سوريا

هل تشن تركيا عملية عسكرية جديدة في شمال سوريا؟

تعاود خريطة الميدان السوري التقلب مرة أخرى بعد فترة من السكون النسبي استمرت نحو عام ونصف بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين روسيا وتركيا (مارس 2020) الذي أنتج مناطق حافظ البلدان على تجنب التصعيد فيها وإبقائه –إن حدث- في حدوده الدنيا. إلا أن الفترة الأخيرة شهدت تصعيدًا على المستويين الميداني والسياسي بات ينبئ باحتمالات أن تقوم تركيا بعملية عسكرية جديدة تستهدف عددًا من المناطق التي يسيطر عليها الأكراد في شمال سوريا.

مؤشرات ضاغطة

  • تصعيد متزامن ضد الوجود التركي

أضحى الوجود العسكري التركي في شمال سوريا هدفًا لتصعيد عسكري مضاد من أكثر من جهة بشكل متزامن خلال الأشهر الأخيرة، وكانت الهجمات أكثر كثافة في محيط محافظة إدلب حيث تتمركز الفصائل المسلحة التابعة لتركيا وخاصة هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقًا)؛ إذ اتجه الجيش السوري والقوات الروسية إلى تكثيف هجماتهم في محيط إدلب منذ أشهر، وزادت هذه الهجمات بشكل مطرد خلال الشهرين الأخيرين باستهداف التمركزات التركية في جنوب المحافظة، وخاصة عند جبل الزاوية، وسط مؤشرات على إقدام الجيش السوري وروسيا على شن عملية واسعة للسيطرة على بعض المدن الجديدة في محيط إدلب وبسط السيطرة على الطريق الدولي حلب-اللاذقية (M4). ويمكن هنا الوقوف على بعض الملاحظات حول هذا التصعيد:

1 – بينما كان يعول على لقاء الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان في سوتشي (29 سبتمبر) أن يسهم في خفض التصعيد، لم تفضِ القمة إلى شيء، وأعقبها تصعيد المدفعية السورية والطائرات الروسية للهجمات التي تستهدف محيط نقاط المراقبة التركية وتمركزات القوات في محيط إدلب بشكل شامل، في الوقت الذي كثفت فيه تركيا إرسال التعزيزات العسكرية وإنشاء نقاط تمركز جديدة في جنوب إدلب وفي محيط طريق (M4) والطرق الرئيسية الأخرى، وهو ما يقابله تعزيز الجيش السوري لوجوده في المدن التي يسيطر عليها المطلة على الطريق الدولي، وخاصة سراقب ومناطق غرب حلب.

2 – الاستهداف الذي طال القوات التركية في محيط إدلب لم يكن من قبل الجيش السوري والقوات الجوية الروسية فقط، وإنما كان هناك نشاط كبير لما تسمى “سرية أنصار أبي بكر الصديق” باستهداف القوات التركية خلال الشهر الأخير؛ إذ أحصى المرصد السوري لحقوق الإنسان (15 أكتوبر) أن السرية قتلت نحو 6 جنود من القوات التركية خلال 35 يومًا، وتبنت السرية معظم عمليات استهداف القوات التركية منذ ظهورها (سبتمبر 2020)، وآخر هذه الهجمات هجوم استهدف رتلًا عسكريًا تركيًا (16 أكتوبر) على طريق معرة مصرين المؤدي إلى معبر باب الهوى بين سوريا وتركيا شمال إدلب، وأدى إلى مقتل جنديين وإصابة 4 آخرين. 

3 – التصعيد السوري-الروسي اتسع نطاقه بعد لقاء أردوغان-بوتين ليشمل مناطق أخرى في عمق مناطق النفوذ التركي، ويأتي متسقًا مع تصعيد آخر تقوم به قوات سوريا الديمقراطية، ومنه القصف المدفعي السوري الذي استهدف (16 أكتوبر) الطريق الواصل بين معبر باب الهوى ومدينة سرمدا التي تتعرض لهجمات مكثفة بالمدفعية الموجهة بالليزر من الفوج 46 السوري المتمركز غرب حلب، وهجمات مكثفة لقوات سوريا الديمقراطية، مع ضربات جوية روسية لمنطقتي أعزاز ومارع التي شهدت قصفًا صاروخيًا ومدفعيًا (7 أكتوبر) نفذته “قسد” استهدف قاعدة “تويس” التركية هناك. وهي كلها مناطق العمليات العسكرية “درع الفرات – غصن الزيتون” والتي تشهد وجودًا لما يسمى بالجيش الوطني الحر المدعوم من أنقرة. وبالتزامن مع ذلك أعلنت ولاية غازي عنتاب التركية أن مقاطعة كركامش تعرضت إلى سقوط ثلاث قذائف (11 أكتوبر).

4- يمكن القول إن هذا الضغط على الوجود التركي العسكري هو انعكاس لما يمكن وصفه بـ”غياب التفاهم” بين موسكو وأنقرة والذي تتعدى حدوده الجغرافيا السورية لتشمل بقاعًا أخرى مثل ليبيا وأذربيجان، وفشلت قمة سوتشي بين أردوغان وبوتين في احتوائه أو الخروج بأدنى قدر من التفاهم يمكن من خلاله الاتفاق على ملامح مراحل مقبلة، ولذلك عمدت روسيا بالتعاون مع قوات سوريا الديمقراطية إلى ضرب معاقل التمركز التركية في مناطق خفض التصعيد.

  • تحركات تركية

أدى هذا التصعيد إلى تحركات تركية على الصعيدين السياسي والميداني يحذر من عملية وشيكة، فقد أعلن الرئيس التركي (15 أكتوبر) أن “أنقرة مصممة على مواجهة التنظيمات الإرهابية المدعومة من الولايات المتحدة وقوات النظام، وكفاحنا في سوريا سيستمر بشكل مختلف للغاية في الفترة المقبلة”. وقبل ذلك أكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو (13 أكتوبر) أن بلاده “ستفعل ما هو ضروري لأمنها”، وكذلك أكد وزير الدفاع التركي خلوصي آكار (14 أكتوبر) أن “تركيا ستقوم باللازم في المكان والزمان المناسبين لوقف الهجمات الإرهابية في شمال سوريا”.

وانعكست هذه التصريحات ميدانيًا؛ إذ استهدفت المدفعية التركية (12 أكتوبر) مناطق في محيط مطار منبج العسكري وأطراف تل رفعت وريف عفرين، ردًا على هجوم استهدف آلية مدرعة في منطقة مارع وأودى بحياة أحد أفراد شرطة المهام الخاصة وإصابة 3 آخرين. وأرسلت أنقرة المزيد من التعزيزات العسكرية إلى نقاطها وقواعدها في ريف حلب، مع رفع حالة التأهب والجاهزية، وكثفت من قصفها المدفعي على مناطق انتشار القوات الكردية في محيط حلب وصولًا إلى تل تمر في ريف الحسكة شرق الفرات.

وعلاوة على ذلك، كثفت الفصائل المسلحة الموالية لتركيا من عملياتها، وقصفت مواقع للجيش السوري في جنوب إدلب وغرب الفرات بالمدفعية والصواريخ (18 أكتوبر)، وذلك بعدما أعلنت مجموعة من هذه الفصائل؛ هي الجبهة الشامية وجيش الإسلام وفيلق المجد والفرقة 51 وفرقة ملكشاه ولواء السلام اندماجها ضمن ما يسمى “مرتبات الفيلق الثالث في الجيش الوطني” (18 أكتوبر). وتكثف الطائرات المسيّرة الاستطلاعية التركية جولاتها في مختلف مناطق الشمال السوري، وألقت رسالة في تل رفعت كُتب عليها “إلى المدنيين في مدينة تل رفعت سيتم تطهير المدنية من إرهاب الـpyd –pkk يرجى التعاون مع قواتنا.. قبل فوات الأوان”.

الأهداف التركية

ترمي هذه التحركات الميدانية والتصريحات الرسمية التركية حول احتمالات شن عملية عسكرية جديدة في شمال سوريا إلى تحقيق عدد من الأهداف، منها:

  • تخفيف الضغط على إدلب

تضغط روسيا منذ فترة طويلة على تركيا لتنفيذ تعهداتها بإخراج الفصائل المسلحة وفي مقدمتها هيئة تحرير الشام من إدلب، وهو أحد الأمور الذي تعهدت بها تركيا بموجب اتفاق سوتشي، على أن تقوم موسكو في المقابل بإخلاء الشريط الحدودي السوري-التركي بعمق 30 كم من القوات الكردية. وعلى الرغم من أن تركيا لم تنفذ هذه التعهدات فقد حافظت موسكو على مناطق النفوذ التركي ساكنة نسبيًا، وذلك بموجب التنسيق المشترك بين موسكو وقوات سوريا الديمقراطية.

ومع زيادة الضغط الروسي عسكريًا وسياسيًا على تركيا لتنفيذ تعهداتها، والذي يبدو أنه تم تجديده والتأكيد عليه في لقاء سوتشي بين بوتين وأردوغان، ثم أكد عليه وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف بقوله (4 أكتوبر) “لا يزال التهديد الإرهابي قائما في منطقة خفض التصعيد في إدلب، لذلك، تؤكد روسيا بشكل لا لبس فيه على ضرورة التنفيذ الكامل للاتفاقيات بين الرئيسين بوتين وأردوغان لعزل الإرهابيين، وخاصة الإرهابيين التابعين لجماعة (هيئة تحرير الشام)”؛ تريد أنقرة التلويح بعملية عسكرية في محيط حلب لتخفيف هذه الضغوط، وإرجاء مسألة إخراج الجماعات من إدلب إلى تفاهمات لاحقة مع موسكو.

  • ورقة مساومة

تبدو ورقة الاقتحام العسكري للمناطق التي يسيطر عليها الأكراد في شمال سوريا ورقة مهمة لأنقرة في مباحثاتها سواء مع روسيا أو الولايات المتحدة؛ فمن جانب يمكن أن تستغل أنقرة هذه الورقة للضغط على موسكو بإخلاء الشريط الحدودي بعمق 30 –كما سلف- في مقابل أن تسمح تركيا لأنقرة بالسيطرة على بعض الأجزاء من الطرق الدولي حلب-اللاذقية (M4) الذي يعد شريانًا تجاريًا مهمًا لكل من روسيا والنظام السوري. ومن ثم تُرجأ ورقة إخلاء إدلب من الفصائل المسلحة. هذا بجانب أن شن تركيا لمثل هذه العملية قد يسهم في توتير علاقات موسكو مع الأكراد أو تقويض التفاهمات الجارية بينهما، ومنها ما يتعلق بمفاوضات إخضاع بعض المناطق إلى سيادة النظام السوري.

ومن جانب آخر، تبدو هذه العملية ورقة ضغط أخرى على الولايات المتحدة التي تشوب علاقتها وتركيا توترات كثيرة منذ تولي الرئيس جو بايدن؛ إذ تسهم هذه العملية في زيادة التوترات بين الولايات المتحدة والأكراد التي زادت بالفعل على وقع الحديث عن قُرب انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، وهو ما حاول قائد القيادة المركزية الأمريكية فرانك ماكينزي تبديده خلال زيارته الشمال السوري الشهر الماضي. ويمكن لمثل هذه العملية وما يتبعها أن يكون له بالغ الأثر في عمليات مكافحة تنظيم داعش التي تمثل قوات سوريا الديمقراطية عنصرًا أساسيًا فيها، وهو الأمر الذي من شأنه إزعاج واشنطن.

  • مكسب استراتيجي

تسعى تركيا إلى تأمين جوارها الاستراتيجي بعدما تضرر جراء النفوذ الذي اكتسبه الأكراد خلال الفترات الأخيرة بتفاهماتهم مع كل من روسيا والولايات المتحدة وحتى مع النظام السوري بوساطة روسية، وهو النفوذ الذي ساهم في زيادة تحركاتهم العسكرية المناوئة لتركيا والفصائل المسلحة التابعة لها في مناطق نفوذ عملياتها (درع الفرات – غصن الزيتون – نبع السلام). هذا بالإضافة إلى السعي لقضم بعض المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية في صراع الطرق الدولية الجاري منذ سنوات، وخاصة مدينة تل رفعت، وذلك بعدما فرضت وجودًا لها من قبل في منطقة عين عيسى، لا سيّما وأن هذه المنطقة المستهدفة من قبل تركيا تسيطر على طرق التجارة الرئيسية شمال حلب.

هل تُنفّذ العملية؟

تتشابه الأحداث والمعطيات الجارية الآن مع الأجواء التي سبقت العملية العسكرية التركية الأخيرة في شمال سوريا (درع الربيع-فبراير 2020) والتي جاءت ردًا على تكثيف عمليات الجيش السوري في إدلب وسيطرته على مدن استراتيجية مثل معرة النعمان وسراقب، وانتهت باتفاق وقف إطلاق النار (14مارس 2020). ولكن على الرغم من ذلك يبدو من الصعب أن تقدم تركيا على تنفيذ عملية عسكرية واسعة كالعمليات السابقة في شمال سوريا دون تنسيق مسبق مع الفاعلين الدوليين وهما روسيا والولايات المتحدة؛ إذ تتقاطع هذه العمليات مع مصالح البلدين في سوريا بشكل مباشر، ولهذا فإن الإقدام على شن العملية العسكرية الجديدة يتوقف على ما يمكن أن يحدث من توافق مع روسيا والولايات المتحدة أو على روسيا فقط على الأقل.

وبناء على مؤشرات الضغط الروسي السابقة وخاصة تلك التي أعقبت قمة سوتشي، يمكن الجزم بأن بوتين لم يمنح أردوغان هذه الموافقة الضمنية على العملية. إلا أنه في الوقت ذاته تبدو احتمالات انهيار وقف إطلاق النار الموقع بين البلدين صعبة لأن كليهما لا يسعيان إلى الدخول في مواجهة مباشرة في سوريا، لا سيّما وأن الميدان السوري لم يعد هو ميدان الاشتباك الوحيد بينهما، ويحافظ البلدان دائمًا على قدر من التفاهمات يسمح بتبادل الأدوار والاتفاقات في مختلف المسارح التي تتدخل قواتهما فيها.

وتضع هذه الحالة العملية العسكرية التركية أمام سيناريوهين:

السيناريو الأول، أن تسهم المحادثات الجارية بين موسكو أنقرة في الوصول إلى موافقة روسية على تنفيذ العملية العسكرية التركية في بعض مناطق شمال سوريا التي تريد تركيا اقتحامها (تل رفعت – منبج – عين العرب). وذلك في مقابل أن تحصل روسيا على تنازلات من تركيا تتعلق بوجودها في إدلب وعلى الطريق الدولي (M4). 

ولكن بالنظر إلى مناطق مثل تل رفعت ومنبج يتضح أنه من الصعب للغاية أن توافق موسكو على اقتحام تركيا لهما؛ إذ يصعب عليها المغامرة بنفوذها في مناطق شرق وغرب الفرات عبر إعطائها الضوء الأخضر لتركيا لشن عمليتها العسكرية إلا إذا كان المقابل الذي ستمنحه إياها تركيا يوازي هذا التضرر، وبما لا يضر بمصالحها هناك، فضلًا عن أن هذا الضوء الأخضر سيكون بتنسيق روسي – أمريكي – كردي مشترك، وذلك في ضوء التفاهم البادي مؤخرًا في علاقات موسكو وواشنطن في الملف السوري، فضلًا عن التفاهم الروسي-الكردي ومنه الزيارة التي أجراها وفد روسي إلى مناطق شرق الفرات مطلع الشهر الجاري والتقى خلالها قيادات “قسد” لبحث التهديدات التركية والتطورات العسكرية التي تشهدها المنطقة.

السيناريو الثاني، أن ترفض موسكو منح تركيا الضوء الأخضر لعملياتها، وتلجأ أنقرة إلى أن تنفذ الفصائل الموالية لها وخاصة الجيش الوطني الحر عمليات مكثفة ضد مواقع القوات الكردية في المناطق السابق ذكرها، خاصة وأن بعض هذه المناطق تقع على خطوط اشتباك مباشرة مع الجيش الوطني الحر الذي أخذ في ترتيب صفوفه ورفع جاهزيته خلال الفترة الأخيرة، على أن تنفذ هذه العملية بدعم وإسناد من بعض القوات التركية لاستهداف مواقع دقيقة للقيادة والتمركز والإمداد.

إجمالًا، يمكن القول إن احتمالات أن يشهد شمال سوريا تحركًا عسكريًا تركيا مباشرًا أو غير مباشر كبيرة، بالنظر إلى التصميم التركي على مجابهة التصعيد الجاري ضده في مناطق الشمال السوري. وسيكون هذا الملف أحد الملفات المهمة التي تجري مناقشتها بين تركيا وروسيا والولايات المتحدة، وخاصة إذا حدث لقاء مباشر بين الرئيسين التركي والأمريكي خلال قمة مجموعة العشرين نهاية الشهر الجاري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى