الأكثر قراءةمصر

القاهرة واشنطن.. ماذا يعني بدء جولات الحوار الاستراتيجي بين مصر والولايات المتحدة؟

أعلنت الخارجية الأمريكية في بيان لها أن وزير الخارجية المصري سامح شكري سيتوجه للولايات المتحدة لعقد لقاءات مع نظيره الأمريكي أنتوني بلينكن بين يومي 8 و 9 نوفمبر، وذلك في إطار جولات الحوار الاستراتيجي بين البلدين التي ستُجري العاصمة واشنطن بحضور كبار المسؤولين الأمريكيين من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ووزارة الدفاع.

وأعلنت الخارجية الأمريكية في بيانها أن مصر شريك حيوي للولايات المتحدة، وأن واشنطن ملتزمة بتنمية هذه الشراكة مع القاهرة وتنميتها في الجوانب الثقافية والاقتصادية والعسكرية والأمنية والسياسية، وقال البيان أن هذا الحوار الاستراتيجي يمثل فرصة للنهوض بكل مجال من مجالات التعاون لتحسين حياة كل من المصريين والأمريكيين.

فكيف تُعبّر جولة الحوار الاستراتيجي الحالية عن حجم التغير في نظرة الحرس القديم للجناح الديمقراطي في واشنطن لمصر، وما الفرص والعوائق التي تحملها؟

جولة الحوار الاستراتيجي الحالية.. الأقدم ولكنها الأولي! 

يعد الحوار الاستراتيجي بين مصر والولايات المتحدة من أقدم نماذج الحوارات الاستراتيجية في المنطقة، حيث تأسس في العام 1998 في ظل إدارة بيل كلينتون، وظل يجري بشكل دوري منذ ذلك الحين، إلا أنه توقف توقف من 2009-2015، أي في بداية إدارة باراك أوباما، وبداية موجات ما يُسمي بالربيع العربي 2011. على الرغم من أن الحوار رمزي في المقام الأول، إلا أنه يمثل فرصة لمشاركة مجموعة واسعة من الأولويات الثنائية.

وتعد جولة الحوار الحالية هي الأولي من نوعها في عهد إدارة جو بايدن، وتجدر الإشارة أنه تم تحديد موعدها سابقاً عقب اجتماع بين وزير الخارجية سامح شكري ونظيره الأمريكي بلينكين على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة. ويعتبر الرئيس الأمريكي الحالي امتداداً للحرس القديم في الجناح الديمقراطي، الذي تبني قبل عقد من الزمان مشروع تمكين جماعات الإسلام السياسي من دول وحكومات الشرق الأوسط لمواجهة النشاط الإرهابي، إلا أن هذه المقاربة أثبتت فشلها مع انكشاف الارتباطات الأيديولوجية والعقائدية بين المكاتب السياسية لجماعات الإسلام السياسي والشبكة الإقليمية لتنظيمي داعش والقاعدة تحديداً.

وتجدر الإشارة للسبق المصري في مواجهة هذه المشاريع الهدامة، في الوقت الذي تبنت فيه إدارة باراك أوباما دعمها على نحو واسع، ما سبب فتوراً في العلاقات بين القاهرة وواشنطن، وتوقف الأنشطة العسكرية المشتركة كمناورات النجم الساطع من الفترة 2011-2017. 

إلا أن إدارة بادين أبدت بشكل تدريجي تفهماً لخصوصية الحالة المصرية، وحرصت على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، وهو ما ظهر في الاتصالات الهاتفية التي أجراها جو بادين مع الرئيس السيسي في مايو الماضي لبحث تثبيت اتفاق وقف اطلاق النار بين الفصائل الفلسطينية المسلحة وإسرائيل، فضلا على زيارة مستشار الأمن القومي الأمريكي “جيك سوليفان” للقاهرة ولقاءه الرئيس السيسي في 29 سبتمبر الماضي. ويظهر الفارق في تعامل الإدارة الديمقراطية الحالية مع مصر، إذا ما وضعنا في الاعتبار تعامل إدارة باراك أوباما مع تطورات الحالة المصرية المتلاحقة وخاصة في ثورة 30 يونيو 2013.  

الشؤون العسكرية والأمنية في القلب من الحوار الاستراتيجي:

في القلب من هذا الحوار الاستراتيجي تأتي لجنة العلاقات العسكرية المشتركة، اذ تعد نواة جولات الحوار، لما للعلاقات العسكرية من خصوصية في العلاقة بين القاهرة وواشنطن. 

كما عُقِدت الدورة الثانية والثلاثين للجنة التعاون العسكري الأمريكية المصرية (MCC) في القاهرة في الفترة من 20 إلى 21 سبتمبر. وقد ترأست نائبة مساعد وزير الدفاع الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط دانا سترول الوفد الأمريكي، بينما ترأس الوفد المصري الفريق أول عباس حلمي قائد القوات الجوية.

وتعد لجنة التعاون العسكري بين مصر والولايات المتحدة هي الحوار الدفاعي الاستراتيجي الأول بين الولايات المتحدة ومصر لمناقشة التعاون الدفاعي والأهداف الأمنية المشتركة وسبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية في المجال العسكري، وقضايا الأمن الحدودي والبحري ومكافحة الإرهاب وقابلية التشغيل البيني بين المصرية والأمريكية. وجاءت الدورة الثانية والثلاثون للجنة التعاون العسكري الأمريكية المصرية عقب اختتام مناورات النجم الساطع لهذا العام.

وعلى الرغم من وضع الجوانب العسكرية تحت طاولة المباحثات في لجنة العلاقات العسكرية بين البلدين، إلا أنه سيتم تغطية الجانب العسكري في جولة الحوار الاستراتيجي نظراً لمركزيته في العلاقات المصرية الأمريكية. 

ما الذي يجعل هذه الجولة من الحوار الاستراتيجي أن تكون فارقة؟

يبدأ العقد الجديد في إقليم الشرق الأوسط على واقع مختلف عنوانه الرئيسي “تغيير مصفوفة القوي الإقليمية في المنطقة” وذلك على إثر الزلزال المدوي الذي أحدثته ثورة الثلاثين من يونيو2013، إذ يمكن القول إنها أسست لتغيير خريطة التحالفات، بعدما رُسِم لمصر أن تكون قوة ثانوية تابعة ومسيسة ضمن مشاريع التوسع العقائدية لكل من تركيا وإيران. فإذا بثورة الثلاثين من يونيو تعيد وضع مصر كلاعباً رئيسياً في المشهد الجيوسياسي في المنطقة لتعيد مصر بناء منظومة الأمن الإقليمي العربي كمجهود فكري وتخطيطي عال التعقيد، ما يضع مصر في قلب التفاعلات الاستراتيجية في المنطقة وليس على هامشها. تلك المنطقة الممتدة من أفغانستان شرقاً لساحل غينيا غرباً؛ ومن شرق ووسط أوروبا شمالاً، لما بعد منابع وادي النيل جنوبا.

هذا التغير الدرامي في طبيعة أدوار مصر ما كان له إلا أن يتفاعل مع الإدارات الأمريكية في الفترة (2011-2021) بصورة أكثر نشاطاً، تحمل في طياتها تأرجحاً في العلاقات المصرية الأمريكية، بين الاستقرار وتقاطع المصالح، وتباين تقديرات المواقف. ويمكن تحديد أبرز نقاط تقاطع المصالح بين مصر والولايات المتحدة، كالآتي:

  • القضية الفلسطينية: تدرك الإدارة الامريكية الحالية أن مصر هي مركز القضية الفلسطينية، فهي الطرف الإقليمي والدولي الوحيد الذي يملك قنوات اتصال مع كافة الفصائل الفلسطينية المسلحة، والحكومة الفلسطينية في الضفة الغربية، وكذلك قنوات اتصال مع الحكومة الإسرائيلية، ما جعل مصر تدير عملية التهدئة الأخيرة بين الفصائل المسلحة وإسرائيل، مايو من العام الجاري، وتتوصل لاتفاق وقف اطلاق النار، بعدما بدأت تتجه الحرب لمستويات عالية من الاستهدافات النوعية بين الطرفين. وتتوافق المقاربة الأمريكية الحالية مع المصرية في وقف الاستيطان وكسر الجمود في مسارات التفاوض الرامية لإقرار السلام وحل الدولتين. كما استقبلت مصر كل من ملك الأردن والرئيس الفلسطيني في القاهرة، ورئيس الوزراء الإسرائيلي “بينيت” في شرم الشيخ، لبحث استئناف المفاوضات. 
  • الحرب الليبية: تتوافق الرؤي المصرية والأمريكية في الملف الليبي في جزئية الدفع بالعملية الانتقالية لاجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها 24 ديسمبر وخروج كافة التواجد العسكري الأجنبي من البلاد، بما في ذلك المرتزقة السوريين الذين جبلتهم تركيا من الشمال السوري، ومرتزقة فاغنر الروس، الذين ينتشرون في مناطق الوسط والجنوب الليبي.  
  • شرق المتوسط: نجحت مصر في حيازة موضع وموقع “مركز تداول الطاقة في الإقليم”، اذ استحوذت على فائض الغاز الإسرائيلي والقبرصي، وقامت بالربط الكهربائي مع قبرص واليونان. ولعل الفارق في هذه الحيازة، هو توقيتها الذي يجئ في الوقت الذي تتعرض فيه أوروبا لابتزاز روسي جديد بملف الطاقة، والتسبب في ارتفاع أسعار الغاز تحديداً. وتدعم الولايات المتحدة ظهور شرق المتوسط كمورد بديل للطاقة لأوروبا عوضاً عن الروسي، أو تخفيف تلك الاعتمادية تدريجيا. 

نقاط التباين:

  • السد الاثيوبي: على الرغم من ايفاد واشنطن لمبعوث جديد للقرن الافريقي، إلا أنها تضع ديناميكيات الحرب الاهلية الاثيوبية كأولوية عن التوصل لاتفاق ملزم وقانوني شامل بين اثيوبيا مع مصر والسودان، لملء وتشغيل السد وفقاً لاتفاقية اعلان المبادئ، وعلى الرغم من فرض الولايات المتحدة عقوبات على الجانب الاثيوبي منذ مطلع العام الجاري، إلا أنها تظل غير كافية لردع سلوكه سواء في الحرب الاهلية أو تعنته في المفاوضات مع مصر والسودان. إذ تحاول القاهرة عبر جملة ارتباطاتها مع واشنطن، التمكن من وضع السد الاثيوبي كأولوية أمام واشنطن في كامل منطقة القرن الافريقي. 
  • ملف حقوق الانسان: قدمت مصر نظرتها الفلسفية والأخلاقية لقضايا حقوق الانسان في “الاستراتيجية الوطنية للحقوق الانسان” التي راعت مختلف الجوانب في مجال الحقوق والحريات بما يتناسب مع الشخصية وخصوصية الحالة المصرية وتفرد طباعها، واختلاف تحدياتها وتهديداتها الأمنية التي لا تنحصر فقط في نشاط تكفيري بقدر ما تأتي في آيديولوجيات متطرفة. إلا ان النظرة الامريكية لملف الحقوق تظل تراوح منطقة التباين، تارة بفعل أدبيات الإدارة الامريكية، وتارة أخري بفعل لوبيات الضغط، التي سرعان ما تسعي توظيف هذا الملف للإضرار بمستوي الشراكة المصرية الامريكية.
  • سد النهضة السودان :

حتمية الشراكة العسكرية والأمنية: مواجهة إرهاب وقرصنة وتأمين خطوط ملاحية ودعم لوجيستي

الشراكة الاقتصادية: تجارة مشتركة

الشراكة السياسية: تسوية القضية الفلسطينية – شرق المتوسط – ليبيا – السودان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى