سوريا

لماذا تم الهجوم على قاعدة “التنف” الأمريكية في سوريا؟

تعرضت قاعدة “التنف” العسكرية الأمريكية جنوب شرق سوريا قرب الحدود مع الأردن والعراق، لهجوم بواسطة 5 طائرات مسيرة انتحارية، ليل الأربعاء 20 أكتوبر الجاري. وبحسب المرصد السوري لحقوق الانسان –مقره لندن– فإن المسيرات الانتحارية استهدفت “البوفيه” والمسجد ومستودعًا للمواد الغذائية داخل القاعدة.

وحول الخسائر البشرية حيال هذه الضربة المكثفة، قال المتحدث باسم القيادة المركزية للجيش الأمريكي، “بيل أوربان” أنه لا إصابات في صفوف الأمريكيين. ووصفت القيادة المركزية الهجوم الأخير بأنه “منسق ومدروس عبر مسيرات ونيران غير مباشرة. 

أثار الهجوم الأخير عدة تساؤلات بشأن الأسباب الدافعة لحدوثه وخاصة مع استدارة دفة الحرب السورية باتجاه الشمال الغربي ناحية إدلب التي تشهد حالة من التحشيد العسكري للجيش السوري والتركي والفصائل المسلحة السورية الموالية له، علاوة على نشاط مكثف للمقاتلات والقاذفات التكتيكية الروسية فوق أجواء إدلب. فما الذي دفع بتعرض قاعدة التنف العسكرية التي تتمركز فيها القوات الأمريكية جنوب شرقي سوريا لهذا الهجوم المنسق والمدروس على حد وصف القيادة المركزية الأمريكية؟

دوافع الهجوم

يمكن تحديد دوافع الهجوم الأخير حسب النقاط التالية، كالآتي:

  • الضغط على الولايات المتحدة في منطقة “التفاهمات”: بالنظر إلى الخريطة التي تتواجد فيها قاعدة التنف، نجد أنها تقع تمامًا في جزء “التفاهمات” الأمريكية الروسية الموقعة بين البلدين منذ العام 2017. فالولايات المتحدة رسمت خطًا أحمر للقوات الروسية ومرتزقتها مجموعة “فاجنر” لتجنب الصدام العسكري بين المقاتلات والمروحيات وعناصر القوات الخاصة على الأرض، وكذلك لقوات الجيش السوري، والميليشيات الإيرانية، بعدم العبور لشرق الفرات باتجاه الجزيرة السورية أو الحدود السورية العراقية تحديدًا. وتمثل قاعدة التنف نقطة تمركز عسكرية أمريكية تقابل نقطة البوكمال، حسبما توضح الخريطة. ومن خلال قاعدة التنف:
  1. قطعت الولايات المتحدة طريق طهران بغداد التنف دمشق الاستراتيجي.
  2. تحولت قاعدة التنف إلى مركز دعم لوجيستي للغارات الإسرائيلية ضد الأهداف الإيرانية في البوكمال “المقابلة”، وبصورة أثارت غضب موسكو التي تسعى إلى ضبط الميدان وسلوك سلاح الجو الإسرائيلي ورسم مداه العملياتي داخل سوريا. 

من خلال النقطتين السابقتين، يمكن القول إنه تلاقت أهداف كل من سوريا وإيران وروسيا، حول الضغط على الولايات المتحدة بسحب وجودها العسكري “غير الشرعي” حسبما تُصدر دمشق وموسكو تحديدًا. أما إيران فتريد إعادة وصل طريق طهران بغداد التنف دمشق، وإلغاء المزايا اللوجيستية والاستخباراتية التي تحصل عليها إسرائيل من قاعدة “التنف”، ما يستدعي تدخلًا جراحيًا من سلاح الجو الإسرائيلي الذي نفذ أكثر من 5 غارات خلال أشهر في تلك المنطقة بالتحديد. 

  • خسارة إيران للانتخابات العراقية: صوت العراقيون الأسبوع الماضي في الانتخابات النيابية، وخسرت الأحزاب السياسية الأقرب لإيران مقاعدها في البرلمان. وتحاول إيران تحشيد القوة العسكرية لوكلائها المحليين في العراق وسوريا لإبقاء مسارات الضغط مفتوحة على الولايات المتحدة والأطراف المناوئة للمشروع التوسعي الإيراني في المنطقة. ويمثل هدف “طرد القوات الأمريكية” من المنطقة محور الخطاب السياسي لطهران منذ اغتيال قائد فيلق القدس، قاسم سليماني. إذ تحاول طهران استغلال سلسلة الانسحابات الأمريكية من افغانستان والعراق، والدفع بسحب القوات الأمريكية من شرقي سوريا، حيث تعد القوات الأمريكية هناك بمثابة “كوابح” أمام خطوط المواصلات الرئيسية “دعم عسكري وإمداد” التي تربط الجغرافيا الإيرانية بالميدان السوري. ما يضع القواعد والقوات الأمريكية في مرحلة من الضغوط القصوى.
  • مقاربة “التنف – إدلب”: يستبق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اجتماعات القمة مع الفواعل المعنية بالميدان السوري، بتصعيد عسكري؛ كما هو الحال مع الرئيس التركي رجب أردوغان. حيث يصعد الجانب الروسي من غاراته الجوية ضد أهداف قريبة من مناطق نقاط المراقبة للجيش التركي، بالتزامن مع قمة “بوتين – أردوغان”. فإن ضربات “التنف” تجيء بالتزامن أيضًا مع قمة “بوتين – بينيت”، حيث يريد رئيس الوزراء الإسرائيلي الإبقاء على آلية التنسيق العسكري بين إسرائيل وروسيا في سوريا. وخاصة بعد كشف روسيا لتفاصيل الضربات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت مواقع قرب مدينة “تدمر” وسط سوريا قبل أيام، واستهداف مطار “التيفور” في حمص في 13 أكتوبر الجاري. 
  • وكذا، يحاول بينيت أن يرث الخصوصية التي حظي بها سلفه بنيامين نتنياهو لدى فلاديمير بوتين، وأن يحظى بيد حرة في الميدان السوري، وميزة الوصول السهل لكافة مواقع الوسط والجنوب السوري بتنسيق مع الجانب الروسي، طالما أنه لا يستهدف السوريين أو الروس. وتسعى موسكو إلى لضغط على تل أبيب لضبط تحركاتها الجوية، وتفكيك ارتباط هذه التحركات الجوية بأية قنوات تنسيقية مع الولايات المتحدة، وحصر الاتصال فقط مع قيادة الحملة الروسية في حميميم باللاذقية. 

ختامًا، رغم الاختلافات الكبيرة بين دمشق وطهران وموسكو وأنقرة، فإن الرباعي يتوافق على الضغط على الأمريكيين شرق الفرات، في محاولة لاستغلال موجة الانسحابات الأمريكية من بؤر الصراع الإقليمية، وخاصة مع اقتراب انسحاب الولايات المتحدة من العراق وزوال خط إمداد رئيس للقوات الأمريكية المتمركزة شمال وشرق سوريا؛ ما قد يفرز تنسيقًا أمريكيًا اسرائيليًا في استهداف الوكلاء الإيرانيين في سوريا بشكل يتجاهل الأدوار الروسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى