الأكثر قراءةعلوم وتكنولوجيا

“ميتا”.. إلى أين سيأخذنا خيال مارك العلمي؟

آثار ما أعلنه مؤسس شركة “فيسبوك” مارك زوكربيرج الكثير من الضجة حول قيامه بتغيير اسم شركته الكبيرة إلى “ميتا”، والتي يدعو الناس من خلالها إلى التطور نحو عالم تقني جديد عبر الإنترنت واستخدام العديد من التقنيات التي تتيح لهم العيش عبر العالم الافتراضي والذي أطلق عليه “METAVERSE” أي ما وراء أو ما بعد الكون. والسؤال المثير للاهتمام.. ما الذي يختبئ وراء كون مارك؟ وهل ستصبح أفلام الخيال العلمي حقيقة ملموسة؟

ما المعنى الحقيقي لـ “METAVERSE”؟

بدأ عدد كبير من الشركات الضخمة استخدام مصطلح” ميتافيرس”، من أجل الاستمتاع بالمجد المنعكس من هذه الكلمة والتي تُستخدم بشكل فضفاض لتعريف كل ما هو قادم للإنترنت، عالم افتراضي يعكس عالمنا، يعيش فيه كل فرد وهو يختبئ خلف شخصية قد تكون تشبهه في الواقع الحقيقي وقد لا تكون كذلك.

سيكون metaverse عبارة عن فضاء إلكتروني جماعي ضخم، يربط الواقع المعزز والواقع الافتراضي معًا، وسيتمكن الناس من التنقل بسلاسة من نشاط إلى آخر.

كل شخص سيختار ما يجب أن يكونه في هذا العالم، إلى أين سيذهب ويسافر، ومع من سيتعامل، وسيحدد طريقة البيع والشراء من خلاله بعملات مشفرة لا يستطيع حتى الإمساك بها. “ميتافيرس”.. ستكون طريقة جديدة لخلق التجارة والاتصالات، ومن المحتمل عندما ننظر إلى الوراء بعد عقد أو اثنين بعد حدوثه بالفعل، من المؤكد أننا سنرى شيئًا مختلفًا تمامًا عما تنبأ به معززاته. والمعنى الحقيقي للعلامة الجديدة اللانهائية ∞ هي أن META موجودة لتبقى إلى الأبد.

مدينة فاضلة تقنية

يضع مارك رهانًا جريئًا عبر رؤيته للمستقبل، فهو يسعى من خلال “ميتا” أن ينشئ مدينة تقنية حيث يرتبط الناس ويعيشون في عالم افتراضي، فهو “إنترنت متجسد حيث يكون الشخص في التجربة، وليس مجرد ناظرًا إليها”، وفي حين أن هذه الرؤية تبدو بعيدة المنال في المستقبل، إذ أنها قد تكون غير قابلة للتحقيق على الإطلاق، فإن زوكربيرج مقتنع تمامًا بأن شبكته الاجتماعية البالغ قوامها نحو 3 مليار مستخدم، يجب أن تتحرك بشكل حاسم لالتقاط ما يعتقد أنه سيكون التطور القادم للإنترنت.

حيث أشار إلى نيته بإعادة تسمية FACEBOOK وإعادة هيكلته وتقسيمه بحيث تصبح أعمال الشبكة الاجتماعية الأساسية نصف META، بينما تكون REALITY LABS هي القسم المخصص المشرف على METAVERSE، باستثمارات تبلغ 10 مليار دولار عام 2022 وعدد كبير من المهندسين يصلوا إلى 20 ألف مهندس.

أعطى الإعلان المثير للجدل فيسبوك “ميتا” الآن، قيادة مبكرة وحاسمة في السباق لبناء عالم غني عبر الإنترنت، لكنه يثير أيضًا تساؤلات مهمة حول مستقبل نموذج أعمالها، فضلاً عن مخاوف عديدة بشأن ما إذا كان بإمكان مستخدميها التأكد من خصوصيتهم وأمنهم.

أفلام الخيال العلمي كان لها السبق 

مفهوم “metaverse ” موجود قبل وقت طويل من وجود Facebook نفسه، فغالبًا كان يصف المستقبليون وخبراء التكنولوجيا بأنه خليفة للإنترنت، فقد تصوروا metaverse كمكان تتلاقى فيه حقائقنا المادية مع تجارب افتراضية مختلفة في مساحة افتراضية مشتركة. تم استكشاف هذه الفكرة بطريقة أو بأخرى من قبل مؤلفي الخيال العلمي أو صانعي أفلام هوليوود على مدى العقود العديدة الماضية، والتي تم تصويرها عمومًا على أنها منصة للواقع الافتراضي حيث يمكن للمستخدمين إنشاء صورة رمزية للتفاعل مع زملائهم من السكان الرقميين.

حتى أن اسم – metaverse – تم تبنيه من رواية عام 1992 “Snow Crash”، حيث تلعب الحبكة ما بين الواقع الافتراضي والواقع المادي، حيث يتفاعل البشر كأفاتار مع بعضهم البعض ومع برمجيات، في فضاء افتراضي ثلاثي الأبعاد مشابه للعالم الحقيقي. وهناك مجموعة من الأفلام التي تناولت هذا الأمر ونذكر منها على سبيل المثال:

– “The MATRIX” 

وهي سلسلة من الأفلام التي صورت المستقبل بشكل بائس حيث تكون البشرية محاصرة داخل عالم افتراضي يسمى ماتريكس، صنعته الآلات الذكية لإلهاء البشر أثناء استخدام أجسادهم كمصدر للطاقة.

– فيلم” Ready Player One” 

وهو رواية خيال علمي من تأليف إرنست كلاين، يصور عام 2045 محاصرًا بأزمة الطاقة والاحتباس الحراري، مما يتسبب في مشاكل اجتماعية وركود اقتصادي. وكان الهروب من كل هذه المشاكل هو Metaverse  باستخدام سماعة الرأس وقفازات سلكية.

– مسلسل Black Mirror

وهو سلسلة من الحلقات التي تحاكي تأثير التطور التكنولوجي على سلوكيات البشر في المستقبل.

إن أسهل طريقة لتصور هذا المفهوم، هي مراقبة مجتمع الألعاب – وهو أقرب ما وصلت إليه أي مجموعة لدخول ما يسمى metaverse، فقد أنشأ هؤلاء اللاعبون صورًا افتراضية لأنفسهم، والتي تتفاعل مع الصور الرمزية الافتراضية الأخرى عبر عوالم الإنترنت المستمرة. إنهم يعملون معًا في الوقت الفعلي، ويرتبون لقاءات، بل وينفقون العملات داخل اللعبة، كل ذلك أثناء التواصل عبر سماعات الرأس أو الدردشة.

اختراق لا مبالاة المستهلك

بنجاح خطط زوكربيرج، فإن المكاسب المحتملة ليست مجرد مليارات الدولارات من عائدات الإعلانات، بل نتحدث عن نشاط تجاري مزدهر للتسوق عبر الإنترنت يعتزم دعم اقتصاد رقمي بديل – حيث يمكن للمستخدمين من خلاله شراء عناصر رقمية، مثل الفن أو الملابس، لأخذها معهم أثناء انتقالهم عبر العالم الافتراضي، حيث ستزداد شعبية العملات المشفرة التي ستلعب دورًا حتميًا في هذا العالم المشترك.

فسنرى مستخدمين يسبحون في عالم رقمي من الإعلانات الافتراضية، مليء بالسلع الافتراضية التي يشتريها الناس، سيكون هناك أشخاص افتراضيون يتزوجون، بينما يقضون أقل وقت ممكن في العالم الواقعي.

تقنيات تتيح السفر إلى العالم الافتراضي

العلامة التجارية الجديدة تركز على تخلي الأشخاص عن الشاشات واختبار تأثير تواجدهم في الواقع الافتراضي، فسيكونون قادرين على التنقل الفوري كصورة ثلاثية الأبعاد إلى أي مكان، في المكتب للعمل، أو في حفلة موسيقية مع الأصدقاء، والكثير من المغامرات الشيقة التي يختارونها.

 وتقدم ” ميتا” منتجات تعمق معنى الميتافيرس مثل نظارات الواقع المعزز VR من شركة Oculus التي اشترتها فيسبوك سنة 2014 بملياري دولار، وتم بيع حوالي 1,87 مليون جهاز من هذا النوع حول العالم، ويعتقد زوكربيرج أنها ستكون موجودة في كل مكان مثل الهواتف الذكية. بالإضافة إلى Horizon Worlds، وهي لعبة واقع افتراضي على الإنترنت يتم لعبها باستخدام سماعة رأس Oculus VR ووحدات تحكم محمولة.

في Horizon Worlds، يقوم المستخدمون بإنشاء ألعاب وعوالم من تصميمهم الخاص، وأطلق   Facebook الإصدار التجريبي من Horizon Workrooms في أغسطس الماضي، وهو إصدار احترافي من تطبيق Horizon يسمح لمستخدمي Oculus (صانع أجهزة الواقع الافتراضي)، بالاجتماع في غرف اجتماعات افتراضية قابلة للتخصيص حيث يمكن لنسخ الأفاتار الخاصة بهم التحدث والتعاون في المشاريع، والعمل على أفكارهم معًا على لوحات بيضاء رقمية، ويمكن أيضًا لزملاء العمل الذين ليس لديهم سماعة رأس الانضمام إلى الغرفة عبر مكالمات فيديو. وسيكون هناك مكان اسمه Horizon Home سيمكنك من تصميم منزلك بالكامل وتحديد الواجهة التي تطل عليها، وداخل هذا المنزل سيمكن استضافة أصدقاء لك من جميع أنحاء العالم ودعوة أي شخص تريده ومشاركة الألعاب والأنشطة الرياضية والترفيهية.

والأمر لا يتوقف عندك ذلك، بل يصل إلى الشركات وطريقة عملك كموظف، إذ سيكون داخل هذا العالم الافتراضي مكان اسمه Horizon Workplace يمكنك القيام بعملك والاطلاع على كافة التقارير، وعمل اجتماعات افتراضية مع مديريك في العمل حتى ولو كانوا في النصف الآخر من الكرة الأرضية، وكل ذلك دون أن تتحرك من منزلك.


كما صرح مارك أنه وبالتعاون مع علماء من جامعة كارنيجي ميلون، فقد ابتكر باحثو الذكاء الاصطناعي في Meta”” جلدًا بلاستيكيًا قابلًا للتشكل بسمك أقل من 3 ملليمترات، إذ تحتوي المادة الرخيصة نسبيًا، والمعروفة باسم Reskin، على جزيئات مغناطيسية داخلها تنتج مجالًا مغناطيسيًا، عندما يتلامس الجلد مع سطح آخر، يتغير المجال المغناطيسي من الجسيمات المدمجة، ويسجل المستشعر التغيير في التدفق المغناطيسي، قبل تغذية البيانات إلى بعض برامج الذكاء الاصطناعي، والتي تحاول فهم القوة أو اللمس الذي تم تطبيقه.

 وكان لابد من تدريب نظام الذكاء الاصطناعي على 100 لمسة بشرية للتأكد من أن لديه بيانات كافية لفهم كيفية ارتباط التغييرات في المجال المغناطيسي باللمس. وهذا يقربنا خطوة واحدة من الأشياء الافتراضية الواقعية والتفاعلات الملموسة معها، فكل شيء من حولك ستتحكم فيه عن طريق الإيماءات والإشارات والتلويح بيدك، فنظرة واحدة منك تنقلك إلى عالم آخر.

ويعبر التغيير الجديد، عن فصل هوية الشركة تمامًا عن الشبكة الاجتماعية التي تحمل اسمًا يواجه الآن اتهامات كبيرة وتراجع في ثقة الجمهور فيه، ويتجه هاربًا نحو تسليط الضوء على التحول إلى منصة حوسبة ناشئة تركز على الواقع الافتراضي.

فقد تعرضت “فيسبوك” العملاقة لانتقادات بسبب تشجيعها على انتشار المعلومات المضللة وسياساتها الغامضة حول بيانات المستخدمين، وازدادت الأمور سوءًا في الأشهر الأخيرة بعد أن كشفت مديرة الانتاج السابقة فرانسيس هاوجين العديد من أسرار الشركة. وفي الوقت نفسه، أصبحت المنصة الاجتماعية غير مفضلة لدى المستخدمين الأصغر سنًا. وبدلاً من ذلك، تدفق الكثيرون إلى تطبيق الفيديو TikTok الصيني.

يجني Facebook الأموال عن طريق بيع الإعلانات المستهدفة للمسوقين. ولكن إذا تضاءلت أعداد المستخدمين، فسوف تتضاءل عائدات الإعلانات أيضًا، ولكن هل سيكون هذا التغيير كافٍ للهروب من كل الاتهامات التي تلاحق مارك وشركته؟

خسائر العطل مفاجئ

في الأزمة القريبة التي عصفت بـ “فيسبوك”، عند انقطاع الخدمة تمامًا عن تطبيقاتها في الشهر الماضي، خسرت فيسبوك 60 مليون دولار من الإيرادات خلال فترة تعطل كل من “واتساب” و “إنستجرام” و”ماسنجر”، ما يترجم إلى خسارة تقدر بنحو 164 ألف دولار كل دقيقة. وشملت هذه الإيرادات 3.3 مليون دولار كإيرادات إعلانات خسرتها فيسبوك خلال فترة العطل، الذي عزته إلى خطأ في تغيير إعدادات أجهزة الراوتر التي توجه الاتصال بين مراكز البيانات.

لكن الخسائر الحقيقية لعملاق التواصل الاجتماعي، تتعدى هذه الأرقام، إذ هبط سهم فيسبوك نحو 5% ليمحو 47 مليار دولار من قيمته السوقية ويبعدها أكثر فأكثر عن نادي الشركات التريليونية العملاقة، إذ باتت القيمة السوقية بنهاية الإثنين تقارب 920 مليار دولار.

أما مؤسسها الشهير مارك زوكربيرغ فشهدت ثروته انخفاضا بـ 6 مليارات دولار. ولكن بعد إعلانه تغيير العلامة التجارية لـ “META”، فقد قفز سهم شركة “فيسبوك” 3.22% ليسجل نحو 322.26 دولار، وتصبح القيمة السوقية بعد الاسم الجديد 913.3 مليار دولار.

كيف ستجني META المال؟

تعتبر خطة مارك زوكربيرج للوهلة الأولى بمثابة مدرسة قديمة تعتمد على “بيع البضائع”. فقد أكد مارك أن الشركة لن تركز على بيع أجهزة الواقع الافتراضي مثل سماعات الرأس Oculus كمصدر رئيسي للربح، ولكنه يرى أن السلع الرقمية هي الاقتصاد الضخم القادم، حيث أن الأشخاص المنضمين سيعبرون عن أنفسهم من خلال صور رقمية، من خلال ملابس رقمية، من خلال السلع الرقمية والتطبيقات التي يمتلكونها ويجلبونها معهم من مكان إلى آخر.

فالهدف الرئيسي لدى مارك هو جذب مئات الملايين من المستخدمين قبل أن يصبح نموذج هذا العمل قابلاً للتطبيق، وخصصت الشركة 150 مليون دولار للمطورين لإنشاء تطبيقات وألعاب وبرامج غامرة في Metaverse. واعتبر مارك أن عالم «ميتافيرس» قد يمثل في السنوات العشر المقبلة “مليار مستخدم ومئات مليارات الدولارات من التجارة الرقمية وملايين الوظائف للمبتكرين والمطوّرين”.

تنصل من الهوية والواقع

السؤال الذي علينا أن نبقيه طوال الوقت حاضرًا في أذهاننا، هل لهذا التطور والذي يعتبره العالم نقلة نوعية لا مثيل لها مساويْ؟ هل يجب علينا أن نخاف أم نطلق عنان الحماس للمستقبل وما يحمله في طياته؟ فأنت وبخيالك فقط ستستطيع أن تذهب إلى أي مكان تريده وفي أي وقت حتى لو للفضاء، وبإمكانك أن تقابل أناسًا في خيالك وتنطلق معهم إلى أبعد الحدود، مجرد تخيل الفكرة هو أمر رائع، ولكن بعد كل هذا الخيال هل سنريد العودة إلى الواقع الحقيقي؟ هل سنتقبل أنفسنا الحقيقية؟ هي سنحب ما نحن عليه في الحياة الحقيقية أم أننا سنحقق ما يبتغيه مارك من محاولات لتقوية قبضته الخانقة على مستقبل الاهتمام والتفاعل البشري، وسنظل مختبئين ما وراء عالم مارك؟

مي صلاح

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى