السد الإثيوبي

تداعيات ممتدة: تصدع المشهد السوداني وملف سد النهضة

يأتي تفاقم الأوضاع السودانية في ضوء القرارات الأخيرة التي اتخذها الفريق “عبد الفتاح البرهان” القائد العام للقوات المسلحة السودانية في الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 التي حلّت الشراكة المدنية العسكرية، وما تبعها من قرارات بحل الحكومة ومجلس السيادة الانتقالي. والتحركات الميدانية المتفاقمة، تأتي لتراكم التحديات التي تواجهها مصر والسودان في ضوء التعاطي مع ملف سد النهضة؛ خاصة وأن تلك الوضعية في ضوء الافتقاد لوجود نظام محدد بالسودان يفقد معادلة أزمة سد النهضة طرفًا مهمًا، وربما ينعكس ذلك سلبًا على خط التفاوض المصري السوداني حيال هذا الملف.

ملفات متقاربة وتوازن المعادلة

إن المتأمل للسياق السوداني الداخلي والوضع الحرج والمتأزم سياسيًا كما أشرنا إليه أعلاه، يجد أنه يقابله وضع مماثل في العمق الإثيوبي، وذلك على خلفية تطورات المشهد كالآتي:

تمدد جبهة تحرير تيجراي ميدانيًا، والذي تجلى في سيطرة قوات الجبهة على بلدتي “دسي” و”كومبولتشا” ذات الطبيعة الاستراتيجية في إقليم الأمهرا، وتمثل مكسبًا استراتيجيًا للجبهة في موازين القوى في مسرح العمليات، وخطوة تكتيكية نحو تطويق العاصمة الإثيوبية “أديس أبابا”.

التوسعات العرضية للحركات الانفصالية داخل إثيوبيا، خاصة بعدما اندمجت كل من الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي وجبهة تحرير أورومو وذلك في الثاني من نوفمبر 2021 في خطوة استباقية مهددة لاستقرار الوضع الداخلي في إثيوبيا وتنذر بنزاع مسلح مفتوح وممتد، في ظل قيام الحكومة الإثيوبية بالتعبئة الداخلية وفرض حالة الطوارئ الداخلية. علاوة على ما سبق يأتي ما أعلنه الحزب القومي الديمقراطي العفري بانضمامه في 17 أغسطس 2021 لتحالف جبهة تيجراي وجيش الأورومو، وتشهد الفترة الحالية أيضًا بروز الحركة الشعبية لتحرير بني شنقول منذ التاسع عشر من أبريل 2021 والسيطرة على مقاطعة سيدال بالإقليم، فضلًا عن الجبهة الوطنية لتحرير أوغادين وهي إحدى الحركات النشطة في إقليم الصومال الإثيوبي شرقًا.

اتصالًا بالسابق؛ وفي ضوء تأزم مشهد النزاع الداخلي، هناك تصاعد في الحركات الانفصالية التي ترغب بصورة كبيرة في الخروج من عباءة الحكم الفيدرالي الإثيوبي، وهو ما أربك المشهد السياسي بصورة عامة.

الأمر الآخر وثيق الصلة؛ هو الوضعية الدبلوماسية المتراجعة لأديس أبابا سواء على مستوى الجوار الإقليمي من خلال إعادة جدولة السفارات الإثيوبية وغلق سفاراتها بالجزائر والمغرب وساحل العاج وعدد آخر من الدول وتقليص الدبلوماسيين في عدد من الدول، أو على المستوى الدولي والذي تجلى في تصدع العلاقات مع الأمم المتحدة على خلفية طرد إثيوبيا لسبعة من مسؤولي الأمم المتحدة نهاية سبتمبر من العام الجاري، كذلك الضغط الدولي على حكومة “آبي أحمد” والمتمثل في العقوبات الاقتصادية التي فرضتها واشنطن في السابع عشر من سبتمبر 2021 بعدما وقع “بايدن” على أمر تنفيذي لإنشاء نظام عقوبات جديد على الحكومة الإثيوبية والكيانات الرئيسة المنخرطة في الحرب.

تخوفات متباينة

إن التخوفات الحقيقية في المشهد السوداني تكمن من اختلال التوازن في السطلة؛ الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى الافتقاد للضلع جوهري في معادلة الأمن المائي الأفريقي بصورة عامة ومكون رئيس لملف أزمة سد النهضة، لذا فإن الخلل لن يكون قاصرًا فقط على التحديات الداخلية الإثيوبية والتي تسند إليها أديس أبابا تأخرها في التفاوض على تلك النقطة، بل سيمتد إلى حالة أخرى وهي التدهور السياسي بالسودان عقب الإجراءات التي قام بها القائد العام للجيش السوداني وعدم وجود حكومة مختصة بتلك الملفات.

وارتباطًا بالسابق؛ فإن الاضطرابات الراهنة تؤثر على مسار الانفراج في معالجة المطالب المصرية السودانية والمتمثلة في إعادة التفاوض مرة أخرى للتوصل إلى تفاهمات حول اتفاقية بشأن سد النهضة، ومن ثٌم تعطل التحركات والوساطات الإقليمية وعلى رأسها وساطة جنوب السودان والجزائر في هذا الملف.

والتخوف الآخر يتمثل في تراجع وتعنت الموقف الإثيوبي مرة أخرى بعدما أبدت أديس أبابا استجابة مشروطة (كأحد تكتيكات المراوغة) تتمثل فيما أعلنه “إبراهيم إدريس” المستشار القانوني في الخارجية الإثيوبية وعضو فريق التفاوض حول سد النهضة، بتوقيع اتفاقية مع مصر والسودان بشرط تأمين مصالحها الوطنية والتنموية المستقبلية.

واتصالًا بالسابق؛ فإن هشاشه الوضع داخل إثيوبيا والسودان تؤخر من مسار تنفيذ البيان الرئاسي الصادر عن مجلس الأمن في الخامس عشر من سبتمبر 2021 والذي تبنى فيه استئناف المفاوضات تحت مظلة الاتحاد الأفريقي للتوصل إلى اتفاق ملزم ومقبول للأطراف المختلفة بشأن ملء وتشغيل السد وذلك خلال فترة زمنية معقولة، خاصة في ظل قيام الاتحاد الأفريقي بتعليق عضوية السودان في جميع الأنشطة وربط عودته باستعادة القيادة المدنية للسلطة. 

ختامًا؛ إن الوضعية السودانية والإثيوبية متقاربة نسبيًا؛ بل إن أبعاد الأزمة الإثيوبية في ضوء المتغيرات التي أوضحناه أعلاه تُنذر بتدهور غير مسبوق في المشهد السياسي ربما يُفضي إلى لإطاحة بالحكومة الإثيوبية وصولًا لوضعية فراغ سياسي لا يمكن معالجته على المستوى القريب، وهو ما يُعرقل بصورة أو أخرى مسار التفاوض حول البنود غير التوافقية، الأمر الذي من شأنه أن يهدد التوصل لاتفاق قانوني وملزم بين الأطراف الثلاثة، على الأقل في المستقبل المنظور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى