السودان

المرحلة الانتقالية بالسودان.. تعرج في طريق مليء بالمظاهرات والانقسامات

مئات الآلاف من السودانيين خرجوا قبل أيام في مظاهرات حاشدة بأرجاء السودان، للمطالبة بالتحول الديمقراطي وتسليم السلطة للمدنيين. هذا بخلاف اعتصام أمام القصر الجمهوري للمطالبة بحل حكومة رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك وتسليم السلطة للجيش. في إشارة إلى حجم الانقسام الذي يشهده الشارع السوداني، والذي انتهى يوم 25 أكتوبر بمسار مغاير بإعلان رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان، الفريق عبد الفتاح البرهان، حل مجلسي السيادة والوزراء وفرض حالة الطوارئ في كافة أنحاء البلاد. في محاولة لدعم المسار الديمقراطي وإنهاء حالة الانقسام بالبلاد. 

حالة انقسام

حالة من الانقسام تشهدها الساحة السياسية السودانية عقب إحباط محاولة انقلابية الشهر الماضي، فقد استفاق السودانيون، صباح يوم الثلاثاء 21 سبتمبر 2021، على وقع محاولة انقلاب فاشلة، فيما بادر مجلس السيادة في البلاد إلى إعلان إحباط محاولة الاستيلاء على السلطة، مؤكدًا انتصار الثورة التي أطاحت نظام عمر البشير في 11 أبريل 2019. وتم اعتقال قادة الانقلاب من “فلول النظام البائد” وفق وصف وزير الثقافة والإعلام والناطق باسم الحكومة السودانية.

وأعقب ذلك تظاهر آلاف السودانيين في العاصمة، الخرطوم، وغيرها من المدن والولايات، الخميس 30 سبتمبر استجابة لدعوة تجمع المهنيين السودانيين- الذي لعب الدور الأكبر في ثورة ديسمبر 2018، التي انتهت بالإطاحة بحكم الرئيس السوداني السابق عمر حسن البشير- ودعمًا لأهداف الثورة ومدنية الدولة، وذلك في ظل تقهقر وانقسام قوى التغيير والحرية. 

وطالب المتظاهرون حينها بإنشاء مجلس تشريعي ثوري حقيقي، وإلغاء مجلس شركاء الفترة الانتقالية، وإعادة هيكلة القوات النظامية، وإصلاح القضاء، وتشكيل المحكمة الدستورية. ودعا التجمع إلى “إنهاء الشراكة “مع المجلس العسكري” و”إلغاء الوثيقة الدستورية”. وطالب بتشكيل “حكم مدني خالص”، واصفا السلطة الانتقالية بـ”المعطوبة”.

ومن ثم تصاعد التراشق الإعلامي بين المكونين المدني والعسكري، لمجلس الحكم السيادي -الذي يدير شؤون البلاد منذ أغسطس 2019، في إطار مرحلة انتقالية، يفترض أن تفضي إلى حكم مدني، بعد انتخابات مرتقبة في البلاد، مطلع العام 2024- بالسعي للانفراد بالسلطة، حيث سبق واتهم محمد الفكي سليمان، وهو العضو الذي يمثل المكون المدني، في مجلس السيادة السوداني، الشركاء العسكريين في السلطة الانتقالية بالسعي للانفراد بالسلطة، رافضًا وصاية المكون العسكري، على العملية السياسية.

انشقاق قوى الحرية والتغيير

شعار تحالف قوى الحرية والتغيير- أرشيفية

قوى الحرية والتغيير هي مظلة تشمل تيارات وائتلافات سياسية وأيديولوجية مختلفة جمع بينها الرغبة في التخلص من الرئيس السوداني السابق عمر البشير. حيث وقع العسكريون والمدنيون (ائتلاف قوى الحرية والتغيير)، في أغسطس 2019، اتفاقًا لتقاسم السلطة نص على فترة انتقالية تستمر ثلاث سنوات تم تمديدها لاحقا. وبموجب الاتفاق الموقع، شكلت سلطة تنفيذية من الطرفين.

لكن تصاعدت الانقسامات بين مكونات قوى الحرية والتغيير بين مؤيد ومعارض لحكومة حمدوك، ومبادرته لحل الازمة. أو بكلمات أخرى ما بين مؤيدين للحراك المطالب بتسليم السلطة للمدنيين، وآخر مؤيد للمؤسسة العسكرية التي ما تزال تتمتع بنفوذ سياسي واقتصادي كبيرين.

وسبق أن أعلن ائتلاف قوى الحرية والتغيير في السودان إنه قد يلجأ لإعلان تشكيل المجلس التشريعي من جانب واحد، مشيرًا إلى أن المجلس سينعقد بمن حضر دون انتظار مشاورات المكونين المدني والعسكري، وذلك إثر الخلافات والاتهامات بين المكونين وتأخير تشكيل المجلس وغيره من المؤسسات التي نصت عليها الوثيقة الدستورية.

وكذا، أعلن أكثر من 20 كيانًا سياسيًا وحزبيًا وحركة مسلحة منشقة عن قوى الحرية والتغيير ومن خارجها إطلاق ميثاق “التوافق الوطني” لتوسيع “الحاضنة السياسية” للثورة، والذي يطالب بالعودة إلى منصة التأسيس لتحالف قوى الحرية والتغيير الذي قاد الثورة التي أطاحت بحكم الرئيس المعزول عمر البشير. وسط تشكك في دستوريته ومخالفته للوثيقة الدستورية، وهو ما أكده تجمع المهنيين. 

وأبرز المجموعات المنقسمة مجموعة “الميثاق الوطني” وتضم كيانات حزبية وحركات مسلحة، أبرزها حركة تحرير السودان بزعامة حاكم دارفور مني أركو مناوي، وحركة العدل والمساواة بزعامة جبريل إبراهيم وزير المالية الحالي. 

وأصدرت قوى الحرية والتغيير جناح الإصلاح بيان مساء الجمعة 15 أكتوبر تدعو فيه إلى تسيير مواكب باسم استرداد الثورة، على أن تتجه نحو مجلس الوزراء، من أجل الاعتصام، على أن يتم هناك توقيع ميثاق التوافق الوطني، الذي تلته القوى المنشقة عن الحرية والتغيير مطلع الشهر الجاري. وخرج آلاف السودانيين، السبت 16 أكتوبر، في مظاهرة أمام القصر الرئاسي بالخرطوم، للمطالبة بـ”استرداد الثورة” وتحسين الأوضاع المعيشية.

وطالب المعتصمون من أنصار قوى الحرية والتغيير- مجموعة الميثاق الوطني، بتنحي الحكومة الانتقالية وتوسيع قاعدة المشاركة في الفترة الانتقالية، والالتزام بتنفيذ بنود الوثيقة الدستورية، وتشكيل حكومة كفاءات والإسراع في تشكيل هياكل السلطة الانتقالية. وقد خرج المئات من المتظاهرين في أحياء مختلفة بالخرطوم وأم درمان، مرددين هتافات تطالب بمدنية الدولة وإبعاد العسكريين عن الحكم، والتعبير عن مخاوفهم من محاولات للالتفاف على الثورة السودانية.

ووصل الانقسام ذروته بين مكونات ائتلاف قوى الحرية والتغيير مع بدء اعتصام المئات، السبت 16 أكتوبر، أمام القصر الرئاسي للمطالبة بحل الحكومة مع الإبقاء على رئيسها. فيما تتبنى مجموعة منشقة من قوى الحرية والتغيير احتجاجات القصر الرئاسي. حيث يرى المعتصمون هناك أن الوزراء الحاليين لا يمثلون أطياف قوى الحرية والتغيير، ويجب تشكيل حكومة جديدة تمثل المكونات المختلفة. الأمر الذي فسره منتقدي الاعتصام بأن من قام بالتخطيط له شخصيات بارزة في قوات الأمن وأنصار للبشير وغيرهم من “المناهضين للثورة”. وحصلت على دعم من بعض الذين تلقوا ضربة قوية جراء تدابير تقشفية وضعتها حكومة عبد الله حمدوك بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي.

وفي الوقت الذي اعتصم فيه أنصار “قوى الحرية والتغيير-مجموعة الميثاق الوطني” أمام القصر الجمهوري في الخرطوم، رحبت “قوى الحرية والتغيير-مجموعة المجلس المركزي” بمبادرة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك لحل الأزمة. وطالبوا في رسالة أرسلت لحمدوك بإصلاح مجلس السيادة وانتقال رئاسته للمكون المدني وفقا للوثيقة الدستورية.

فيما دعا المجلس إلى الفصل بين ملف تقييم الشراكة وإصلاح مؤسسات الانتقال، من جهة، على أن يتم الحوار بشأنها بين قوى الحرية والتغيير والمكون العسكري، وملف إكمال وتعزيز الإصلاحات داخل قوى الحرية والتغيير، من جهة أخرى، على أن يتم الحوار بشأنها مع حركتي “تحرير السودان- قيادة مناوي” و”العدل والمساواة”. وإصلاح الحكومة والأجهزة العدلية ودعم لجنة تفكيك “نظام 30 يونيو”.

وكان رئيس الوزراء السوداني الدكتور عبد الله حمدوك قد التقى مع وفد “المجلس المركزي القيادي للحرية والتغيير”، حيث دار حوار شفاف ومفتوح حول كل القضايا المتعلقة بتحديات الانتقال المدني الديمقراطي، بجانب قضية شرق السودان. وفى ختام الاجتماع، أكد المجلس المركزي القيادي للحرية والتغيير مواصلة دعمه لرئيس الوزراء ولمبادرته (الأزمة الوطنية وقضايا الانتقال – الطريق إلى الأمام) ووقوفه بجانبه لاتخاذ القرارات التي من شأنها الوصول بالانتقال إلى بر الأمان.

وفي الوقت نفسه، رفض رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك طلبًا من رئيس مجلس السيادة بحل حكومته المكونة من قوى الحرية والتغيير وتعيين حكومة جديدة بدلا عنها، تضم الجماعات السياسية التي خططت لمظاهرات 16 أكتوبر؛ معللًا بأن قوى الحرية والتغيير قد اختارته لقيادة حكومتها وتنفيذ الانتقال الديمقراطي في السودان.

وكانت تواجه الحكومة انتقادات على خلفية تعاطيها مع التظاهرات المناهضة للحكومة في شرق البلاد، في سبتمبر الماضي، ما تسبب في وقف حركة التجارة في مينا بورسودان، ونقص في السلع على مستوى البلاد. فقد فشل حمدوك في تحقيق توقعات الشعب، الأمر تسبب في خروج تظاهرات للتأكيد على أهداف الثورة ومكتسباتها وأبرزها الوثيقة الدستورية بالسودان.  وفي الثلاثاء 19 أكتوبر أعد تحالف “الحرية والتغيير” 14 قضية عالقة، داعيًا الحكومة إلى الحوار حولها ومعالجتها وفق الوثيقة الدستورية.

الوثيقة الدستورية في السودان

جاء الاتفاق بعد مفاوضات مضنية بين ممثلي المعارضة والمجلس العسكري برعاية الاتحاد الأفريقي

في أغسطس 2019، احتفل السودانيون في شوارع العاصمة الخرطوم بتوقيع الوثيقة الدستورية لاتفاق تقاسم السلطة بين المجلس العسكري الحاكم والمعارضة المدنية. في تمهيد للانتقال إلى الحكم المدني، بعد انقضاء حكم البشير.

ووقع على وثائق المرحلة الانتقالية الفريق أول محمد حمدان دقلو، نائب رئيس المجلس العسكري، وأحمد الربيع ممثل ائتلاف قوى إعلان الحرية والتغيير المعارض، بحضور رؤساء ورؤساء وزراء عدة دول، من بينهم رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، ورئيس وزراء اثيوبيا أبي أحمد.

وتصف الوثيقة جمهورية السودان بأنها “دولة مستقلة ذات سيادة، ديمقراطية، برلمانية، تعددية، لا مركزية تقوم فيها الحقوق والواجبات على أساس المواطنة دون تمييز بسبب العرق أو الدين أو الثقافة أو الجنس أو اللون أو النوع أو الوضع الاجتماعي أو الاقتصادي أو الرأي السياسي أو الإعاقة أو الانتماء الجهوي أو غيرها من الأسباب”. على أن يتم إلغاء العمل بدستور السودان الانتقالي لعام 2005 ودساتير الولايات.

وأوضحت الوثيقة إنه تستمر المرحلة الانتقالية لمدة 39 شهرًا من تاريخ التوقيع عليها على أن تجري انتخابات في نهايتها. لكن تم تعديلها في نوفمبر 2020 على أن يتم تمديد الفترة الانتقالية ليبدأ حساب مدتها (39 شهرًا)، من تاريخ التوقيع على اتفاق جوبا لسلام السودان، على أن يُشكل مجلس السيادة من أربعة عشر عضوا، خمسة أعضاء مدنيين تختارهم قوي إعلان الحرية والتغيير، وخمسة أعضاء يختارهم المكون العسكري، وعضو مدني يتم اختياره بالتوافق بين المكون العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير، وثلاثة أعضاء تختارهم أطراف العملية السلمية الموقعة على اتفاق جوبا لسلام السودان، ويجوز للجهات التي قامت بالاختيار حق تعيين واستبدال ممثليهم.

تنص الوثيقة على أن أجهزة الحكم الانتقالي تتألف من مجلس السيادة الذي يمثل رأس الدولة ورمز سيادتها ووحدتها، ومجلس وزراء يمثل السلطة التنفيذية العليا للدولة ومجلس تشريعي يمتلك سلطة التشريع والرقابة على الجهاز التنفيذي. ويشكل مجلس السيادة، الذي يعد القائد الأعلى للقوات المسلحة وقوات الدعم السريع والقوات النظامية الأخرى، من 11 عضوا هم ستة مدنيين وخمسة عسكريين.

فيما أقرت التعديلات على الوثيقة أن يكون تكوين مجلس الوزراء من رئيس، وعدد من الوزراء من كفاءات وطنية بالتشاور، يعينهم رئيس الوزراء من قائمة مرشحي قوى إعلان الحرية والتغيير، وأطراف العملية السلمية الموقعة على اتفاق جوبا لسلام السودان على أن يكون من بينهم نسبة ٢٥٪ تختارهم أطراف العملية السلمية الموقعة على اتفاق جوبا لسلام السودان، ويعتمد مجلس السيادة جميع الأعضاء ومن بينهم وزيري الدفاع والداخلية اللذين يرشحهما المكون العسكري بمجلس السيادة.

وتتولى شخصية عسكرية رئاسة مجلس السيادة لمدة 21 شهرا، ثم تترأسه شخصية مدنية لمدة 18 شهرا الباقية من المرحلة الانتقالية. ولمجلس السيادة صلاحيات تعيين رئيس الوزراء والوزراء واعتماد تعيين حكام الأقاليم والولاة، واعتمادات تعيين أعضاء المجلس التشريعي الانتقالي ورئيس القضاء وقضاة المحكمة العليا والنائب العام والسفراء، فضلا عن صلاحيات إعلان الحرب وحالة الطوارئ.

وتنص الوثيقة على أن يتألف مجلس الوزراء من رئيس وعدد من الوزراء لا يتجاوز العشرين من كفاءات وطنية مستقلة يُعينهم رئيس المجلس من قائمة مرشحي قوى إعلان الحرية والتغيير، عدا وزيري الدفاع والداخلية اللذين يرشحهما المكون العسكري في مجلس السيادة. وتضع الوثيقة توقيتات لتعيين مجلس السيادة واختيار رئيس الوزراء ومجلس الوزراء. وتؤكد الوثيقة على ضمان حرية المعتقد والعبادة وحرية التعبير ونشر المعلومات وحرية التجمع والتنظيم والمشاركة السياسية وحقوق المرأة والمساواة بين الرجل والمرأة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى