مصر

مع إطلاق النسخة المصرية… ماذا حققنا على مؤشر التنمية البشرية؟

يحتل العنصر البشري موقع المركز ضمن أي خطة أو استراتيجية تنموية طويلة الأمد بوصفه محركًا رئيسًا للعملية التنموية على المستوى الوطني، وداعمًا القدرات التنافسية للدولة، ولذلك أولت مصر أهمية متزايدة للاستثمار في رأس المال البشري ضمن مشروعها التنموي الأكبر المعنون “استراتيجية مصر للتنمية المستدامة 2030”. 

وفي هذا الصدد شهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، يوم 14 سبتمبر، إطلاق تقرير التنمية البشرية في مصر لعام 2021 للمرة الأولى منذ عشر سنوات، حيث يتناول التقرير البيانات الدقيقة والمفصلة لجهود وإنجازات التنمية البشرية خلال تلك المدة، بما يدعم قدرات الرصد والتحليل ودقة المؤشرات الصادرة عن المؤسسات المتخصصة العالمية فيما يتعلق بعملية التنمية في مصر.

موقع مصر على مؤشر التنمية البشرية

وتُعرَّف التنمية البشرية بأنها عملية توسيع الخيارات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتاحة أمام الفرد، لتطوير مهاراته وقدراته حتى يتمكن من الوصول إلى مستوى مرتفع من الإنتاج والدخل، وبالتالي فإنها تعني تحسين المهارات الشخصية والسمات المعرفية للأفراد، وزيادة أدائهم وصقل خبراتهم عبر آليات تعليمية وصحية وتدريبية وتثقيفية وصحية، وتوفير حماية اجتماعية/ وتحسين الأوضاع الاقتصادية كالفقر والبطالة، بما يعمل في نهاية المطاف كمحفز للنمو الاقتصادي ودافعًا لتحقيق التنمية المستدامة طويلة الأمد. ولمّا كانت مصر عازمة على تنفيذ استراتيجية تنموية شاملة كافة المجالات والقطاعات، بات “الإنسان المصري” بعدًا أساسيًا بها.  

وقد انعكس هذا الاهتمام على تصنيف مصر ضمن مؤشر التنمية البشرية العالمي، حيث سجلت 0.707 عام 2019 ارتفاعًا من 0.701 عام 2018، لتحافظ بذلك على المرتبة 116 عالميًا من أصل 189 دولة، وفق أحدث البيانات المتاحة، وهو ما يضعها في مرتبة أعلى من المتوسط للدول العربية.

ويُظهر الرسم البياني السابق اتجاهًا صاعدًا لمؤشر مصر منذ عام 2000 تتخلله فترات من الثبات، ويرجع ذلك إلى مجموعة من المحاور التي انطلقت فيها الدولة على مدار السنوات الماضية ومنها:

• الاستثمار في رأس المال البشري: يقيس رأس المال البشري تراكم المعرفة والمهارات علاوة على جودة الخدمات الصحية والتعليمية المقدمة للمواطنين، وقد كان للنقلات العلمية والتكنولوجية التي شهدتها الألفية الثالثة أن حلت عناصر رأس المال البشري، ورأس المال الإبداعي، ورأس المال المعرفي، محل عنصري العمل ورأس المال، كعناصر للإنتاج وفق مفهوم الاقتصاد المعرفي الحديث. ومن هذا المنطلق أولت مصر اهتمامًا لرفع قدرات وكفاءة العنصر البشري على عدة مستويات:

على المستوى الصحي، شهدت مصر عملية إعادة هيكلة للرعاية الصحية وسياسات النمو السكاني بما أدى إلى نتائج إيجابية في شكل زيادة متوسط العُمر المتوقع وتقليل وفيات الرضع؛ فبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفع متوسط العمر المتوقع عند الميلاد للذكور إلى 73.4 سنة خلال العام الحالي 2021، مقابل 71.9 سنة عام 2017، فيما زاد العمر المتوقع عند الميلاد للإناث من 74.3 سنة عام 2017 إلى 75.9 سنة عام 2021. 

ووفقًا لمؤشر رأس المال البشري الصادر عن البنك الدولي فإن الأطفال الذين ولدوا في مصر عام 2020 أكثر قدرة للبقاء على قيد الحياة حتى سن الخامسة أكثر من أولئك الذين ولدوا عام 2010، وأقل احتمالًا للإصابة بالتقزم، وهذا الأخير كان موضوع أحد المبادرات الصحية الرئاسية التي شملت فحصًا لأطفال المرحلة الابتدائية، بما أتاح اتخاذ سياسات صحية وغذائية لمواجهة ظواهر التقزم والسمنة والأنيميا بين الأطفال. 

وكذلك أطلقت مصر منظومة التأمين الصحي الشامل، ونفذت حملات الرعاية الصحية والقضاء على التهاب الكبد الوبائي “C”، وأطلقت مبادرات مكافحة تعاطي المخدرات، وأطلقت شبكة دعم مكافحة التنمر والصحة العقلية، فضلًا عن الجهود في مجالات تنظيم الأسرة.

على المستوى التعليمي، أطلقت مصر في سبتمبر 2019 إصلاحات رئيسة في مجال التعليم، شملت إعادة بناء المناهج الدراسية من أجل نظام تعليمي أكثر تنوعًا وشمولية، وتزويد الأطفال بالمهارات ذات الصلة بالقرن الحادي والعشرين، وإدخال البُعد الرقمي والتكنولوجي ضمن المنظومة التعليمية. ووفقًا لتقرير التنمية البشرية الصادر عام 2020، بلغ عدد سنوات الدراسة للأطفال 13.3 سنة ويستوي في ذلك الجنسين، فيما بلغ المتوسط المتوقع لسنوات الدراسة 6.8 للإناث مقابل 8.1 للذكور بما يعكس فجوة جنسية، تعمل الدولة من خلال استراتيجية التعليم الجديدة وبرامج التطوير الاجتماعي على تقليصها. 

وانخفضت معدلات التسرب من التعليم بالنسبة لمرحلة التعليم الإعدادي من 5.5% للبنين و4.7% للبنات في عام 2010/2011 إلى 2.8% للبنين و2.6% للبنات في 2018/2019. كما ارتفعت معدلات الانتقال من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الإعدادية، وكذلك معدلات الانتقال من المرحلة الإعدادية إلى المرحلة الثانوية.

وضمن خطتها لصقل مهارات الخريجين وربطها بسوق العمل، وضعت الدولة خطة لتطوير التعليم الفني شملت إنشاء مدارس فنية تغطي كافة التخصصات التي يحتاجها سوق العمل داخليًا وخارجيًا، والتوسع في إنشاء مدارس التكنولوجيا التطبيقية، وإقامة الجامعات والمجمعات التكنولوجية إذ تخطط مصر لتدشين 25 جامعة تكنولوجية بحلول عام 2030. 

وتستهدف الخطة رفع نسبة المتفوقين الملتحقين بالتعليم الفني إلى 20% عام 2030 من 4% عام 2014، وزيادة نسبة خريجي التعليم الفني العاملين في تخصصاتهم إلى 80% عام 2030 ارتفاعًا من 30% عام 2014، ولتحقيق تلك الخطة زادت مخصصات التعليم الفني في ميزانية عام 2021-2022 إلى 50 مليار جنيه ارتفاعًا من 15 مليار جنيه عام 2014-2015، بنسبة زيادة 223.3%. وتم إطلاق مشروع وطني لتوفير التدريب على التوظيف بناءً على احتياجات السوق لمهارات معينة. 

على مستوى الحماية الاجتماعية، أطلقت مصر عددًا من المبادرات التي تعكس الأهمية المتزايدة للتنمية البشرية على الأجندة الوطنية، وتدعم الارتقاء بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للسكان؛ كبرنامج تكافل وكرامة الذي يضم 3.1 مليون أسرة (حوالي 11 مليون شخص) حيث تذهب أكثر 67% من أمواله إلى الأسر الأكثر فقرًا في الصعيد، وتشكل النساء 74% من إجمالي المستفيدين، ويُعزز هذا البرنامج تراكم رأس المال البشري من خلال مطالبة الأسر المقيدة فيه بأجراء فحوصات صحية منتظمة لأطفالها ودمجهم في العملية التعليمية. فضلًا عن مشروع “حياة كريمة” الهادف لتحقيق تنمية شاملة لنحو 58 مليون مواطن مصري بالريف.

• الإبداع والابتكار: اعتبرت استراتيجية مصر للتنمية المستدامة 2030 الابتكار والبحث العلمي والمعرفة أركان أساسية للتنمية، وعليه انطلقت مصر نحو تقديم برامج دعم للابتكار وريادة الأعمال والبحث العلمي وربط البحث العلمي بالصناعة، وقررت إنشاء مدينة المعرفة بالعاصمة الإدارية لتعمل كصرح تكنولوجي لدعم البحوث والابتكار في التقنيات المتقدمة.

وكذا، أطلق البنك المركزي صندوقًا برأسمال مليار جنيه لدعم وتمويل الابتكارات والاختراعات المتميزة بالسوق المصرية، فضلًا عن الاهتمام بمجالات علوم الفضاء، وهو ما أدى إلى تحسن مرتبة مصر على المؤشر العالمي للابتكار الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية محتلة المرتبة 96 من أصل 131 دولة عام 2020 صعودًا من المرتبة 108 عام 2013. وهو ما يُمثل المرتبة 11 عربيًا والتاسعة إفريقيًا، و14 من بين 29 دولة في فئة الشريحة الدنيا من البلدان متوسطة الدخل.

• دعم التحول الرقمي: شهد قطاع الاتصالات نموًا كبيرًا، حيث توسع بنسبة 16.6% عام 2018/2019، ارتفاعًا من 80.1 إلى 93.4% مليار دولار، وقد حققت مصر تطورًا في قطاع البنية التحتية الخاصة بالاتصالات وتكنولوجيا المعلومات؛ إذ ارتفعت نسبة المشتركين الذين يحصلون على خدمات الهاتف المحمول إلى 93.65% بواقع 95.36 مليون مستخدم من إجمالي 101 مليون نسمة في ديسمبر2020، ارتفاعًا من 70.66 مليون مستخدم من إجمالي 82.7 مليون نسمة عام 2010. وارتفع عدد مستخدمي الإنترنت باستخدام الموبايل من 39 مليون مستخدم في ديسمبر 2019 إلى 52.4 مليون مستخدم في ديسمبر 2020. وعلى صعيد الإنترنت المنزلي، ارتفع عدد المستخدمين من 3.6 مليون في ديسمبر 2019 إلى 4.04 مليون في ديسمبر 2020. 

وقد عملت الدولة على تهيئة البيئة الداعمة للاستثمار واللازمة لإقامة مجتمع رقمي من خلال تطوير البنية التحتية للاتصالات عن طريق نشر شبكات الألياف الضوئية والاستثمار في التكنولوجيات الجديدة مثل انترنت الأشياء، والجيل الخامس. فضلًا عن إعداد البيئة التشريعية؛ إذ أقرت مصر قانون مكافحة جرائم الإنترنت في أغسطس 2018، وقانون المدفوعات الإلكترونية في أوائل عام 2019، وقانون حماية البيانات الشخصية في فبراير 2020. وشهد عام 2017 إطلاق خدمات الجيل الرابع رسميًّا، وتضاعف متوسط سرعة الإنترنت 6 أضعاف في مارس 2020 لتحتل مصر المركز الثاني على مستوى إفريقيا في متوسط سرعات الإنترنت، حيث قامت الشركة المصرية للاتصالات بضخ استثمارات تقدر بنحو 30 مليار جنيه لتطوير شبكات الاتصالات والاعتماد على الألياف الضوئية.

ختامًا، لا يسعنا إلا الإشارة إل ما قاله التقرير بأن السنوات العشر الماضية (2011-2020)، شهدت تقدم مصر نحو إصلاح شامل، أعطى أولوية للنهوض بالاقتصاد كقاطرة أساسية للتنمية، وحرص في ذات الوقت على وضع الإنسان المصري في قلب عملية التنمية، وهو ما حفظ مكتسبات التنمية للمصريين جميعًا في عقد شهد تغييرات مهمة في مصر، وتميز بتحولات سياسية واقتصادية اجتماعية كبرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى