القضية الفلسطينيةإسرائيل

استمرارًا لسياسة تكميم الأفواه الفلسطينية.. وضع منظمات مجتمع مدني فلسطينية على قوائم الإرهاب الإسرائيلية

منذ أيام، صنّفت إسرائيل ست منظمات مجتمع مدني فلسطينية كـ “منظمات إرهابية”، بتهمة دعمها للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والتي شن جناحها المسلح هجمات ضد إسرائيليين حسبما ورد في بيان نشرته وزارة القضاء الإسرائيلية. وعُدّ القرار تعديًا سافرًا على حرية التعبير في الأراضي الفلسطينية، واستمرارًا لسياسة إسرائيل في تكميم الأفواه وتقييد عمل منظمات المجتمع المدني الفلسطيني التي لطالما واجهت الاحتلال الإسرائيلي بالطرق السلمية وعملت على كشف ممارساته الغاشمة ضد الفلسطينيين.

وقد أصدر وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني جانتس، القرار، معتبرًا المنظمات الست خارجة عن القانون، وحظر العمل فيها، ومعها، واعتبر العضوية فيها جناية يعاقب عليها القانون. وبحسب بيان وزارة القضاء الإسرائيلية، “إن تلك المؤسسات مرتبطة بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وقد حصلت بين عامي 2014 و2021 على أكثر من 200 مليون يورو من عدة دول أوروبية صرفتها على هذا النشاط”.

واستندت وزارتا الدفاع والقضاء في قرارهما هذا على تقارير قدمتها جمعية يهودية يمينية “مراقب الجمعيات غير الحكومية” (NGO Monitor)، المعروفة بمواقفها العدائية لمنظمات العمل المدني الفلسطينية، وملاحقة ما تسميه التحريض والإرهاب، وتحاول تلك المنظمة الضغط على الاتحاد الأوروبي لقطع تمويل هذه المنظمات، من خلال اتهامها بتمويل “حركة مقاطعة إسرائيل”.

وحسبما ورد بالبيان الصادر عن وزارة الدفاع الإسرائيلية، فـ”إن المنظمات الست تشكل شبكة من المنظمات السرية الناشطة على الجبهة الدولية نيابة عن” الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لدعم نشاطها وتعزيز أهدافها”. واتهم البيان الجماعات بالتنكر في شكل منظمات مجتمع مدني، بينما تخضع في الواقع لسيطرة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين المحظورة، وتوظف العديد من نشطاء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، واعتبر أن المجموعات ترقى إلى مستوى كيانات لجمع الأموال للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، لا سيما من خلال تلقي التبرعات من الدول الأوروبية والمنظمات الدولية.

ولم يكن القرار وليد اللحظة، بل جاء نتيجة الحملة التي شنتها إسرائيل على مدار سنوات للتحريض ضد مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية، والتي تستهدف وقف عملها لما يترتب عليه من فضح الجرائم والانتهاكات التي تقوم بها الدولة العبرية.

ما هي المنظمات الفلسطينية المحظورة؟

تشمل المؤسسات الست المستهدفة “مؤسسة الحق” التي تتمتع بالصفة الاستشارية لدى المجلس الاقتصادي الاجتماعي في الأمم المتحدة، وعضوية الشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان وعضوية المنظمة الدولية لمناهضة التعذيب، وعضوية التحالف الدولي للموئل، وهي فرع لجنة الحقوقيين الدوليين في جنيف.

بالإضافة إلى مؤسسة “الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان”، وهي عضو في الشبكة العالمية لمناهضة التعذيب، وعضو في الائتلاف من أجل الدفاع عن الحقوق والحريات، وعضو في الائتلاف الدولي لمناهضة سياسة العزل، وغيرها من ائتلافات محلية وإقليمية ودولية. أما المنظمة الثالثة، فهي “الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال- فلسطين” التي تعد أحد فروع الائتلاف الدولي للحركة العالمية للدفاع عن الأطفال، والتي تتمتع بصفة استشارية في المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف “ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “يونسكو” والمجلس الأوروبي.

والمنظمة الرابعة هي “اتحاد العمل الزراعي”، وهو مؤسسة زراعية أهلية غير حكومية، تأسست عام 1986 بمبادرة من مجموعة من المهندسين الزراعيين، وتعد واحدة من كبرى مؤسسات التنمية الزراعية في فلسطين، والتي تعتمد على عمل المتطوعين بالكامل. ذلك فضلًا عن “اتحاد لجان المرأة الفلسطيني”، وهو منظمة نسوية أهلية تأسست في العام 1980، وتعمل على الارتقاء بوضع المرأة الفلسطينية وتمكينها. وآخر تلك المؤسسات هي “مركز بيسان للبحوث والإنماء”، وهو مؤسسة أهلية غير هادفة للربح تعمل منذ العام 1989 من أجل تعزيز صمود الشعب الفلسطيني والمساهمة في بناء مجتمع فلسطيني تقدمي.

وقد عملت إسرائيل على مدار السنوات الأخيرة على التضييق على هذه المنظمات من خلال إرسال التقارير للدول المانحة وخاصة الاتحاد الأوروبي بهدف إقناعها بتجفيف الموارد المالية لتلك المؤسسات، وبعد فشلها في ذلك توجهت لتلك الخطوة السياسية

ردود الأفعال الفلسطينية

بعد الإعلان عن القرار، أعلنت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أن القرار يمثل انتهاكًا فاضحًا للقانون الدولي وحقوق الإنسان والحقوق الإنسانية والمدنية للشعب الفلسطيني. واعتبرت اللجنة التنفيذية، في بيان صحفي، أن القرار يعد إمعانًا من حكومة الاحتلال في ضرب المؤسسات الوطنية الفلسطينية، لتكريس الضم والاحتلال وبناء المزيد من المستعمرات الإسرائيلية لمنع إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس. 

وأضافت، أن ما تقوم به حكومة الاحتلال وأجهزتها هو الإرهاب بعينه بحق الشعب الفلسطيني ومؤسسات المجتمع المدني، لمنعها من القيام بدورها في إسناد صمود المجتمع الفلسطيني واحتياجاته، وفي فضح جرائم الاحتلال ضد حقوق الإنسان. واستطردت اللجنة أن “المؤسسات الفلسطينية الست التي تنشط في مجال حقوق الإنسان والتنمية، هي جزء أصيل من مؤسسات المجتمع الفلسطيني ومكوناته الاجتماعية والحقوقية، واستهداف الاحتلال لها يؤكد عدم قدرته على التعايش مع القيم الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان، خاصة أنه فشل في إخفاء جرائمه بحق الشعب الفلسطيني نتيجةً للدور الذي تلعبه هذه المؤسسات لفضح الجرائم والانتهاكات المتواصلة”. ودعت المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والإنسانية والأممية للقيام بدورها لوقف هذه الهجمة الشرسة ضد الشعب الفلسطيني ومؤسساته، وحماية المجتمع المدني للقيام بدوره التنموي والإنساني والحقوقي.

ومن جانبه، دعا رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية المجتمع الدولي وجميع منظمات حقوق الإنسان في العالم إلى إدانة القرار الإسرائيلي. فيما أعلنت شبكة المنظمات الأهلية في فلسطين أن الاحتلال هو أساس الإرهاب وأن المؤسسات المستهدفة هي مؤسسات فلسطينية أصيلة انبثقت من الحاجة لدعم الفئات والقطاعات.

من جهتها، أدانت وزارة الخارجية والمغتربين بأقسى العبارات قرار وزير الدفاع الإسرائيلي، وعدّته “اعتداءً مسعورًا على المجتمع المدني الفلسطيني ومؤسساته من طرف سلطات الاحتلال الإسرائيلي”. وقالت إن تصنيف ست منظمات حقوقية على لائحة الإرهاب هو افتراء عدائي، وتشهير واعتداء استراتيجي على المجتمع المدني الفلسطيني، والحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي غير الشرعي، وعلى العمل الهادف لفضح جرائمه المستمرة. واعتبرت الخارجية الفلسطينية أن المواقف الدولية المعلنة لا ترتقي لمستوى فظاعة إرهاب الاحتلال ضد منظمات المجتمع المدني، ولا تتناسب مع خطورة وفظاعة الجرائم المستمرة بحق الشعب الفلسطيني.

وأضافت “هذه المواقف غير كافية، ولم تخرج عن المألوف، فإعلان الولايات المتحدة الأمريكية عن قلقها بين الحين والآخر من السلوك الاستعماري والاستيطاني الإسرائيلي المتواصل يطرح الكثير من التساؤلات حول مدى تأثير وفاعلية هذا القلق الذي تُعرب عنه أيضًا العديد من الدول في إجبار دولة الاحتلال على وقف انتهاكاتها وجرائمها. وأكدت ضرورة انتقال المجتمع الدولي من مربع البيانات الشكلية والصورية إلى الفعل الحقيقي والخطوات المُلزمة القادرة على كبح جماح الاحتلال.

وقد عقّب مدير مؤسسة الحق لحقوق الإنسان، عضو اللجنة الوطنية للمتابعة مع الجنائية الدولية شعوان جبارين، على القرار قائلًا “إن إعلان سلطات الاحتلال وضع 6 مؤسسات فلسطينية على ما تسمى قائمتها الإرهابية تطور خطير؛ إذ إن الاحتلال يمتلك السلطة والعصا وكل مقومات القتل والتدمير، لكنه لا يحق له أن يوزع شهادات ويقتل هذه المؤسسات، ولن نسمح له بأن يدمر ما نؤمن به من عدالة ومساءلة”. وأضاف: “نحن بصدد دراسة الموضوع مع شركاء مهمين عالميًا وواثقين بهم، بالتعاون مع القيادة الفلسطينية التي تدافع عن مؤسسات المجتمع المدني المسجلة لدى دولة فلسطين بشكل قانوني، ولن نتوجه للقضاء الإسرائيلي لأنه لن يكون منصفا حينما يتعلق الأمر بالفلسطيني”.

فيما صرح مدير برنامج المساءلة في الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال، عايد أبو قطيش، “إن هذا القرار استمرار لحملات تقودها مؤسسات الحرب الإسرائيلية ضد المؤسسات الفلسطينية، التي تسلط الضوء على انتهاكات الاحتلال بحق الإنسان الفلسطيني، لتشويهها ونزع الشرعية عنها وتجفيف منابع تمويلها”. وأضاف قطيش أن شكل الهجوم على هذه المؤسسات تغير خلال العام الجاري والأعوام الماضية، إلى هجوم على أفرادها وهو ما يؤكد أن دولة الاحتلال هي الإرهابية، باعتقالها مجموعة من موظفي لجان العمل الصحي بعد اقتحام مقرهم، وإغلاق مقر لجان العمل الزراعي، واقتحام مقر الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال.

وأكدت شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، والتي تضم المؤسسات الست خطورة القرار الذي من شأنه أن يتسبب في “تدمير مؤسسات المجتمع المدني”. وقالت الشبكة في بيان لها “إن الاحتلال هو أحد أشكال الإرهاب بما يمثله من ممارسات وجرائم بحق الشعب الفلسطيني، وسياسات الاستيطان الاستعماري، والتطهير العرقي بحق المدنيين العزل والحصار وتصاعد الاعتداءات التي يقوم بها في كل الارض الفلسطينية.

واعتبرت الشبكة أن هذا القرار “امتداد لذات السياسة الهادفة لكسر ارادة الشعب الفلسطيني ومنظماته الاهلية، وثنيها عن مواصلة عملها، واستمرارا للمخطط الذي تقوم به دوائر تابعة لدولة الاحتلال تنشط في أمريكا وأوروبا عبر ما يسمى (بالانجيو مونتور) لتقويض عمل المنظمات الأهلية وتجفيف مصادر تمويلها، بتلفيق التهم بحقها، ومحاولات وسم عملها بالارهاب”. وأعلنت الشبكة أنها ستشرع بحملة واسعة على كافة المستويات مع المؤسسات الدولية، والإقليمية لفضح جرائم الاحتلال، وستتابع على المستوى القانوني كل الحثيثيات المتعلقة باستهداف العمل الأهلي على مدار السنوات الماضية.

ردود الأفعال الإسرائيلية

في أعقاب صدور القرار، واجه وزير الدفاع الإسرائيلي بيني جانتس، انتقادات لاذعة من داخل الائتلاف الحكومي في إسرائيل؛ حيث هاجمت عضو الكنيست الإسرائيلي عن حزب العمل “”نعماه لازيمي جانتس بحدة قائلة: “ما لم تكن هناك معلومات استخباراتية عن منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية هذه أنها منظمات إرهابية، فهذه خطوة خطيرة وغير مفهومة من جانب إسرائيل”. وأضافت “لا ينبغي لدولة قوية ذات سيادة مثل إسرائيل أن تحظر منظمات تهتم بحقوق الإنسان، برأيي هذا عمل غير أخلاقي ينتهك الحقوق الحرة للفرد والجماعة”.

من جانبه، قال وزير الصحة الإسرائيلي “نيتسان هوروفيتس”، إن إسرائيل ملزمة أن تكون حذرة جدًا عند فرضها قيودًا على منظمات مجتمع مدني فلسطينية، لأن هذا الأمر له عواقب في المجال السياسي والعلاقات الخارجية. وتابع “قد توجهت إلى جانتس وطلبت منه أن يقدم للحكومة الأدلة التي أدت إلى اتخاذه قرار تصنيف المؤسسات الفلسطينية الست كمنظمات إرهابية”.

فيما أوضحت “جابي لاسكي” من حزب ميرتس أنها تعرفت شخصيًا على عمل بعض تلك المؤسسات التي أعلن عنها أنها “إرهابية”، ولذلك تعتقد أن وزير الدفاع مخطئ في مثل هذا القرار وأشارت إلى أن بعض هذه المنظمات يعمل على حماية حقوق القاصرين وبعضها عبارة منظمات حقوقية تعمل لحماية حقوق المعتقلين في السجون الإسرائيلية وحقوق الطفل والإغاثات.

بينما ذكرت وزيرة البيئة “تمارا زاندبيرج”، أن 3 على الأقل من تلك المؤسسات قديمة ومعروفة لدى الوسط الحقوقي وعلى المستوى الدولي. وقالت في تصريحات لوسائل إعلام عبرية إنه في كثير من الأحيان يتم ربط حقوق الإنسان واليسار ومعارضة الاحتلال بـ “الإرهاب” ولكن هنا ليس هو هذا الحال. وتابعت الوزيرة الإسرائيلية “في اللحظة التي تصبح فيها المادة سرية، فإن هناك حاجة إلى توضيحات”.

وأدانت منظمات تتخذ مقرًا في إسرائيل القرار أيضا، حيث قالت منظمة “عدالة – المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل” في بيان نشرت نسخة منه بالعربية إن القرار يمثل “هجمة غير مسبوقة”، وأضافت أن “استخدام قوانين الإرهاب لا يشكل سوى غطاء قانوني لملاحقة سياسية تُميز أنظمة استعمارية واستبدادية”. واستنكرت منظمة “بتسيلم” الإسرائيلية الحقوقية قرار وزير الدفاع الإسرائيلي بيني جانتس قائلة “من الواضح أنه يهدف إلى إغلاق هذه المؤسسات” وأكدت تضامنها مع تلك المؤسسات وقالت إنها “فخورة بعملنا المشترك مع زملائنا الفلسطينيين على مر السنين، وسنواصل القيام بذلك”.

ورغم الغضب الفلسطيني الواسع والانتقادات الدولية، لم تعط وسائل الإعلام الإسرائيلية اهتمامًا يذكر إلا للموقف الأمريكي. وقالت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية إن الموقف الأمريكي يشكل بداية توتر، فيما اعتبرت القناة الإسرائيلية 12 أن ذلك قد يقود إلى أول أزمة أو مواجهة علنية بين إسرائيل وإدارة الرئيس بايدن. وأكدت وسائل إعلام إسرائيلية أن الإدارة الأمريكية طلبت فعلًا من إسرائيل إيضاحات. وفي هذا الإطار، أشارت وسائل إعلام إسرائيلية إلى أن وزير الأمن الإسرائيلي، بيني جانتس، “فاجأ الأمريكيين والأمم المتحدة والأوروبيين” بإعلانه تصنيف 6 منظمات مدنية فلسطينية كمنظمات “إرهابية”.

ووفقًا لما ذكرته “جيروزاليم بوست”، هناك “مشكلتان في إعلان جانتس، الأولى أنه تمّ القيام به دون تقديم أيّ دليل أو إحاطة عن وثائق لإثبات التهم الموجهة ضد المنظمات”، واعتبرت أنه مجرد تصريح لوسائل الإعلام. ورأت أن المشكلة الثانية تتمثل في أن إسرائيل فشلت في إطلاع نظرائها الأمريكيين على ما كانت تخطط للقيام به. نتيجة لذلك، فوجئت الولايات المتحدة وأدلى المتحدث باسم الخارجية الأميركية، نيد برايس، بالبيان الذي قال فيه إن بلاده ستطلب من إسرائيل توضيحات بشأن أساس التصنيف. واعتبرت الصحيفة أنه لو كانت إسرائيل أطلعت وزارة الخارجية مسبقًا، لكان من الممكن ألا تتمّ إدانتها، وقالت إن هذا الإعلان “ذكّرنا بقصف برج وسائل الإعلام في مدينة غزة في مايو، والذي كان يضم مكتب وكالة “أسوشيتيد برس”. وأضافت الصحيفة “حينها، فشلت “إسرائيل” في إطلاع الأمريكيين مسبقًا أو حتى بعد ذلك مباشرة”.

ردود الأفعال الإقليمية والدولية

أدانت جامعة الدول العربية القرار الذي اتخذته إسرائيل، وقالت الأمانة العامة للجامعة العربية، في بيان صحفي، إن القرار الخطير الذي اتخذته دولة الاحتلال يؤكد الطبيعة الاستعمارية العنصرية الإرهابية للاحتلال وسياساته وممارساته، وهو حلقة أخرى في سلسلة تقويض الحق في العمل المدني والحقوقي في الأراضي الفلسطينية المحتلة ومحاربته إلى جانب تصاعد العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية الثابتة.

فيما قالت منظمتا “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية” في بيان مشترك يدين هذه الخطوة، إن هذا التصنيف يسمح للسلطات الإسرائيلية بإغلاق مكاتب هذه المنظمات ومصادرة أصولها واعتقال موظفيها في الضفة الغربية المحتلة. وأضافتا، إن القرار “تصعيد ينذر بالخطر ويهدد بوقف عمل أبرز منظمات المجتمع المدني الفلسطينية”. واعتبرت المنظمتان أن “تقاعس المجتمع الدولي منذ عشرات السنين في التصدي للانتهاكات الإسرائيلية الخطيرة لحقوق الإنسان شجع السلطات الإسرائيلية على التصرف بهذه الطريقة الفجة”. أيضًا، ردد مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الذي يشترك مع المنظمات غير الحكومية، تلك الانتقادات، وقال إن التسميات أدرجت “أسبابًا شديدة الغموض أو غير ذات صلة، بما في ذلك الأنشطة السلمية والشرعية تمامًا كمبرر لوسم الإرهاب”.

في السياق نفسه، أدان “المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان” القرار الإسرائيلي، واعتبر المرصد ذلك الإجراء الذي نفذته إسرائيل حلقة أخرى في سلسلة تقويض الحق في العمل الأهلي والحقوقي في الأراضي الفلسطينية، ومنع توثيق الانتهاكات الإسرائيلية ودعم ضحاياها، في غياب رد فعل دولي يواجه ذلك. وأشار إلى أن بيان وزارة القضاء الإسرائيلية استعان بمعلومات قدمتها جمعية “مراقب الجمعيات” (NGO Monitor) المعروفة بمواقفها المتشددة تجاه المؤسسات الفلسطينية والتحريض عليها. 

وجدد المرصد الأورومتوسطي دعوته المجتمع الدولي إلى الضغط على السلطات الإسرائيلية للحد من سياساتها في إخضاع الأصوات المنتقدة لممارساتها وانتهاكاتها في الأراضي الفلسطينية، والعمل على دعم وجود تلك المنظمات لضمان استمرار رصد وتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية بما يسهم في مساءلة ومحاسبة إسرائيل على تلك الانتهاكات. وشدد على أن إسرائيل تخنق منذ سنوات العمل الحقوقي والأهلي في الأراضي الفلسطينية بما في ذلك فرض حظر على سفر حقوقيين فلسطينيين ومداهمة مكاتبهم واعتقالهم، وصولا إلى تصنيف المؤسسات الأهلية كإرهابية، فضلا عن منع دخول ناشطين حقوقيين دوليين الأراضي الفلسطينية والتحريض عليهم.

أما بالنسبة للموقف الأمريكي من القرار، فعقب القرار، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية إنها ستتواصل مع إسرائيل فيما يتعلق بالأساس الذي تم عليه تصنيف ست من منظمات المجتمع المدني الفلسطينية منظمات إرهابية. وأضافت أنه لم يتم إخطار واشنطن مسبقا بأن هذه المنظمات سيتم تصنيفها إرهابية، بحسب ما ذكرت وكالة رويترز. 

وجاء الموقف الأمريكي الرسمي في وقت أدان فيه عضوا الكونجرس الأميركي “بيتي ماكولوم” و”مارك بوكان”، القرار الإسرائيلي. وقالت ماكولوم في بيان: “أدين هذا الإجراء لإغلاق مؤسسات المجتمع المدني الشرعية التي تدافع عن حقوق الإنسان الفلسطيني”. وأضافت “هذا القرار ليس محاولة لإسكات مؤيدي الحقوق الفلسطينية فحسب، بل هو قرار معادٍ للديمقراطية ومخالف للقيم المتوقعة من حليف للولايات المتحدة”. وحثت إدارة بايدن على مطالبة الحكومة الإسرائيلية على الفور بالتراجع عن قرارها، واستعادة قدرة هذه المؤسسات على مواصلة عملها المهم.

وفي السياق ذاته، ذكر موقع والا الإسرائيلي أن من المقرر أن يقوم مبعوث خاص من جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، بزيارة واشنطن هذا الأسبوع لإطلاع كبار المسؤولين في إدارة بايدن والكونجرس الأمريكي على ما تصفه تل أبيب بمواد استخباراتية تربط المنظمات الست الفلسطينية بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

التداعيات والانعاكاسات

يمثل قرار الحكومة الإسرائيلية خطوة جديدة في سبيل تكميم أفواه منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية، هدفها الأساسي وضع القيود على عمل المجتمع المدني الفلسطيني، والحيلولة دون كشفه لممارسات الاحتلال الإسرائيلي المخالفة لكافة المواثيق والاتفاقيات الدولية.

ويرجح أن يلاقى القرار المزيد من ردود الفعل الناقدة، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، خاصة وأن إسرائيل لم تقدم أية دلائل على تورط تلك المنظمات في أعمال مشبوهة أو استغلال تمويلها في أعمال إرهابية حسبما تدعي، ومن الواضح أن القرار الذي تم إصداره ما هو إلا قرار سياسي، يهدف بالأساس إلى تبرير الممارسات العدائية التي تنوي إسرائيل في الاستمرار بفعلها، من اعتقال للعاملين بتلك المنظمات وشرعنة هجومها على مقرات منظمات المجتمع المدني الفلسطيني وتدخلها في الشأن الفلسطيني بصورة سافرة. ومن الجدير بالملاحظة إلقاء الضوء على بعض الملاحظات المرتبطة بقرار الحظر وانعكاساته المتوقعة:

  1. يأتي القرار في ظل تصاعد الانتقادات الأوروبية للسياسات الإسرائيلية وانتهاكاتها المستمرة بحق الفلسطينيين، في الوقت ذاته، يقدم الاتحاد الأوروبي حوالي 70% من التمويل الموجة لمنظمات المجتمع المدني الفلسطينية، بشرط ألا تقوم المنظمة بالتعامل مع أي من المنظمات التي يصنفها الاتحاد “إرهابية” كشرط لاستمرار التمويل؛ وبالتالي سعت إسرائيل على مدار سنوات للصق تهمة دعم الإرهاب لتلك المنظمات بهدف وقف التمويل ووقف عملها الذي يكشف الممارسات الإسرائيلية أمام الاتحاد الأوروربي ويعرضها لمزيد من الضغوط.
  2. إن قيام إسرائيل بتصنيف ست من أبرز المنظمات الفلسطينية المعنية بحقوق الإنسان على أنها منظمات إرهابية يعد هذا تصعيدًا خطيرًا، وسيؤثر بالتأكيد على عمل هذه المنظمات وكذلك على رصد الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان.
  3. القرار يأتي في وقت تصاعدت فيه أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون الإسرائيليون ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، ووقف عمل تلك المنظمات سيشجع إسرائيل على الاستمرار في انتهكاتها بحق الشعب الفلسطيني والتوسع بشكل أكبر في بناء المستوطنات، وسيسفر وقف نشاط تلك المؤسسات عن توقفها عن الرصد والتوثيق والأبحاث، نتيجة لعدم تمكن هذه المؤسسات من تلقي أي مساعدات مالية تمكنها من أداء مهامها.
  4. من المرجح أن يفتح القرار المجال أمام اتخاذ إسرائيل لمزيد من القرارات تجاه منظمات المجتمع المدني الأخرى.
  5. معظم تلك المنظمات لديها نشاطات تنموية زراعية، لذلك فإن وقفها سيؤثر بشكلٍ ملحوظ على مسار التنمية والزراعة في فلسطين، مما سينعكس على تقدم الاقتصاد القومي الفلسطيني ويضعفه أكثر، وذلك بهدف إبقائه تابعًا للاقتصاد الإسرائيلي مما يسمح بتحكم إسرائيل به.
  6. يمس القرار بالقانون الدولي باعتبار أن المؤسسات المستهدفة تعمل وفق القانون الفلسطيني وأنها ترتبط بشراكات مع مؤسسات دولية ما يستدعي تدخلًا من تلك المؤسسات لإدانة الإجراء الإسرائيلي والعمل على منع تنفيذه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى