهذه التنظيمات لضرب مصالح هذه القوى في أفريقيا، وإدارة حرب استنزافية طويلة معها.

رابعًا- أفريقيا كبيئة محفزة للنشاط الإرهابي

تُعرف الأدبيات السياسية الدولة الضعيفة أو الفاشلة، على أنها تلك الدولة التي تعاني من ضعف هيكلي عام، بما يؤدي إلى عدم قدرة الدولة على ممارسة اختصاصاتها في كافة المجالات، مع المعاناة من اضطرابات وحروب وتوترات داخلية بشكل متزايد، فضلًا عن عدم قدرة الدولة على فرض سيطرتها وإنفاذ سلطتها على كافة الأقاليم والأراضي، بما يجعل بعض أراضي الدولة بعيدة عن سلطة الحكومة المركزية ونظام الحكم السياسي.

ويدخل في إطار “الدولة الضعيفة / الفاشلة” أكثر الدول الأفريقية، مما يجعل هذه الدول مطمعًا للجماعات الإرهابية، التي تنظر إلى هذه الدول على أنها فرصة ومساحة أمثل للحضور والانتشار، خصوصًا مع ضعف المؤسسات الأمنية، والمناخ السياسي – الاجتماعي المضطرب، والأوضاع الاقتصادية المأزومة – مما يسهل عملية استقطاب عناصر جديدة -، فضلًا عن عدم قدرة الحكومات على بسط سيطرتها على كامل حدودها السياسية بما يسهل عملية اتصال التنظيمات الإرهابية بالعالم الخارجي وبالتنظيمات الإرهابية الأخرى، كذلك يمثل شيوع ظاهرة الفساد في الدول الأفريقية فرصة بالنسبة للتنظيمات الإرهابية لاختراق المؤسسات الحكومية في هذه الدول، وتوظيفها بما يخدم على الأنشطة الإرهابية.

خامسًا- مخاوف من تداعيات صعود طالبان على الإرهاب في أفريقيا

مثّل صعود حركة طالبان وسيطرتها على مفاصل الدولة الأفغانية، مصدر تخوف للعديد من الدوائر السياسية، حيث رأت هذه الدوائر أن صعود طالبان قد يمثل نموذجًا مُلهمًا بالنسبة للتنظيمات الإرهابية في أفريقيا، بما يعزز من آمالهم في إقامة ما يعرف بـ “الخلافة”، وعزز من هذه المخاوف اعتبارين: أولهما، توجه بعض القوي الإقليمية والدولية كفرنسا وتشاد إلى سحب بعض قواتهم المرابطة لمكافحة الإرهاب في المنطقة، ما يترك فراغًا أمنيًا قد تستغله الجماعات الإرهابية في التمدد وتعزيز نفوذها في القارة. 

وثانيهما، توجه بعض الحكومات الأفريقية نحو إجراء مباحثات مع جماعات التطرف العنيف، كما حدث في مالي مؤخرًا، الأمر الذي قد تكون له نتائج سلبية على جهود مكافحة الإرهاب في المنطقة، فالجلوس على طاولة المفاوضات قد يمثل نجاحًا لهذه التيارات، وحافزًا لها لمواصلة نشاطها الإرهابي. ويعد تحول حركة طالبان من مجرد جماعة إرهابية في نظر بعض القوى الدولية إلى شريك أساسي يتم الجلوس معه على طاولة المفاوضات ونجح في الوصول إلى سُدة الحكم، مثالًا معبرًا على ذلك.

ختامًا، يمكن القول إن القارة الأفريقية بما تملكه من مميزات جيوسياسية واستراتيجية كبيرة، وما تعج به من أزمات أمنية وتنموية وسياسية واجتماعية بما يوفر بيئة “مُحفزة ومولدة للإرهاب”، يجعلها مرشحة أكثر من غيرها من المناطق لتكون القبلة الرئيسية لتنظيمات الإرهاب المعولم في الفترات القادمة، خصوصًا في ظل فشل مقاربات مكافحة الإرهاب في القارة سواء الإقليمية أو الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى