دول المغرب العربي

وضع حرج: حزب العدالة والتنمية المغربي ومستقبل غامض

يطرح تراجع تمثيل حزب العدالة والتنمية في المشهد السياسي المغربي، بعدما لحقت به هزائم متكررة على ضوء الانتخابات التمثيلية الخاصة بالغرف المهنية والانتخابات البرلمانية التي انعقدت في المملكة المغربية في الثامن من سبتمبر 2021، والتي حصل فيها على 12 مقعدًا، مقارنة بحصوله على 125 مقعدًا في الانتخابات التي أجريت في عام 2016؛ تساؤلًا حول مستقبل الحزب في المشهد السياسي وطبيعة التشكيل الحكومي القادم.

ويُشكل هذا التراجع تصدعًا كبيرًا للتيار الإسلامي ليس فقط على صعيد المغرب العربي، بل انهيارًا ممتدًا على صعيد منطقة المغرب العربي، لكون حزب “العدالة والتنمية” في المملكة المغربية يُمثل آخر معاقل التيارات الإسلامي المتصدر المشهد السياسي في الشمال الأفريقي. 

هزائم متلاحقة

مثٌلت الانتخابات البرلمانية المغربية ضربة قاسمة لحزب “العدالة والتنمية” المتصدر للمشهد السياسي منذ عام 2011، وزعيم الأغلبية الحزبية بالبرلمان خلال الدورتيين الماضيتين (2011، 2016)، ليتذيل قائمة الأحزاب بموجب عدد مقاعد 12 مقعدًا بعدما كان متصدرًا المركز الاول خلال الفترة الماضية، ويعود هذا التراجع في التأثير على الشارع السياسي نظرًا لحالة الفشل الذريع في إحداث تقدم يُذكر في الملفات الاقتصادية التي لا تعكس فقط تطلعات الشعب المغربي بل هي محل اهتمام وتوجه لدى الملك محمد السادس كما عكسها خطابه في أغسطس 2021 فيما يُعرف باسم “ميثاق التنمية”.

الأمر الآخر؛ هناك افتقاد للثقة من جانب الرأي العام المغربي والنخبة السياسية وبين توجهات حزب العدالة والتنمية، وذلك في أعقاب التأزم السياسي الذي شهدته تونس في أعقاب سيطرة “حركة النهضة” على مفاصيل الدولة، ومن ثٌم ارتأت النخبة حتمية التغيير والعدول عن استمرارية هذا الحزب في المشهد السياسي، ولعل ما زاد الأمر تعقيدًا هي حالة الاستياء التي تجلت في أعقاب توقيع رئيس الحزب “سعد الدين العثماني” على استئناف العلاقات الثنائية مع إسرائيل مرة أخرى.

ولعل مؤشرات التراجع المتعلقة بحزب العدالة والتنمية لم تبرز فقط في صورة الاستحقاق البرلماني الراهن، بل إن هناك تراجعًا آخر في قدرة الحزب التمثيلية داخل الغرف المهنية والتي نال خلالها هزيمة واسعة أطاحت بممثليه من الانتخابات الفرعية المهنية التي أجريت في المغرب خلال الشهرين الماضيين، فقد جاء حزب “العدالة والتنمية” الإسلامي في المرتبة الثامنة بعدد 49 مقعدًا من أصل 2230 مقعدًا في مختلف الغرف المهنية داخل المغرب، وهو الأمر الذي يبرز حجم التراجع للحزب في ضوء افتقاده للمقاعد التي كان قد حظي بها عام 2015، بالتوازي مع ذلك شهد تصاعدًا بارزًا للتيار الليبرالي تجسد في تصدر حزب التجمع الوطني للأحرار نتائج تلك الانتخابات بفوزه بأكثر من 638 مقعدًا، ومن بعده حزب الأصالة والمعاصرة (363) وجاء بعده حزب “الاستقلال” بعدد (360 مقعدًا).

وضعية مضطرية

على خلفية الهزائم المتلاحقة والافتقار إلى أجندة عمل واضحة، علاوة على إدارة ملفات ذات طبيعة حرجة كما هو الحال بالنسبة للتطبيع مع إسرائيل وقضية مشروع النقب الهندي، وقع داخل الحزب حالة تصدع غير مسبوقة حيث شهد حزب العدالة والتنمية حالة من الخلافات والانقسامات الداخلية المتعددة التي آلت إلى تقديم استقالات جماعية لأعضاء ناشطين في الحزب وما تبعها من استقالة لكوادر قيادية بالحزب، على خلفية التناقضات بين تلك القيادات وبين “سعد الدين العثماني” الأمين العام للحزب رئيس الحكومة حول ملفي (التطبيع مع إسرائيل – مشروعية القنب الهندي)، جاء آخرها استقالة “المصطفى الرميد” الذي يعتبر الرجل الثاني في الحزب وأحد مؤسسيه عام 1992، وهو كذلك أحد قيادات الصف الأول في حركة التجديد والإصلاح، وذلك في الثالث عشر من يونيو 2021.

ولعل تلك الخطوة  بمثابة تحول نوعي مُكمل لسلسلة استقالات غير مسبوقة يشهدها الحزب من بينها القيادية السابقة في الحزب “اعتمادي الزهيدي” وتوجهها مؤخرًا إلى حزب “التجمع الوطني للأحرار” الخصم السياسي لحزب “العدالة والتنمية”، وكذلك استقالة “إدريس الأزمي” نهاية فبراير 2021 أيضًا تقديم عمدة مدينة الدار البيضاء “عبد العزيز العمري” استقالته من الأمانة العامة، وتجميد آخرين لعضويتهم داخل الحزب كما هو الحال بالنسبة للنائب البرلماني “المقرئ أبو زيد”، ونظرًا لما يمثله ذلك من تهديدًا وجوديًا لقوة وتماسك الحزب عقد اجتماعًا استثنائيًا لتطويق الأزمة الداخلية بيد أن الحزب لم يتمكن من احتواء تلك الأزمة.

حكومة مغربية ليبرالية

إن تصدر حزب “التجمع الوطني للأحرار” للمشهد الانتخابي بمستوييه البرلماني والمهني عزز من فرص تصاعد الليبراليين خلال المرحلة المقبلة وفتح المجال واسعًا أمام دوائر رجال الأعمال للانخراط بصورة أوسع في المشهد السياسي، وبالتالي فالتوجه المستجد في تشكيل الحكومة سيكون بعيدًا عن تواجد حزب العدالة والتنمية في أي حقيبة وزارية، وقد برز ذلك بصورة جلية خلال كلمة “عزيز أخنوش” الأمين العام لحزب “التجمع الوطني للأحرار، الذي أوضح انفتاحه على كافة الأحزاب الوطنية والتوجه نحو مقاطعة الماضي –المقصود بها هنا هو الابتعاد عن تحالفات ذات صبغة إسلامية- وهو ما يُعني أن الوضعية الجديدة للحكومة ستكون بصورة تكنوقراطية ذات صبغة اقتصادية.

ولعل الوضعية الراهنة تحتم على “حزب التجمع الوطني للأحرار” العمل على التنسيق مع كل من حزب الأصالة والمعاصرة الذي حظي بالمرتبة الثانية في أعداد المقاعد وأحد أحزاب الموالاة، وكذلك حزب الاستقلال في تشكيل تحالف حكومي منسجم ومتسق بصورة جوهرية مع التوجهات الملكية داخل المغرب، ولعل الاهتمام الواضح من جانب الملك محمد السادس بالبعد التنموي وخارطة التنمية الداخلية يُعزز من حتمية توجه “أخنوش” لاختيار شخصيات اقتصادية.

مسارات معقدة

من خلال السابق؛ ثٌم هناك تحولًا نوعيًا وكميًا في وضعية التيار الإسلامي بصورة عامة في المنطقة المغاربية (شمال إفريقيا) أوجد حالة من الاندثار لأحزاب هذا التيار كما هو الحال بالنسبة للوضعية في مصر وتونس والسودان وآخرها المغرب على خلفية الهزيمة التي لحقت بحزب العدالة والتنمية -زعيم الأغلبية ورئيس الحكومة- هذا التحول أفقد في الوقت الراهن قدرة تلك الأحزاب على تحقيق قدر من الاستمراية في المشهد ويُفضي لمسارين كالآتي:

  1. اندثار وتآكل: هو المسار الأقرب للمشهد الراهن، خاصة في ضوء حالة التصدع الداخلي والاستياء والرفض من كوادر الحزب لزعيمة “سعد الدين العثماني”، وفي ضوء تأزم المشهد السياسي لدى دول الجوار وعلى رأسها تونس، تبرهن على أن الحزب سوف ينخرط في طور الكمون والاندثار ولكن بصورة مرحلية، لحين إعادة ترتيب الأوراق مرة أخرى.
  2. إعادة الهيكلة والتموضع عبر تقارب الضرورة: هذا المسار يرجح تحرك حزب “العدالة والتنمية” لإعادة الهيكلة الجذرية للحزب والإطاحة بقيادات الصف الأول –كما جاء في استقالة أعضاء الأمانة العامة للحزب وعلى رأسهم سعدالدين العثماني- وتصعيد النخبة غير المنبوذة داخل الحزب من الصفوف الثانية، مع المساعي للتحالف مع أحزاب المعارضة للحيلولة دون الإطاحة الجذرية بالحزب من المشهد السياسي برمته وضمان تواجده في صورة المعارضة، وقد برز ذلك التوجه في مبادرة هذا الحزب للالتفاف على الأحزاب المعارضة الأخرى وعلى رأسها حزب “الأصالة والمعاصرة” حيث تم عقد لقاء بينهما مطلع يوليو 2021 في محاولة لخلق إطار تواصلي وشراكة مع هذا الحزب لكسر حالة العزلة والتطويق التي بات يشهدها الحزب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى