علوم وتكنولوجيا

كيف تؤثر الشركات التكنولوجية في “صنع القرار” و”سيادة الدول”؟

تزايدت، خلال السنوات الأخيرة الماضية، قوة الشركات التكنولوجية الخاصة، لاسيما مع ظهور الكبار الخمسة (جوجل، أمازون، فيس بوك، آبل ومايكروسوفت) التي تجاوزت قيمتها السوقية (٤,١٠٠ مليار دولار) الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا، إضافة إلى وجود شركات التكنولوجيا الكبيرة مثل سبيس إكس (SpaceX) المملوكة لإيلون ماسك؛ حيثُ إنها باتت تؤثر بشكل كبير على الدول سواء في عملية صنع القرار السياسي أو الرأي لعام والوعي الجمعي والسياسات العامة للدول.

تطور طبيعة العلاقة بين الشركات وصانعي القرار: من توافق إلى تعارض

كانت بداية الإنترنت في الجيش الأمريكي في الستينيات من القرن الماضي وحينها تم توظيفه لخدمة السياسية الأمريكية وتنسيق الجهود داخل الجيش الأمريكي إلى أن تطور الأمر ليصل إلى الذي يمكنه من المشاركة في عملية صنع القرار والتأثير عليها منذ التسعينيات من القرن الماضي.

فتطورت العلاقة من كونها تتسم بنوع التوافق والتناغم إلى التعارض والتنافس مع تزايد الدول في الاعتماد على الشركات الخاصة وتقديم عقود مقاولات، وهو ما جعل الشركات الخاصة على معرفة تامة بأدق التفاصيل الخاصة بالبرامج والتطبيقات التكنولوجية التي تستخدمها الدول خاصة في المجال العسكري. وهو ما يؤدى بدوره إلى طرح تساؤلاً حول مدى الخطورة التي تمثلها تلك الشركات على سيادة الدول وقدرتها على التفرد بعملية صنع القرار وفقًا للمفهوم التقليدي للدولة والذي يتجسد في الإقليم والشعب والسيادة.

وهناك مدرستان مختلفتان حول طبيعة العلاقة بين الدولة الممثلة في السياسيين وبين العلماء والباحثين. فالأولى، ترى أنه لا يوجد تعارض وتداخل بين السياسيين والعلماء والباحثين؛ حيثُ يعملان في تناغم وتوافق لتحقيق نفس الأغراض والأهداف. الثانية، ترى أنه يوجد فروقات واختلافات بين السياسيين والعلماء والباحثين بسبب تباين الأهداف.

ويركز العلماء والمبتكرون التكنولوجيون بشكل أساسي على البحوث والابتكار بغض النظر عن حجم المجموعة التكنولوجية. وبعبارة أخرى، يرى العلماء أنه لا مانع من وجود مجموعات صغيرة من العلماء القادرين على الإتيان بأفكار جديدة. وفي المقابل، يرى السياسيون أنه من الضروري عدم السماح لتلك المجموعات الصغيرة من السياسيين للهيمنة عليهم في عملية صنع القرار بشأن الإنترنت.

فإذا كان هناك تباين في الآراء حول تنظيم الإنترنت بين السياسيين والعلماء، فماذا عن عملية صنع القرار السياسي في ظل التطور التكنولوجي الهائل وفي ظل اتساع استخدامات الكمبيوتر والإنترنت وتزايد عدد المستخدمين خلال السنوات القليلة الماضية.

ويمكن القول بأن المدرسة الثانية هي الأكثر واقعية الآن. فلوحظ تزايد نفوذ الشركات التكنولوجية الخاصة من قبل الساسة الأمريكيين والأمريكيين، لاسيما بعد أن أصبح الإنترنت والفضاء الإلكتروني يتم إدارتهما بشكل مركزي وغير فوضويًا.

تغير مفهوم السيادة وظهور مصطلح السيادة الرقمية

ونتيجة لهذا التطور في شكل وطبيعة العلاقية بين الشركات التكنولوجية والدول، يتضح أن الشركات التكنولوجية تتقاسم الدول في سيادتها التي ينص ميثاق الأمم المتحدة على احترامها وعدم المساس بها لكونها في الاختصاص الداخلي للدولة.

فقد كانت الشركات، ومن بينها الشركات الخمس الكبرى تتعاون مع الدول والمنظمات الدولية لتنظيم الفضاء الإلكتروني ومحاربة التطرف والأخبار المغلوطة والشائعات ولكن بمرور الوقت، تحول هذا التعاون إلى تنافس وصراع على نحو تدريجي مع تزايد دور الشركات الخمس الكبرى في تنظيم الفضاء الإلكتروني بسياسة الأمر الواقع وتبنيها أيدولوجية تروج للفكر الليبرالي وتحارب الفكر المحافظ والشعبي والقومي.

فقد ظهرت مؤخرًا في أدبيات العلوم السياسية والمجتمع الرقمي مصطلحًا جديدًا وهو “السيادة الرقمية” والتي بموجبها تمارس الشركات التكنولوجية سيادة عابرة للحدود على منصاتها وتطبيقاتها الإلكترونية؛ حيثُ إنها توفر البنية التحتية الرقمية للأفراد والشركات.

ويمكن اعتبارها سيادة بالأمر الواقع (De Facto)، وهو ما يدعو للحاجة للنظر في مفهوم السيادة وفي مبادئ حقوق الإنسان في ضوء الثورة الصناعية الرابعة كالذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والحوسبة الكمية والخوارزميات.

فعلى سبيل المثال، أنشأت الشركات التكنولوجية الكبيرة كميكروسوفت وأمازون وجوجل وآبل وفيس بوك ، بنية تحتية رقمية التي صارت فيما بعد بمثابة مرفق عام، وهو ما يعني أن الشركات التي تتنافس مع بعضها البعض لبناء بنية تحتية كبيرة وبأسعار أقل باتت تمتلك وتسيطر على جزء كبير من الإقليم من خلال ما يسمى بالإقليم الرقمي (digital territory) نتيجة للاعتماد المتزايد على التكنولوجيا الجديدة والناشئة والاتجاه نحو بناء مدن ذكية من جانب الدول، فضلاً عن أنها تجاوزت فكرة الحدود، وهو ما يوثر بدوره على قدرة الدولة في بسيط سيادها في الإقليم التابع لها (aterritorial). فمن ثم، يمكن القول بأن مفهوم السيادة تحول من مفهومه التقليدي ليشتمل على البعد الرقمي والذي بموجبه من المفترض أن تمارس الدولة سيادتها في الفضاء الإلكتروني وبسط سيطرتها على الشبكات والبيانات والتواصل الإلكتروني. ولكن مع تزايد حجم البيانات الضخمة – والتي أشارت إحدى التوقعات بأن قيمة سوق البيانات الضخمة قد تصل إلى ٦٨ تريليون دولار في ٢٠٢١ – ومع التداخل الشديد بين المجتمعات والدول، صارت الشركات الأمريكية الكبرى الخاضعة للقوانين الفيدرالية هي التي تحكم الفضاء الإلكتروني في الولايات المتحدة والدول الأخرى، لاسيما مع تزايد عليها تلك التقنيات في التجسس مثلما اتضح من تسريبات إدوارد سنيودن.

دور الشركات التكنولوجية في التأثير علي:

الرأي العام والوعي الجمعي:

مما لا شك فيه، أن الشركات التكنولوجية الكبيرة تشكل الرأي العام والوعي الجمعي بعد أن كانت الدول هي التي تقوم بذلك من خلال توظيف أدواتها الإعلامية التقليدية. فعلى سبيل المثال، توظف تلك الشركات خوارزمياتها بناء على ما يشاهده ويتابعه المستخدمون، وهو ما يعيد تشكيل فكر ومعتقدات وآراء وتفضيلات الأفراد. وبناء على بحث لروبرت أبشتاين بالمعهد الأمريكي للأبحاث السلوكية والتكنولوجيا، تستطيع الشركات التكنولوجية بالتحايل والتأثير على الرأي العام وتوجيه أصوات الناخبين بعشر طرق، ومنها التلاعب والرسائل المستهدفة ومطابقة الرأي.  

فعلى سبيل المثال، شكلت الشركات التكنولوجية، ومنها شركة فيسبوك – التي بلغ عدد مستخدميها ٢٤٠,٠٠٠,٠٠٠ شخصًا من إجمالي عدد سكان ٣٣٢,٩١٥,٠٧٣ في ٢٠١٩ – الوعي الجمعي في أمريكا خلال حبقة الرئيس ترامب للحد الذي جعلها تؤثر على السياسيات والصراعات الحزبية بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري. فقد، عُقدت جلسة استماع في الكونجرس الأمريكي في ٢٠١٨، على سبيل المثال، والتي انتقد فيها النواب الجمهوريين الشركات التكنولوجية فيسبوك وتويتر وانستجرام بالتحيز ضد التيار المحافظ لكونها قامت بإزالة بعض المحتويات لأسباب سياسية.

 في حين أن الديمقراطيين انتقدوا تلك الاتهامات. كما وصل الصراع إلى قيام الشركات التكنولوجية بحجب حسابات ترامب في أعقاب أحداث مبنى الكابيتول في ٦ يناير ٢٠٢١. وبناء عليه، انخفضت نسبة المعلومات المغلوطة التي كانت تروج لحدوث تزوير في الانتخابات الأمريكية بنسبة ٧٥٪ بعد أن تم حجب حسابات ترامب على المنصات الثلاثة، وهو ما يلقي الضوء على قدرة هذه المنصات في إحكام السيطرة على المعلومات وتوجيه الرأي العام.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فحسب؛ حيثُ تحرك الشركات الكبرى، الرأي العام من خلال حجب تغريدات وفرض سياسة للتأكد من صحة المعلومات خاصة التي ينشرها السياسيون. فعلى سبيل المثال، فرضت شركتا “جوجل” و”فيس بوك” إبان الانتخابات الأمريكية في ٢٠٢٠ ،قيودا على الإعلانات السياسية بشكل مؤقت بعد وقت قليل من غلق مراكز الاقتراع. وهذا لا يعود لقوتهما الاقتصادية فحسب، بل لتمتعهما بالحصانة حسب القسم رقم ٢٣٠ من القانون الصادر في ١٩٩٦ والذي يحق لهما بالقيام بالضبط والربط على منصاتهما عن طريق حظر أو حذف أي محتوى حتى وإن كان خطابًا سياسيًا.

نفاذ القانون:

لا يمكن أن ننكر تضاؤل قدرة الدول على إنفاذ القانون؛ حيثُ يمكن أن توثر الشركات التكنولوجية على النظم والتشريعات في الدول من خلال إصدار قوانين وقواعد خاصة بها لحماية خصوصية الأفراد وحقوقهم. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تمارس الشركات نفوذها على الأفراد من خلال حذف المحتوي دون أن توضح ما هي المعايير والقواعد التي تتبعتها تلك الشركات، على الرغم من إصرار الشركات على أن عملية تنقيح المحتوى الرقمي تتم عن طريق خوارزميات معينة، وهو ما يشير إلى غياب الشفافية من ناحية وإلى انتهاك لحقوق الإنسان من ناحية أخرى.

 ويتجسد غياب الشفافية في عدم معرفة العامة بالقواعد التي بنيت عليها تلك الخوارزميات التي عادة ما تتلقى وتتعلم وفقًا للمعلومات المدخلة إليها والتي قد تتسم بالتحيز والعنصرية ضد طائفة أو جماعة ما مثلما قام موقع فيسبوك بحجب أي محتوى ينتقد الضربات الإسرائيلية الأخيرة في غزة وإبقاؤه على المحتوى المؤيد للجانب الإسرائيلي. وهذا تتنافي مع حقوق الإنسان المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأهمها احترام حرية الرأي والتعبير.

كما أنها قد تؤثر على قدرة الدولة في عمليات الرقابة أيضًا. فقد كان هناك صراع بين الحكومة الأمريكية وشركة آبل بشأن الرسائل المشفرة؛ حيثُ رفضت شركة آبل الإفصاح عنها بحجة حماية بيانات العملاء، وهو ما يشير إلى الصراع الكامن بين الشركات الخمس الكبرى والدولة.

كما أن هناك كارثة تلوح في الأفق آلا وهي اتجاه بعض الدول ومنها أمريكا للسماح للفاعلين في القطاع الخاص بالقيام بدور الشرطي وإنفاذ القانون عندما يكونوا ضحايا لاعتداء سيبراني بإتباع مبدأ “hack-back”. على الرغم من أن هذه المؤسسات الحديثة قد نشأت لمنع أي فرد من التصرف من تلقاء نفسه.

القرار السياسي والاقتصادي:

يرتبط تأثير شركات التكنولوجيا ارتباطًا وثيقًا بالنظام السياسي للدولة. ففي النظم الأمريكية والأوروبية التي تعتمد بشكل كبير على جماعات الضغط السياسي، تلعب الشركات التكنولوجية الكبيرة مثل جوجل وتويتر وفيس بوك ومايكروسوفت دور جماعات الضغط.

فحسبما إحدى أشارت الدراسات، تعد كل من جوجل وفيس بوك ومايكروسوفت أكبر الشركات التي تلعب دورًا كبيرًا في الاتحاد الأوروبي؛ حيثُ إنها تنفق ما يقدر بـ١٦.٥ مليون جنية إسترليني. بينما تنفق شركة هواووي الصينية ٣ ملايين جنيه إسترليني وتأتي في المرتبة الخامسة بعد شركة آبل وقبل شركة أمازون، وهو ما يعكس تنامي تأثير الشركات التكنولوجية، ويعكس رغبتها في تشكيل وصياغة السياسات والقواعد الجديدة التي يضعها الاتحاد الأوروبي لضبط الخدمات الرقمية والأسواق الرقمية والتي من شأنها أن تغير من طبيعة عمل تلك الشركات في دول الاتحاد الأوروبي، وذلك من خلال إلزام الشركات التي يزيد عدد مستخدميها عن ٤٥ مليون شخص بإتباع قواعد أكثر صرامة بشأن المنافسة ودفع غرامات تصل إلى ١٠٪ وإبداء قدر كبير من الشفافية وإلقاء مسئولية قانونية على عاتقهم في حال وجود أي محتوى غير قانوني يهدد خصوصية الأفراد كتعطيل الموقع وحجبه وتعليقه بشكل مؤقت. كما أشارت نفس الدراسة إلى أن الاتحاد الأوروبي عقد العديد من الاجتماعات مع الشركات التكنولوجية بنسبة تصل إلى ٧٥٪ لمناقشة قانون ضبط الخدمات الرقمية وقانون الأسواق الرقمية.

وبالرغم من أن مسودة القوانين تعكس مدى حرص الاتحاد الأوروبي لتنظيم عمل الشركات الكبيرة داخل حدوده، إلا أن ممارسة الضغط من قبل الشركات التكنولوجية الكبرى يعكس مدى تنامي النفوذ والصراع بين الدول والشركات التي من غير المحتمل أن تستسلم بسهولة؛ حيثُ اعترضت شركة جوجل على هذه القوانين واعتبرتها معدة خصيصًا لاستهداف شركات بعينها. وأما عن شركة فيسبوك التي اتخذت موقفًا أقل حدة من جوجل، فإنها شددت على دعمها للقواعد التي تساعد على المنافسة تعزز الابتكار.

كما أن استمرار الإنفاق من قبل تلك الشركات على الحكومات، حسب تقرير لبلومبيرج الأمريكية الذي تناول إنفاق الشركات التكنولوجية الكبرى خلال الربع الأخير من هذا العام ومنها شركة جوجل التي تزايد إنفاقها إلى ٢,٠٩ مليون دولار أي بزيادة ٢٣.٧٪ عن العام الماضي، يشير إلى أن تلك الشركات التي بلغت قيمتها السوقية تريليون دولار وأحيانًا تريليوني دولار تستخدم مواردها الكبيرة للحفاظ على وضعها في ضوء محاولة الحكومة الأمريكية لاتخاذ اجراءات أكثر صرامة ضدها واصدار تشريع انعدام الثقة (Antitrust law) –  على الرغم من أنه لا يضع إطار لحجم المعلومات التي تسيطر عليها تلك الشركات، ولا يعالج مسألة الشفافية والمساءلة .

وتحاول كل من شركة آبل وفيس بوك وأمازون ومايكروسوفت إقناع المشرعين بأن هذا التشريع سيدمر المنتجات الأكثر طلبًا ويمثل خطورة على أمان المستخدم وسيعود بالنفع على المنافسون الأجانب. ويتضح ذلك أيضًا في تنوع القضايا والنقاط التي تمارس الشركات الضغط بشأنها. فشركة فيسبوك، التي دخلت في خلاف مع إدارة بايدن بشأن نشر المعلومات المغلوطة، تمارس الضغط بشأن التدخل في أو قمع الصوت الانتخابي، بينما تمارس شركة آبل الضغوط بشأن كروت الائتمان الخاصة بالمستهلك والسيارات ذاتية القيادة. وكذلك الحال بالنسبة لشركة أوراكل التي زاد إنفاقها إلى ٢,٤٤ مليون دولار، فإنها ركزت على نظام المشتريات والمناقصات، وهو ما دفع. البنتاجون لفسح تعاقد مع شركة ميكروسوفت بقيمة ١٠ مليار دولار، في محاولة لإعطاء الشركات الثانية الفرصة للمنافسة. ويتضح مما سبق، أن التنافس التجاري بين الشركات الكبرى إلى جانب الإنفاق السخي، يشكل سياسات الدول.     

إلى جانب القوتين التكنولوجية والسياسية، تكمن قوة هذه الشركات في قوتها الاقتصادية النابعة من الربط بين المستخدمين والموردين (مقدمي الخدمات والسلع) وامتلاكها معلومات أكثر عن الأفراد مقارنة بالدول، فضلاً عن قدرتهم على تحديد وتحريك قطاعات كبيرة من الاقتصاد واستخدام البنية التحتية والمعلومات للدخول وتعطيل الأسواق الجديدة مثلما عملت البنوك المركزية في العديد من الدول على إصدار عملتها الرقمية بعد أن أعلنت فيسبوك عن عملتها الرقمية.

ويتضح مما سبق، أن تعامل الشركات الكبرى ونفوذها مرتبط بطبيعة الدول ونظماها الحاكمة؛ حيثُ إنها دورًا كبيرًا وفاعلاً وقويًا في الدول الليبرالية والدول التي يوجد بها مؤسسات وجماعات ضغط سياسي. في حين، أنها تلتزم بقوانين الدول التي لا يوجد بها جماعات ضغط مثل الصين. وهذا يعود أيضًا لدوافع أصحاب تلك الشركات الكبرى والتي تتمثل في تحقيق عائد وربح وعدم خسارة ثقة المستهلكين. فلذا، قد تتعارض مصالح الشركات الكبرى مع مصالح الدول خاصة في الدول الليبرالية كأمريكا. ولكن الأمر قد يختلف في دول كالصين؛ حيثُ تقيم الشركات كشركة آبل شراكة مع الحكومة الصينية للتأكد من مدى التزام تطبيقاتها بالقوانين الصينية. 

الدبلوماسية التكنولوجية: (techdiplomacy)

ونتيجة لما سبق، وصول نفوذ تلك الشركات على المستوى الدبلوماسي أيضًا؛ حيثُ لجأت دولة الدنمارك لتعيين سفيرًا لها في وادي السيلكون لتكون مهمته التعامل مع شركات أمريكية مثل أمازون وجوجل وميكروسوفت وشركات صينية مثل على بابا وبايدو (Baidu) كما لو أنها دول عظمى. ويقول السفير الدنماركي كاسبر لينيج (Casper Klynge) إنه يتعين علينا أن نتعامل مع تلك الشركات على النحو الذي يساعدنا على إجراء حوارات سياسية واستراتيجية مع أصحاب الشركات الكبرى، لاسيما في وقت الأزمات.  ويمكن هدف الدنمارك في وضع رؤيتها بشأن عدد من القضايا كالأمن السيبراني والإرهاب بالتعاون مع تلك الشركات التي تسيطر على العديد من مناحي الحياة وتسيطر على كم هائل مع المعلومات في عصر الدبلوماسية التكنولوجية. ولكن هذا يقود الحديث للإشارة إلى أن الشركات الخمس الكبرى، الخاضعة للقوانين الأمريكية، تفرض سياستها على الدول الأخرى غير الخاضعة للقوانين الأمريكية، وهو يشير إلى وجود إشكالية تتعلق بمفهوم سيادة الدولة على الصعيدين التقليدي والرقمي.       

ختامًا

يتضح أن تلك الشركات الكبرى تمارس قدرا من النفوذ للحد الذي يجعلها تتجاوز سيادة الدول؛ حيثُ إنها، في بعض الأحيان، ترفض الانصياع للدولة في حال أن تعارض ذلك مع مصالحها. كما أنها وضعت قوانينها وسياساتها الخاصة بها والتي قد تتعارض مع قوانين وسياسات الدول من ناحية وقد تتعارض مع قوانين وأعراف الدولة خاصة القوانين المتعلقة بحقوق الإنسان من ناحية أخرى.

وهنا يمكن القول إن تلك الشركات صارت بمثابة “دول داخل الدول”، لا سيما داخل النظم الليبرالية؛ حيثُ تجاوز دورها دور الشركة الخاضعة لقوانين الدولة بل وتجاوز نفوذ جماعات الضغط. وإلى جانب تجاوزها فكرة الحدود والإقليم والسيادة بشكلها التقليدي، فإنها صارت عنصرًا فاعلاً في عملية صنع القرار.

وعلى الرغم من محاولات الدول لإحكام سيطرتها وبسط سيطرتها على الإقليم سن تشريعات لتنظيم عمل الشركات الكبرى التي خضعت بالأساس لقوانين تلك الدول، إلا أن الأمر لا يبدو سهلاً كما كان في السابق نظرًا لأن الشركات الكبرى صارت كيانات مستقلة والتي قد تتحرك بمناوئي عن الدولة وتقيم علاقات وتفاعلات مع الكيانات والدول الأخرى.

 المصادر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى