الصحافة الدولية

“هولودومور” و”القدس” يخيمان على زيارة نتنياهو لأوكرانيا

في 19 أغسطس الجاري، قام رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو بزيارة رسمية إلى أوكرانيا كييف، تعتبر هي الأولى من نوعها خلال عشرين عاما مضت.

ووقع الطرفان ، خلال الزيارة ، عددا من الاتفاقيات في مجالات الزراعة والتعليم، والاتفاق على توسيع منطقة التجارة الحرة والاتفاق كذلك على فتح مكاتب لتطوير التكنولوجيا الفائقة في البلدين لتبادل التقنيات الحديثة.

وعلى الرغم مما أولاه الاعلام الأوكراني من اهتمام بالغ بالزيارة، وما شهده رئيس الوزراء وزوجته من ترحيب حار منذ لحظة وصولهم إلى أوكرانيا، إلا أن أيا من هذا لم يمنع المواقف المحرجة من الحدوث. 

فعندما قدم الطرف الأوكراني قطعًا من الخبز الأوكراني إلى الزوجين الإسرائيليين بمجرد هبوطهما من الطائرة، كجزء من التقاليد المتبعة عادة للترحيب بالضيوف، وبعد أن تناول نتنياهو قطعة منه أعطى زوجته سارة قطعة مماثلة، إلا أن الأخيرة رفضت تناولها وخرقت البروتوكول بان تخلصت من قطعة الخبز وألقتها على الأرض. 

وهو ما تسبب بالحرج الشديد لنتنياهو الذي أخذ يسرد المبررات والاعذار لعقيلته ويشدد على درايتها الكبيرة بالبروتوكول والتقاليد المتبعة،وأن هذا الخطأ كان غير مقصود، وتارة أخرى يقول إنها مزحة لأجل جذب أنظار الاعلام الإسرائيل. 

وعلق مكتب الرئيس الأوكراني زيلينكسي على الحادثة بأنها موقف عفوي وغير مقصود به توجيه أي اساءات من أي نوع لبلاده أو شعبه وبأن هذا الخطأ لن يؤثر أبدا على تاريخية الزيارة.

ومن المتعارف عليه أن العلاقات بين البلدين لم تكن محط اهتمام أيا من الجانبين خلال السنوات الماضية، إذ لم تقم أوكرانيا بدعم إسرائيل في مجلس الأمن الدولي في أي من القضايا المهمة بالنسبة للشأن الإسرائيلي.

وفي 2016 صوتت أوكرانيا لصالح قرار يدين بناء المستوطنات اليهودية في الأراضي المحتلة بما فيها القدس الشرقية. وسرعان ما ردت إسرائيل على هذه الخطوة بأن ألغت، في اللحظات الأخيرة، زيارة رئيس الوزراء الأوكراني فلاديمير جريسمان إلى تل أبيب، وهي خطوة لها دلالات في غاية الأهمية من وجهة نظر الدبلوماسية الدولية. 

وفي 2017، واصلت أوكرانيا جهودها لأجل تعطيل الاعتراف بالقدس باعتبارها عاصمة لإسرائيل، ورفضت قرار نقل عاصمة إسرائيل إلى القدس جنبا إلى جنب مع أعضاء آخرين في مجلس الأمن. 

وكييف لم توافق بعد ذلك على قرار ضم الجولان لإسرائيل بشكل رسمي، وهو ما ترتب عليه تغيرات في لغة التواصل بين دبلوماسيين أوكرانيين واسرائيليين في اجتماعات مختلفة، إذ لوحظ أن لغة الحوار بين الطرفين أصبحت أكثر حدة وقسوة. 

ولكن بيد في الآونة الأخيرة، أن هناك عددا من القضايا التي تهم الجانبان قد تراكمت بالدرجة التي أدت لهذه الزيارة، التي تكتسب قيمتها التاريخية من كونها الزيارة الخارجية الأولى في ظل الحكومة الأوكرانية الجديدة، ومن جانب آخر لأنها اول زيارة إسرائيلية إلى أوكرانيا منذ أكثر من عشرين عاما. 

ويعتبر التوصل إلى مواقف متقاربة بين الطرفين من أهم النتائج التي تم التوصل اليها بعد الزيارة، إذ لم ينتج عنها حلول نهائية لأهم القضايا بالنسبة للطرفين،وكان اللقاء الأخير بين فلاديمير زيلينسكي وبنيامين نتنياهو بمثابة اعداد لاجتماع آخر مزمع انعقاده في المستقبل. 

لماذا رغبت أوكرانيا هذه الزيارة؟

ترغب الحكومة الأوكرانية بشدة في تفعيل الاتفاقية الأوكرانية الإسرائيلية بشأن المنطقة الحرة التي كان قد تم التوقيع عليها في شهر يناير من هذا العام، وصدق البرلمان الأوكراني عليها في يوليو، وتبقى الاتفاقية الان في انتظار تصديق الكنيست الإسرائيلي عليها، إذ أن إسرائيل لم تُبدي عجلة من أمرها لبدء التنفيذ. 

وتكمن أهمية هذه الاتفاقية بأنها تمثل قوة دفع من شأنها أن تسهم في تطوير قطاعات كاملة من الاقتصاد الأوكراني. وفي الوقت نفسه، تطمح كييف إلى دور إسرائيلي محتمل في الوساطة بين أوكرانيا وروسيا بشأن حل أزمة الحرب في دونباس.            

كما تسعى أوكرانيا إلى التعاون مع إسرائيل في المجالات العسكرية والتقنية، لما تُمثله إسرائيل، من وجهة نظر أوكرانيا، من أنها دولة تملك التكنولوجيا الأكثر تقدما في هذا المجال بالشرق الأوسط. بالإضافة الى التاريخ الإسرائيلي الحافل بالمواجهات العسكرية وطرق بناء جيش فعال وما إلى آخره، من دروس تسعى أوكرانيا لتعلمها من إسرائيل، استعدادا لتلقي الضربة القادمة من روسيا في حالة تكرار حدوث عدوان مرة أخرى. 

في الوقت نفسه، علق محللون أوكرانيون أن محاولة أوكرانيا لتجنيد نتنياهو نفسه باعتباره يشكل مصدر ثقة لدى الرئيسين الروسي والأمريكي فلاديمير بوتين ودونالد ترامب على حد سواء لأجل التوسط في حل أزمة دونباس،بأن زيلينكسي يفعل هذا في إطار مساعيه لإقامة علاقات صداقة قوية مع أكبر عدد ممكن من قادة العالم. 

وفي سياق متصل ، شكك إيليا كوسا وهو خبير السياسة الدولية والشرق الأوسط في المركز التحليلي للمعهد الأوكراني للمستقبل، في احتمالية أن يسهم تدخل نتنياهو في حل أزمة الحرب في دونباس.

وعلق على هذا الأمر قائلاً ” لا أفهم لماذا نحتاجه ولماذا قد نحتاج إسرائيل؟! وما الذي تستطيع إسرائيل أن تفعله خلال المفاوضات وتعجز عنه فرنسا أو ألمانيا على سبيل المثال؟”، وأضاف أنه ينبغي على أوكرانيا قبل أن تتوجه الى دولة أخرى طلبًا للمساعدة أن تطرح على نفسها سؤال مهم، ما الذي يمكن أن تقدمه هذه الدولة لأوكرانيا. 

    لماذا تهتم إسرائيل في زيارة أوكرانيا؟

بالنظر إلى أجندة السياسة الداخلية الإسرائيلية، تقف إسرائيل في الوقت الحالي على أعتاب انتخابات برلمانية. ومن هذا المنطلق، يمكن ملاحظة كيف أن نتنياهو يسعى إلى الحصول على دعم المهاجرين الإسرائيليين من دول ما بعد الاتحاد السوفيتي، والتي يشكل القادمون من أوكرانيا جزءا كبيرا منهم. 

وبحث نتنياهو خلال زيارته إمكانية الحصول على معاش تقاعدي من الحكومة الأوكرانية للمهاجرين في إسرائيل، ومن المحتم أن يمثل تحقيق نتنياهو لهذا الأمر نجاحا كبيرا له ولحزبه على حد سواء. 

 مكاسب سياسية أخرى لإسرائيل

تسعى إسرائيل بكل جدية إلى الحصول على دعم أوكرانيا لجميع مبادراتها وقراراتها على الساحة الدولية. كما أن أوكرانيا لم تعترف حتى اللحظة بنقل عاصمة إسرائيل الى القدس. 

وعلى الرغم من أن اعتراف كييف بالقدس عاصمة إسرائيل، يعد من المهام الرئيسية للزيارة، إلا أنه لم يتم الإعلان حتى الان عن نتائج محاولة اقناع كييف بتغيير رأيها بشأن هذه القضايا. 

وتحاول إسرائيل من خلال زيارة نتنياهو إلى أوكرانيا أن ترسل إشارات محددة المعاني الى روسيا، من شأنها أن تيسر عملية التواصل الروسي الإسرائيلي حول قضايا أخرى تهم إسرائيل بشكل أساسي، من ضمنها ملف الامن في الشرق الأوسط. 

في الوقت نفسه، وفيما يتعلق بالتعاون التقني والعسكري بين البلدين، لم تنته الزيارة إلى الإعلان عن أي نتائج حاسمة أو مؤكدة بشأن القضايا الأكثر أهمية لدى الجانبين، مما يعني أنه من المحتمل أن تكون إسرائيل غير جادة في احتماليات قيامها بتقديم التعاون العسكري والتقني إلى أوكرانيا وأن يكون مجرد الإعلان عن هذا الأمر يدخل في نطاق المراوغات لا أكثر.

 ويرجع هذا إلى ما كانت موسكو قد أظهرته مرارا وتكرارا من سلوك انفصالي حاسم في مجالات التعاون مع الدول التي ترفض “مراعاة مصالح روسيا “. 

وترتبط إسرائيل مع موسكو بعلاقات تعاون بمجالات مماثلة، مما يدفعها الى أن تخطو بحذر في مجال التعاون العسكري والتقني تحديدا. وهذه تعتبر هي نفس الأسباب التي منعت نتنياهو من الإعلان بشكل واضح عن إدانة إسرائيل لضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا. وهو ما تسبب بخيبة أمل كبيرة لدى زيلينسكي، الذي كان يأمل أن يسفر ترحيبه المبالغ فيه لنتنياهو وقرينته في إدانة ضم شبه جزيرة القرم والاعتراف بالهولودومور. 

شبح “هولودومور” يخيم على الزيارة

إنها المجاعة الجماعية الكبرى، أو ما يطلق عليها هولودومور باللغة الأوكرانية، وتعتبر واحدة من بين الفظائع الأكثر بشاعة في القرن الماضي، وواحدة من الفصول الأكثر مأساوية في تاريخ أوكرانيا المعاصر. 

والهولودومور هي اسم الإبادة الجماعية عن طريق التجويع، والتي أشارت بعض المصادر التاريخية الأوكرانية إلى أنه قد تم تدبيرها من قبل جوزيف ستالين، ونتج عنها أن تم القضاء على عدد يتراوح بين 3 و7 ملايين أوكراني خلال الفترة 1932-1933. 

وظلت تفاصيل القمع والحرمان اللذين أديا الى تناقص أعداد سكان أوكرانيا بهذا الشكل، مجهولة خارج الاتحاد السوفيتي لعدة سنوات بعد ذلك. 

واستغل زيلينسكي وجود نتنياهو في أوكرانيا بأن دعاه إلى الاعتراف بالهولودومور، وهو الأمر الذي يشكل نوعا من أنواع الضغط على روسيا. 

ولا يعتقد كذلك أن إسرائيل سوف تنساق وراء هذه الدعوة بسبب انتهاجها للسلوك الحذر في علاقاتها مع أوكرانيا لأجل روسيا. وعلى الصعيد الآخر، من غير المرجح أيضا أن تستجيب أوكرانيا  في أعقاب الزيارة إلى الرغبات الإسرائيلية في الاعتراف بضم القدس والجولان، ويمكن تفسير موقفها بسهولة من خلال النظر إلى الاحتلال الروسي للأراضي الأوكرانية. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى