مصر

جهود الدولة في تمكين النساء تؤتي ثمارها.. “98 قاضية تصلن إلى مجلس الدولة”

لطالما كانت المناصب القضائية في مصر من الأبواب المغلقة أمام النساء، وذلك رغم نص الدستور الصريح بتمكين المرأة من التعيين في الجهات والهيئات القضائية دون تمييز. وهو ما واجهته القيادة السياسية بكل حزم، وتُوج بحدث هو الأول في التاريخ بأداء 98 قاضية بمجلس الدولة حلف اليمين الدستورية للعمل بمجلس الدولة، وذلك بعد 72 عامًا على إنشاء المجلس دون تعيين امرأة واحدة.

خطوات للتمكين

وجه السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في إطار الاحتفال باليوم العالمي للمرأة في مارس الماضي “بتفعيل نص المادة 11من الدستور تفعيلًا كاملًا في كفالة حق المرأة في التعيين في الجهات القضائية، وهو ما يكفل تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة في جميع الحقوق“، كذلك المادة 14 من الدستور التي تنص على أن” الوظائف العامة حق للمواطنين، فضلًا عن المادة 12 التي تنص على أن العمل حق وواجب وشرف تكفله الدولة للمواطنين. وعُدّ هذا التوجيه الرئاسي خطوة غير مسبوقة في تاريخ الدولة المصرية وذلك لندرة وجود المرأة في الجهات والهيئات القضائية رغم وجود الكفاءات المؤهلة لذلك.

وفي استجابة سريعة بادر مجلس الدولة بإصدار الإعلان رقم (2) لسنة 2021، والذي يحمل في طياته خطة تنفذ لأول مرة في التاريخ القضائي لمجلس الدولة ويتضمن تنفيذ التوجيه الرئاسي بالموافقة على تعيين عدد من عضوات النيابة الإدارية، وعضوات هيئة قضايا الدولة، بطريق النقل لمجلس الدولة، لشغل وظيفة “مندوب” أو وظيفة ” نائب” بالمجلس. 

وقد تم التنسيق بين هيئة النيابة الإدارية، وهيئة قضايا الدولة، لإتمام نقل العضوات الراغبات في الالتحاق بالعمل قاضيات في مجلس الدولة، وعمل أفضل التسهيلات لهن، بعد وضع عدة شروط وضوابط لنقل العضوات من النيابة الإدارية أو قضايا الدولة إلى مجلس الدولة، منها: “حصول العضوة علي تقدير امتياز أو جيد جدًا في درجة الليسانس، بالإضافة إلى حصولها على دبلومتين للدراسات العليا إحداهما في القانون العام أو القانون الإداري، وخلو ملفها من أية إجراءات أو ملاحظات، واجتيازها المقابلة الشخصية أمام اللجنة المختصة بمجلس الدولة.

ملامح وجود المرأة في القضاء

على صعيد المحكمة الدستورية، ورغم أن النساء في مصر قد مارسن العمل في القانون منذ ثلاثينات القرن العشرين، إلا أنه لم تعين سيدة في وظيفة قاضية إلا في عام 2003 عندما عُينت المستشارة تهاني الجبالي، نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا، كأول سيدة تجلس على منصة القضاء لتنظر القضايا، وتصدر الأحكام فيها، وفى ديسمبر 2020 تم تعيين الدكتورة فاطمة الرزاز عميدة كلية الحقوق بجامعة حلوان نائبة رئيس المحكمة الدستورية كثاني سيدة تتولى هذا المنصب.

وفي القضاء العالي، نجحت المرأة المصرية في الدخول إلى سلك القضاء عام 2007، عندما أدت 31 قاضية اليمين الدستورية، وفي عام 2008 تم تعيين 12 مستشارة من النيابة الإدارية بالقضاء العالي، ومع حلول عام 2015، وصل مجموع السيدات اللاتي يتولين منصب قاضية إلى 66 فقط، مقابل 16 ألف قاضٍ، وهي النسبة التي كانت لا تتعدى النصف في المائة فقط.

أما في عام 2009، صدر إعلان المجلس الخاص بمجلس الدولة عن قبول تعيينات مندوبين مساعدين بمجلس الدولة، إلا أن الجمعية العمومية لمجلس الدولة انعقدت بشكل طارئ وصوتت بالإجماع على رفض تعيين المرأة في مجلس الدولة، وقد أعقبها جمعية أخرى قررت فيها إرجاء الأمر، ومنذ ذلك التاريخ وقد جمدت القضية بمجلس الدولة.

أما على مستوى النيابة الإدارية، فحسب التقرير الصادر عن مرصد المرأة المصرية بعنوان “تقرير متابعة أنشطة الوزارات لعام 2019-2020 لتنفيذ الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030” فقد بلغ عدد السيدات المستشارات بهيئة النيابة الإدارية حوالي 1986 من إجمالي 4635 أعضاء هيئة النيابة الإدارية بالدرجات المختلفة. وقد تولت النساء منصب رئيس هيئة النيابة الادارية، بالإضافة إلى تعيين ما يقرب من 79 معاونًا للنيابة الادارية من النساء بموجب القرار 239 لسنة 2020

وقد اتُخذت بعض الخطوات المضيئة التي تُعدّ انتصارًا للنساء مع إطلاق الرئيس عبد الفتاح السيسي عام المرأة المصرية، فعُينت لأول مرة مساعدة لوزير العدل في شؤون المرأة والطفل، علاوة على تعيين 4 قاضيات سكرتارية اللجنة العليا للانتخابات. 

وكذلك، عُينت 6 سيدات كنائبات لرئيس هيئة قضايا الدولة عام 2018، “وإن بلغ إجمالي عدد القاضيات في الهيئة 430 قاضية”، إضافة إلى تعيين أول سيدة رئيسة المحكمة الاقتصادية في مصر. وبحلول عام 2019 تم تعيين فاطمة قنديل كأول قاضية مصرية على منصة القضاء بقضايا الجنايات. وفي مارس 2021، عُينت المستشارة إيمان سعودي في منصب أمين عام مساعد لشؤون المرأة والعلاقات الإنسانية، وهي أول مستشارة تتولى هذا المنصب في تاريخ قضايا الدولة.

جدير بالذكر، أن قضية دخول المرأة إلى السلك القضائي، قد مرت بحالة من الجدل والخلافات داخل صفوف الأوساط القضائية نفسها. وتحديدًا بين فقهاء القانون الذين كانوا يرفضون الأمر، بحجة أن العمل القضائي غير مناسب لطبيعة المرأة. فيما كانت أسباب رفضهم الحقيقية ترجع إلى بعض التقاليد القضائية من جهة، وإلى التفسيرات الشرعية الخاطئة للدين الإسلامي من جهة أخرى. وليس بسبب أحكام دستورية أو بنود قانونية صريحة، ذلك نظرًا إلى أن القانون المصري كفل لمواطنيه حق المساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات. ولا توجد نصوص قانونية صريحة تمنع تعيين قاضيات أو عضوات بمجلس الدولة.

هل هناك تقبل مجتمعي لتعيين المرأة في المناصب القضائية؟

على الصعيد النسائي، تشير المسوح الميدانية حسب الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030 إلى أن نسبة النساء اللاتي يتطلعن إلى وصول النساء أمثالهن إلى المناصب القضائية حوالي 31%، وعلى الرغم من انخفاض النسبة والتي نجمت عن سنوات من إبعاد وتهميش المرأة عن تلك المناصب مما أثر على ثقة النساء أنفسهن في إمكانية أدائهن لتلك المناصب. إلا أن النسبة ورغم ضآلتها كانت تعكس فجوة كبيرة بين ما هو مأمول من النساء وبين الواقع الذي لا يتعدى 1%.

أما على الصعيد المجتمعي، فتتصل درجة التمكين السياسي للمرأة بصورة مباشرة مع إدراك المواطن ومدى تقبله لتقلدها للمناصب القيادية، وقد أجرى مركز بصيرة مسحًا بشأن إدراك المواطنين لتعيين المرأة في المناصب القيادية ومنها المناصب القضائية. فأظهر المسح تحسنًا ملحوظًا في إدراك المواطنين بدور المرأة في الأعوام” 2014-2018″؛ فبلغت اتجاهات المواطنين لتقبل المرأة في منصب قاضية عام 2014 حوالي 31% وازدادت تلك النسبة إلى 42% عام 2018.  أخيرًا، تشير تلك النسب التي التطور الحادث في الوعي المجتمعي خلال السنوات القليلة الماضية، إلا أن هناك حاجة إلى بذل المزيد من الجهود الخاصة بالتوعية بأهمية مشاركة المرأة في الواقع السياسي، والتي تعتمد بشكل كبير على تغيير ثقافة المجتمع التي لا تتغير بين ليله وضحاها، بجانب تمكين المزيد من النساء في المجالات التي لم يخضنها من قبل لا سيما المجال القضائي حتى يصبحن قادرين على كسب الثقة بأنفسهن أولًا، وكسب ثقة المجتمع ثانيًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى