الصحافة الدوليةإسرائيل

“فورين بوليسي “: إسرائيل ليست قوية بما يكفي لمهاجمة إيران

عرض – هبه شكري

نشرت دورية “فورين بوليسي الأمريكية” تقريراً، أعده “سجاد صفائي” الباحث بمعهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا الاجتماعية في ألمانيا، استبعد فيه امتلاك إسرائيل القدرة لضرب إيران، مؤكداً أنه لا يمكن أن تتخذ إسرائيل مثل هذا القرار من دون موافقة الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة و أنها تتبنى نهجاً يهدف لكبح البرنامج النووي الإيراني من خلال وسائل غير عسكرية، في ظل تركيز تكثيف الجهود على إحياء الاتفاق النووي الإيراني، بالإضافة إلى سياستها الهادفة إلى إنهاء الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط.

نص التقرير :

شهدت الأونة الأخيرة ارتفاعاً في حدة الخطاب الإسرائيلي تجاه إيران، على الرغم من القيود السياسية والعسكرية التي تشهدها إسرائيل. إذ كررت تهديداتها بشأن رغبتها واستعدادها لضرب إيران عسكرياً، حتى لو تطلب الأمر التنفيذ بمفردها.

في الأسابيع الأخيرة، تحدث وزير الدفاع الإسرائيلي “بيني جانتس” مرتين عن استعداد إسرائيل لضرب إيران عسكريًا لمنعها من تطوير برنامجها نووي، واستبعد، خلال كلمته الموجهة للسفراء والمبعوثين الأجانب، إمكانية أن تتخذ إسرائيل إجراءات في المستقبل لمنع إيران من أن تصبح دولة نووية. وفي سياق التحذيرات أيضاً، زعم رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي “أفيف كوخافي” أن التقدم في البرنامج النووي الإيراني دفع الجيش الإسرائيلي إلى تسريع خططه العملياتية  لشن هجوم على إيران، و أن ميزانية الدفاع – التي تم الموافقة عليها مؤخراً – تهدف إلى معالجة الخطر الإيراني، وتفاخر بتجميع فريقًا متخصصًا لتعزيز الاستعداد لتوجيه ضربة على المنشآت النووية الإيرانية إذا أمرت القيادة السياسية الإسرائيلية بمثل تلك الضربة. من جهته، صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي “نفتالي بينيت” أن بلاده مستعدة للعمل بمفردها ضد إيران إذا شعرت بالحاجة للقيام بذلك، وجاء التصريح بعد شن هجوم على ناقلة تديرها إسرائيل قبالة سواحل عمان، حيث حملت تل أبيب وحلفاؤها إيران مسئوليته.

من المؤكد أن إسرائيل نفذت في الماضي عمليات محدودة نسبيًا ضد إيران – مثل الغارات على حلفاء إيران في سوريا والهجوم التخريبي على المنشأة النووية – وقد تستمر في القيام بذلك في المستقبل. ولكن إلى أي مدى ينبغي أن نعتقد أن تل أبيب مستعدة حقًا وراغبة في توجيه ضربة إلى إيران بسبب التقدم في البرنامج النووي الإيراني؛ مع العلم جيدًا أن ذلك قد يرجح بدفع الدولتين وحلفائهما إلى الحرب؟. إذ تشير القيود السياسية والعسكرية على صانعي القرار الإسرائيليين إلى أن حدوث مثل تلك المواجهة العسكرية غير مرجح إلى حد كبير.

إن الحديث عن ضربة وشيكة ومعلنة للجيش الإسرائيلي في عمق الأراضي الإيرانية يعني التغاضي عن معيار راسخ منذ عقود يحكم العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والمتمثل في عدم إمكانية لإسرائيل تجاهل رغبات ومخاوف راعيها الرئيسي، خاصة عندما يتعلق الأمر بأولويات السياسة الخارجية الأمريكية الأساسية.

لقد تم التعبير عن هذا المعيار بعبارات واضحة من قبل شخصية لا تقل أهمية عن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ووزير الدفاع “إيهود باراك” في مذكراته “بلادي حياتي”، والتي أوضح فيها باراك النموذج الذي شكل – ومن المرجح أن يستمر في تشكيل – ملامح السياسة الإسرائيلي ضد إيران. حيث ذكر طريقتين فقط في التعامل مع إيران، حيث يمكن لإسرائيل منع الإيرانيين من الحصول على سلاح نووي – وهو متجاهل عن عمد تقييمات الاستخبارات الأمريكية بأن إيران قد أوقفت مساعيها للحصول على أسلحة نووية في عام 2003- وتتمثل إحدى الطرق في أن يتصرف الأمريكيون. وكان الخيار الآخر هو ألا تعيق الولايات المتحدة إسرائيل عن القيام بذلك.

ووفقًا لباراك، فإن العرقلة هو ما فعلته الإدارات الأمريكية المتعاقبة، ولا يزال من المرجح أن تفعله. حتى أثناء التدخل العسكري خلال فترة تولي “جورج دبليو بوش”، فلم يكن لدى إسرائيل تفويضاً لفعل ما يحلو لها. كما يشير باراك في مذكراته، أنه عندما علم بوش في عام 2008 بالجهود الإسرائيلية لشراء ذخائر ثقيلة من الولايات المتحدة، قام بمواجهة بوش مع رئيس الوزراء آنذاك إيهود أولمرت، وحذر بوش إسرائيل آنذاك من اتخاذ أي إجراء لشن هجوم على المحطات النووية الإيرانية.كما أوضح بوش أنه لن يتم الهجوم مادام رئيساً للولايات المتحدة.

 وتجدر الإشارة إلى أن بوش، بحسب باراك، أصدر هذا التحذير رغم علمه أن إسرائيل لم تكن تمتلك حتى القدرة العسكرية على مهاجمة إيران في ذلك الوقت. وقد كان لتلك المعارضة الشديدة لضرب إيران تأثيراً دراماتيكياً عليه وعلى أولمرت، فمنذ أن دعمت إدارة بوش قصف إسرائيل عام 2007 لبرنامج سوريا النووي الناشئ قبل عام واحد فقط، كان واضحاً في الحالتين أن موافقة واشنطن أو عدم الموافقة عليها كانت بالتبعية.

تظهر مذكرات باراك أن نفس الديناميكية استمرت في التحكم في العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل خلال رئاسة أوباما، حيث يذكر كيف لم  يخفِ وزير الدفاع “ليون بانيتا ” حقيقة أنه لا يريد من إسرائيل  توجيه ضربة عسكرية في وقت كانت إدارة أوباما تركز فيه على ممارسة الضغط السياسي والاقتصادي الدولي على إيران. وكتب باراك “حثني بانيتا على التفكير مرتين أو ثلاث مرات قبل السير في هذا الطريق” ، ورأى أنه من المسلم به أن تل أبيب ستبقي واشنطن على اطلاع بقراراتها إذا قررت مهاجمة المنشآت الإيرانية.

وفقًا لرواية باراك، تم ثني إسرائيل عن المضي قدمًا نحو توجيه ضربة مفترضة لمنشآت إيران النووية في صيف 2012 بسبب الضرر الذي ستلحقه بعلاقاتها مع الولايات المتحدة، واستمرت مطالب واشنطن في تقييد تل أبيب بعد الانتهاء من الاتفاق النووي في عام 2015. وحتى في ذلك الوقت، أشار باراك إلى أنه لم يكن بإمكان الإسرائيليين ببساطة العمل ضد إيران دون الضوء الأخضر من إدارة أوباما، وذكر أن إسرائيل كانت بحاجة للتوصل إلى اتفاق مع الأمريكيين حول نوعية الضربة العسكرية التي قد تضطر إلى توجيهها إذا تحرك الإيرانيون مرة أخرى للحصول على أسلحة نووية.

كما يتضح من مذكرات باراك، أن رؤساء الولايات المتحدة كانوا يعبرون عن آرائهم ورغباتهم للمسؤولين الإسرائيليين بكل وضوح، خاصةً عندما يتعلق الأمر بأهداف السياسة الخارجية الأمريكية الأساسية، ولا يمكن لتل أبيب أن تتجاهل مطالب واشنطن الصريحة ومخاوفها بشأن مثل تلك الأمور. واليوم، فإن أي انتهاك إسرائيلي صارخ للسيادة الإيرانية سوف يتعارض على الفور مع هدفين يعزز كل منهما الآخر لتحديد السياسة الخارجية لإدارة بايدن، ألا وهما كبح البرنامج النووي الإيراني من خلال وسائل غير عسكرية، في ظل تركيز الجهود حاليًا على إحياء الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، بالإضافة إلى إنهاء الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط.

كل تلك الحقائق السياسية تجعل من غير المرجح أن تقوم إسرائيل بشن هجوم علني على إيران، ذلك بالإضافة إلى القيود العسكرية التي تواجهها إسرائيل في هذا الصدد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى