الصحافة الدولية

نقابات المحامين التركية تقاطع احتفال العام القضائي لردع انتهاكات “أردوغان” لهيئات القضاء

أعلنت نقابات المحامين في تركيا مقاطعة احتفال افتتاح الرئيس التركي للعام القضائي الذي سيقام في الثاني من سبتمبر المقبل والمقرر عقده في القصر الرئاسي بأنقرة، احتجاجا على الانتهاكات الممنهجة لآلاف القضاة والمدعين العامين، علاوة على تراجع وضع حقوق الإنسان، والحريات، فضلا عن تطويق المعارضة داخليا خاصة التابعة والعاملة في الهيئات القضائية،ترسيخا لهيمنته على السلطة في البلاد.

وفي هذا السياق ، تزايدت عدد النقابات المنضمة لنقابة المحامين في “أزمير”، التي كانت أولى النقابات التي رفضت دعوة محكمة الاستئناف العليا لحضور مراسم الاحتفال ببدء العام القضائي، ليصل عددهم إلى ما يقرب من 42 نقابة، بما فيهم نقابة المحامين في أنقرة، التي أكدت رفضها للدعوة، فيما أوضحت نقابة المحامين في إسطنبول، في بيان إن اختيار المكان يشير إلى “رفض جميع التعاليم حول الديمقراطية والقانون والعدالة” . 

يذكر أن الاحتفال أقيم لأول مرة في قصر “أردوغان” عام 2016 بعد محاولة الانقلاب الذي دفعه إلى تعزيز سلطاته. بينما تم تغيير المكان  عام 2017 استجابة للنقد الموجه له، ولكنه عاد إلى القصر مرة أخرى في عام 2019 .في المقابل، رفض “أردوغان” قرار النقابات، وأكد أن “إجراء الاحتفال في مكان للشعب ما يعزز استقلالية القضاء” . 

دوافع القرار

جاء القرار كرد فعل على سياسات “أردوغان” تجاه المؤسسات القضائية، منذ محاولة الانقلاب التي وقعت في يوليو الماضي التي وظفها النظام لخدمة مصالحه، ولفرض سيطرته على المعارضة وقمعها، وذلك في سياق حالة الطوارئ التي فرضها لمدة عامين عقب محاولة الانقلاب. 

ففي غضون 24 ساعة من محاولة الانقلاب، تم تعليق 2740 من القضاة والمدعين العامين لصلتهم بالحركة وراء الانقلاب الفاشل.

وإجمالا، تم طرد 4.260 قاض ومدع عاما. من بين هؤلاء، أدين 634 بتهم تتعلق بالإرهاب، حسب جمعية القانون. وتمت مقاضاة 1.546 محام آخر وحكم على 311 بعدد سنين يصل بشكل إجمالي إلى 1967 عاما.

وتم فصل ما يقرب من 500 موظف إداري يعملون لدى المحكمة العليا في تركيا، ومجلس الدولة ومحكمة الحسابات ومجلس القضاة والمدعين العامين، وتمت إعادة ثمانية فقط.

فيما منحت التعديلات التشريعية والدستورية حكومة “أردوغان” سيطرة غير مسبوقة على السلطات القضائية وسلطات الادعاء العام، مما أفقد القضاء والادعاء الاستقلال، وكذلك سيادة القانون، بالإضافة إلى تقويض حق المواطن التركي في التمثيل القانوني في محاكمة عادلة، وهو ما قد يفسر سبب تقديم المواطنين الأتراك أكثر من 57000 التماسات إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في عام 2017 . 

وعليه فقد أدان الاتحاد الأوروبي الضغط السياسي على القضاة والمدعين العامين تحت حكم “أردوغان”، كما اعتبر الاتحاد أن حالة القضاء في تركيا قد تراجع منذ 2014 بشكل كبير.

واقع النظام القضائي في تركيا

شهد النظام القضائي عدد من الإصلاحات بتشجيع من الاتحاد الأوروبي، مع تولى “أردوغان” الحكم، الأمر الذي ساهم في إلغاء عقوبة الإعدام، وجلب نظامًا من ثلاثة مستويات (المحكمة الأولى، ومحكمة الاستئناف، والمحكمة العليا) لجعل نظام القضائي التركي أكثر توافقًا مع المعايير الأوروبية، وذلك رغبة في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ولكن مع تراجع المفاوضات مع الاتحاد نتيجة عدم التوافق في كثير من القضايا والملفات.

بدأ النظام التركي في السيطرة على المؤسسات القضائية، وتقيدها لخدمة النظام بدلا من مواجهته، مما أدى إلى تراجع ثقة الجمهور في العدالة إلى حد كبير. نتيجة عمليات الاقصاء والاعتقال والسجن، إلى جانب تعيين عدد كبير من القضاة الموالين للنظام، عديمي الخبرة، لتنفيذ إرادة النظام في تطويق وقمع المعارضة، والحكم عليهم بتهمة الإرهاب، لارتباطهم بحركة “جولن” المعارضة المتمركزة خارج البلاد، أو إنهم ذات صلة ببعض الانقلابين.   

وتجلت هيمنة “أردوغان” في التدخل في اختيار وتعين القضاة، وفقا للتعديلات الدستورية التي منحته سلطات واسعة، تجسدت على سبيل المثال في تعين قضاة مجلس القضاة والمدعين العامين، التي تعد أهم الهيئات القضائية، والمسئولة عن تعين وعزل القضاة، إلا إنها أصبحت تقع تحت سطوة النظام وقيادته؛ حيث يتم اختيار أربعة من أصل 13 قاضيًا في المجلس من قبل الرئيس، وسبعة من قبل البرلمان،الذي يهيمن عليه الحزب الحاكم “العدالة والتنمية” .ليس هذا فحسب بل تراجعت تركيا إلى في مؤشرات الاستقلال القضائي إلى المركز 111 من بين 140 دولة وذلك في شهر مارس/ آذار 2019 . 

إجمالًا؛ استطاع النظام التركي بقيادة “أردوغان” في الهيمنة على السلطات الثلاثة في البلاد، في أعقاب محاولة الانقلاب التي وظفها لخدمة مصالحه، وأطماع حزبه في الهيمنة والسيطرة على عملية صنع واتخاذ القرار داخل البلاد، تزامنًا مع قمع المعارضة بآليات شرعية من وجهة نظرهم، الأمر الذي انعكس بشكل سلبي على الأوضاع الداخلية خاصة فيما يتعلق بملف الحقوق والحريات، علاوة تراجع مؤشرات الديمقراطية، في مقابل تنامي الهيمنة الأردوغانية على مقاليد الحكم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى