أفغانستانمكافحة الإرهاب

تتار العصر.. من طالبان إلى داعش لماذا يكره المتطرفون “الحضارة”

على الرغم من كونهما وجهين لعملة واحدة وهي التطرف إلا أن طالبان تخالف تنظيم داعش في أنها تمتلك جناحًا سياسيًا يؤهلها لخوض المفاوضات مع القوى المختلفة بما فيها الولايات المتحدة، وهو ما حدث في الدوحة. ولكن مع سيطرة حركة طالبان على العاصمة الأفغانية “كابول” ظهرت مخاوف إقليمية ودولية تضمنت القلق من تحركات طالبان التي قد تحمل شبهات اضطهاد ضد المواطنين الشيعة والهزار. 

وعلى الرغم من أن الحركة حاولت تغيير الصورة المأخوذة عنها فقامت بعد سقوط كابول بنشر صور لقيادات من الحركة وهم يحضرون اجتماعات “حسينية” في إشارة إلى أنهم لن يتعرضوا للمواطنين الشيعة وأنهم يطلون بوجه مختلف عن التسعينيات، إلا أن الوجه الحقيقي سرعان ما انكشف عندما أقدمت عناصر في طالبان بتوجيه من قياداتها على نسف تمثال لأحد زعماء الجماعات المسلحة في أفغانستان في فترة التسعينيات والذي عُدّ أحد أبرز وجوه الشيعة هناك.

التمثال يعود لـ” عبد العلي مزاري زعيم أحد الميليشيات الشيعية وقد قتل على أيدي طالبان في عام 1996 حين كان يعد زعيمًا ونصيرًا لأقلية الهزارة الشيعية، وقد أعاد تفجير التمثال الذي جرى في أغسطس من العام الجاري إلى الأذهان تفجير طالبان لتماثيل بوذا في ولاية باميان في عام 2001.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\1024px-Statue_of_Mazari_in_Bamyan_1629271300939_1629271306011.jpg

 حيث قامت طالبان بتفجير تمثالين ضخمين في حضن الجبل وهي التماثيل التي كانت قد اتخذت مكانها هناك قبل 1500 عام عندما كان الصينيون يعبرون من تلك المنطقة ونقلوا معهم الديانة البوذية، وأحد التمثالَين، وهو الأكبر لبوذا في العالم، كان لذكر، وارتفاعه 53 مترًا، وسُمي بـ”سالسال”، ويعني “النور الذي يضيء الكون”، والأصغر كان لأنثى، وتُدعى “شاماما”، ويعني “الملكة الأم”، وبلغ ارتفاعه نحو 40 مترًا.  وعلى تلك الخلفية يتخوف الكثيرون من أن طالبان عادت بالفعل بوجهها القديم وربما أقبح. وللمفارقة فإن الزعيم الشيعي قتل في باميان أيضًا.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\_62181630_bamiyan3_getty624.jpg

ويكمن الخطر هنا في أن الشيعة الهزارة يمثلون بين 10 إلى 20% من سكان أفغانستان أي ما يصل إلى 38 مليون نسمة، وحسب طالبان فإن نحت التماثيل على هيئة “إنسان” حرام من الناحية الشرعية لأنه يرفع من الإنسان ويضعه في مقارنة مع الخالق، ولذلك فإن طالبان وإلى جانب تدمير التمثالين الكبيرين لبوذا في باميان قامت بتدمير كل القطع الأثرية البوذية التي كانت موجودة في المتحف الوطني في كابول.  

داعش في العراق

بعد أن أطلق أبو بكر البغدادي دعوته المنحرفة لما أسماه بالخلافة الإسلامية في العراق من المسجد النوري وسقوط عدد من المدن العراقية في أيدي تنظيم الدولة الإسلامية داعش شهد العراق ممارسات عديدة في إطار انعكاسات الفكر الذي يسيطر على هذه الجماعة الدينية المختلة ومن أبرز هذه الانعكاسات تدمير الآثار التي تعود لحقب مختلفة من التاريخ الإنساني لدولة العراق منذ قديم الأزل.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\408480Image1-1180x677_d.jpg

وفي العراق، قام داعش بتدمير سور نينوى الأثري الذي يعود للحقبة الآشورية وحتى على صعيد التاريخ المكتوب قامت داعش بتفجير المبنى المركزي لمكتبة الموصل وهي التي تحتوي على آلاف الكتب والمخطوطات والوثائق التاريخية حيث احترقت تمامًا كل الكتب والمخطوطات النادرة جدًا.

وفي نفس الاتجاه قام عناصر داعش بتدمير الآثار الشاهدة على حقب تاريخية مختلفة في متحف الموصل والذي يعود تاريخ تأسيسه لعام 1951 ويعد ثاني أكبر متحف في العراق، حيث استعانت عناصر داعش بمجموعة من المطارق والمناشير وأدوات الحفر الثقيلة والكهربائية كما قاموا بتفجير مسجد النبي موسى في الموصل.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\a6594217-1721-4f02-a815-54f6cf55deb2_16x9_1200x676.jpg

ولكن في الوقت الذي اعتقدت فيه الغالبية أن الآثار تم تفجيرها وتدميرها أشارت مصادر عراقية إلى أن داعش قد لجأت لطريقة أكثر احتيالًا حيث قامت بتدمير نسخ مزورة من تلك الآثار بينما قامت بفتح سوق سوداء للبيع الآثار الحقيقية في الخفاء محققة مكاسب بملايين الدولارات لحضارات لا تقدر بثمن. ومن ثم فإن المسألة لم تكن دينية من الأساس ولم تتعلق بهدم الأوثان أو تدميرها وإنما كانت اقتصادية بشكل بحت حيث تحولت داعش إلى سمسار الآثار في المنطقة في إعادة إنتاج لسياسات الإمبراطورية العثمانية طوال أربعة قرون تواجدت خلالها في الشرق.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\fb2d3361-0138-4a9e-9518-58c8e6fb1213_16x9_1200x676.jpg

وبعد مرور أسبوع واحد على تدمير متحف الموصل قام أعضاء تنظيم الدولة الإسلامية داعش بتدمير مدينة نمرود الأثرية وهو ما اعتبرته اليونسكو جريمة حرب، وهي المدينة التي تقع على بعد 35 كم من الجنوب الشرقي لمدينة الموصل. وتعد مدينة نمرود هي العاصمة العسكرية للإمبراطورية الآشورية التابعة للملك آشور ناصر بالثاني وتعد واحدة من أعظم الأمثلة على المعمار الآشوري على الإطلاق.

بغداد المنكوبة طويلًا وأبدًا

يبدو أن ما بقي من بغداد الآن بقايا ثقافات وحضارات شهدت على تطور التاريخ الإنساني، ونقول ” ما تبقى” لأنه نجي بالفعل من هجمات متكررة على مر التاريخ من كارهي الحضارات والحاقدين على أي تطور إنساني. ففي عام 656 هجريًا أقدم المغول بعد ارتكابهم الكثير من الفظائع في بغداد على إحراق مكتبة بغداد في حين تشير روايات أخرى إلى أن التتار صنعوا من الكتب والمخطوطات النفيسة في مكتبة بغداد جسرًا لتعبر عليه خيولهم نهر دجلة فاسود النهر من ذوبان الحبر فيه.

وفي هذا المنحى يمكن فهم ما ارتكبه التتار في بغداد وإن كان لا يمكننا إقراره، فالمغول كانوا أمة ” لقيطة” نزحوا من منطقة واقعة في شمال الصين وعاشوا للنهب والتدمير والهجوم في الوقت الذي كان فيه المسلمين أمة ساعية للتحضر مستجلبة للعلوم باللغات كافة ومودعة لها في مكتبة بغداد وغيرها من المكتبات مثل مكتبة قرطبة وبالتالي كان من الممكن فهم مصدر ” الأحقاد” التي دفعت التتار للانتقام من البشر والحجر وحتى الورق. وقد كان بإمكانهم حمل هذه الكتب إلى ديارهم للاستفادة منها وقد كانوا أمة ناشئة ولكنها أيضًا كانت أمة غير ” قارئة”.

داعش في سوريا

وحتى الآثار في سوريا لم تكن بمأمن من هجمات المتطرفين من داعش وقد كانت مدينة تدمر الأثرية هي المتضرر الأكبر من هجمات التنظيم المتطرف ويرجع تاريخ التدمير إلى بدايات عام 2016 عندما قام أعضاء تنظيم داعش بتدمير قوس النصر الشهير والذي يعود تاريخه لـ 1800 عام مضت وذلك بعد احتلالهم لمدينة تدمر وفي عام 2017 نشر المتطرفون صورًا وهم يدمرون أجزاء كبيرة من معبد “التترابيلون” وهو الأشهر في المدينة وإضافة إلى ذلك قاموا بتدمير واجهة المسرح الروماني الذي يعود للقرن الثاني الميلادي.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\38193f45-58ea-41f3-b5da-aa7c997d3e02_16x9_1200x676 (3).jpg

وفي تلك الفترة ظهرت الكثير من التقارير عن جهاز الاستخبارات الروسية والتي أكدت أن داعش تحقق أرباحًا سنوية من بيع الآثار تتراوح بين 150 إلى 200 مليون دولار حصيلة بيعها للآثار من حوالي 4500 موقع أثري في العراق وسوريا مع الوضع بالاعتبار أن عمليات تجارية بهذا الحجم لا يمكن أن تتم بشكل اعتباطي أو ارتجالي وإنما من المنطقي أن يكون هناك تواطؤ حكومي من نوع ما.  وقد ألمحت بعض المصادر إلى تورط تركيا وريثة الإمبراطورية العثمانية في هذه العمليات المشبوهة حيث اعتبرت تركيا في ذلك التوقيت معبرًا للآثار إلى أوروبا وأمريكا عن طريق مدينة ” غازي عنتاب” التركية.

العالم قلق على أفغانستان

شهد عام 2003 الغزو الأمريكي للعراق مخلفًا الكثير من الأضرار من ضمنها سرقة المتاحف العراقية وتدمير الآثار كما تم التعدي على دور العبادة والأضرحة في النجف وكربلاء كما تم تهجير سكان المناطق التي كانت تسيطر عليها المعارضة السياسية. في الوقت الذي تم فيه تأمين المناطق الأثرية اليهودية باعتبارها أول مواطن الحضارة الإنسانية وحتى الآثار اليهودية التي تم تهريبها استقر بها الحال في إسرائيل ولا يخفى على أحد أن الآثار العراقية على اختلاف حقباتها الزمنية وإن لم تكن قد خرجت بتسهيل من الولايات المتحدة فقد خرجت تحت غطاء ” إهمالها “!

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\3734051-كابول--(1).jfif

والمثير هنا أن تقرير اليونسكو قد صدر ليؤكد أن القوات الأمريكية استخدمت موقع حدائق بابل المعلقة كقاعدة عسكرية في الفترة من عام 2003 وحتى 2004 وقد شبه التقرير ما حدث باستخدام محيط أهرامات الجيزة كقاعدة عسكرية وما يشكله ذلك من تهديد للتراث الإنساني. فالشوارع التي سار فيها ملوك بابل وكهنتها سارت فيها أيضًا دبابات الاحتلال.  وتلك المدن التي عبرها الإسكندر الأكبر منذ قرون لا تستطيع الأقمار الصناعية التقاطها بعد الآن.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\2003-07-03T120000Z_1782190135_PBEAHUOONFC_RTRMADP_3_IRAQ.jfif

رأي الأزهر

في تقرير صادر عن مرصد الأزهر لمكافحة التطرف أشار إلى أن المناطق العربية تحتوي على العديد من الحضارات التي تنتمي إلى عصور قديمة وتحتوي على قيم ثقافية وحضارية لا تقدر بثمن ومنها ما هو مدرج ضمن لائحة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو.

وتابع المرصد في بيان له أنه حينما سيطر تنظيم “داعش” الإرهابي على بعض مناطق دولتي العراق وسوريا اختلف تعامله الوحشي مع جميع الكائنات عن تعامله مع الآثار، وقام بتدمير جزء منها مثل قلعة “آشور” بمدينة “الشرقاط” العراقية، ومعبد “بل” في “تدمر” السورية، وبيع الجزء الآخر أو الاحتفاظ به لغايات عنده. مدعيًا أنَّ ما قام به هو أمر شرعي؛ مستندًا في فتواه إلى مفتي “داعش” الإرهابي من أمثال شفاء نعمة المكنى بـ”أبو عبد الباري” الذي تمكنت السلطات العراقية من القبض عليه في 18 يناير 2020م، حيث أفتى التنظيم الإرهابي في غير إصدار له بوجوب تدمير الآثار على اعتبار أنها أوثان، ضاربًا بالمبادئ والقيم الإسلامية عرض الحائط، متسلحين بالجهل وقوة التدمير وسفك الدماء التي يدعون إليها ليل نهار وكأنها من الأمور العادية! ويستندون في هذا التوجه إلى فهم مغلوط لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بما يدعم مصالحهم الخبيثة.

وشدد الأزهر الشريف، على حرمة تدمير التراث الإنساني والحضاري، مؤكدًا أنَّ التدمير المتعمد للآثار الذي يقوم به تنظيم “داعش” الإرهابي ما هو إلا محاولات يائسة لطمس المعالم الحضارية والثقافية والتاريخية للعرب والمسلمين. كما طالب كثيرًا دول العالم بضرورة وضع استراتيجيات عاجلة لحماية المناطق الأثرية في المنطقة العربية من إجرام التنظيمات الإرهابية التي تحاول إفراغ العالم العربي والإسلامي من تراثه الحضاري والثقافي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى