آسياالأمريكتان

تقدم الصين: ما الذي يعكسه الخلط بين السياسة والرياضة في أولمبياد طوكيو؟

حققت الصين المرتبة الثانية في جدول ميداليات أولمبياد طوكيو 2020، وتم اعتبار النجاح الرياضي الذي حققته الصين في أولمبياد طوكيو 2020 مشوب بالقضايا السياسية، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. فقد اختلطت احتفالات الأبطال الرياضيين ببعض الاندفاعات القومية والعروض السياسية.

تعزيز الفخر الوطني

ألقت القومية الصينية بظلالها القوية على الإنجاز الرياضي التي حققته بكين التي حققت أول ميدالية لها عام 1984، فقد تم استخدامه ضمن محاولات إثارة المشاعر القومية والفخر الوطني. لكن تشير التحليلات إلى أن استخدام الشعارات القومية والعروض ذات الدوافع السياسية في الرياضات الأولمبية، ينذر بتقويض الأداء الرياضي للفريق. خاصةً في ظل الانتقادات الدولية حول الحملات الأمنية في إقليم شينجيانج وهونج كونج. 

فقد أصدرت اللجنة الأولمبية الدولية تحذيرًا للصين بعد ارتداء الفائزين الصينيين بذهبية ركوب الدراجات شارات الزعيم الصيني “ماو تسي تونج” خلال حفل توزيع الميداليات، بما يعد انتهاكًا للقواعد المفروضة. ثم حصلت اللجنة على تأكيدات بعدم تكرار الأمرة مرة أخرى. 

تعرضت البرامج الرياضية الصينية لانتقادات لتركيز اهتمامها على الفوز بالميداليات والمكاسب السياسية، فيرى محللون أنه يجب توخي الحذر بشأن اقتران الخسائر والقومية.

إنقاذ السمعة الدولية

أثبتت الصين تميزها في الألعاب التي تهيمن عليها تقليديًا مثل تنس الطاولة والغوص ورفع الأثقال وكرة الريشة والرماية. وتتابع هذا التميز في ألعاب أخرى لم تكن لها فيها السيطرة التقليدية، فقد تم تحطيم الرقم القياسي الآسيوي في مسابقة 100 متر للرجال، وباتت هذه أول مرة تنافس فيها الصين في نهائي أولمبياد. كما أنه في سباق التجديف الرباعي للسيدات، فازت الصين بأول ذهبية في البلاد منذ أولمبياد بكين عام 2008 وحطمت الرقم القياسي العالمي بأكثر من ثانية.

تحاول الصين استخدام هذا النجاح لإنقاذ سمعتها الدولية عبر تدشين برنامج رياضي قوي للحصول على الشرعية الدولية، وكوسيلة للقوة الناعمة قبل انعقاد الأولمبياد الشتوية في بكين عام 2022. فهي تعمل على إزالة الضرر الذي يلحق بسمعتها بسبب وباء كورونا وقضايا حقوق الإنسان، خاصةً بعد ظهور دعوات لمقاطعة دورة الألعاب الشتوية في بكين بسبب سياساتها في شينجيانج وحجزها للإيجور في معسكرات الاعتقال، وقمع هونج كونج في أعقاب الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية في عام 2019. 

لم تكن بكين مرجحة لدى اللجنة الأولمبية لاستضافة دورة الألعاب الشتوية 2022، لكن ما حدث هو انسحاب الأطراف الأوروبية المفضلة مثل أوسلو وستوكهولم لأسباب مالية وسياسية، ولم يتبقى سوى بكين وألماتي عاصمة كازاخستان القديمة. ولم يذكر رئيس اللجنة وضع الإيجور، لكن روجت اللجنة لبيانات صحفية حول المحادثات التي أجراها “باخ” مع الرئيس الصيني، رغم عدم الكشف عن محتوى تلك المحادثات. 

وعليه، تكافح الصين –تحت قيادة الحزب- في أن تصبح بكين أول موقع لاستضافة كل من الألعاب الأولمبية الصيفية والشتوية، وترغب في أن يؤدي الحماس للاستضافة في القضاء على دعوات المقاطعة. لكن هناك من يرى أن دعوات المقاطعة قد تفرض ضغوطًا على الصين للإفراج عن سجناء سياسيين، وذلك على اعتبار أنه لا يجوز الازدواج بين انتهاك حرية الصحافة والاستمرار في استضافة الأولمبياد دون تغيير.

تسليط الضوء على قوة المكانة في النظام الدولي

لم يكن هناك مفر من النغمات السياسية خلال الأولمبياد، فقد تم اعتبار التنافس مع الولايات المتحدة على قيادة قائمة الميداليات الذهبية أحد نتائج النزاع الدبلوماسي والتجاري الذي تشهده علاقتها مع واشنطن وحلفائها. ففي ثمانينيات القرن العشرين، لم تكن الصين على جداول المنافسة الجيوسياسية والاقتصادية لأنها كانت مصنفة كدولة فقيرة نامية، وانطبق هذا التصنيف على الجانب التكنولوجي والعسكري. 

لكن على مدار العقدين الماضيين، تسارع نهوض الصين في العديد من الأبعاد أكثر من أي دولة أخرى، وباتت منافسًا قويًا للولايات المتحدة على قيادة النظام الدولي. يدفع هذا للحديث عن هدف الصين بأن تصبح قوة رياضية عالمية بحلول عام 2035، وكانت بداية هذا الأمر في أولمبياد بكين عام 2008 التي أزاحت فيها الصين الولايات المتحدة عن قيادة جدول الميداليات. وعلى الجانب الاقتصادي؛ أصبحت الصين مصنع العالم والشريك التجاري الأول للعديد من دول العالم، وقد يصل اقتصادها إلى ضعف حجم الاقتصاد الأمريكي بحلول عام 2030 إذا استمرت على نفس منوال تقدمها. 

ومن الناحية العسكرية؛ تراجعت الميزة النسبية الأمريكية، بما يؤهل في النهاية –وفقًا لتحليلات- إلى قيام الصين بقلب نظام ما بعد الحرب الباردة على جميع النواحي، وإثبات ليس فقط تفوق الصين، بل عدم قدرة الولايات المتحدة على التعافي مرة أخرى. 

من ضمن انعكاس المنافسة الدبلوماسية في الألعاب الأولمبية، ما حدث في منافسة الجمباز الشاملة للرجال، التي فازت فيها اليابان على الصين، وتم فيها التعبير عن التنافس الرياضي كإشارة لقتال الصين ضد الغزاة اليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية وإيقاظ روح المقاومة اليابانية، فقد رأى بعض المعلقين على شبكة الإنترنت أنه كان هناك بعض التحيز المناهض للصين التي أدى لاعبها بشكل شبه مثالي. 

سبق أن قادت الولايات المتحدة حملات مقاطعة للألعاب الأولمبية، أولها مقاطعة عن المشاركة في برلين 1936 بسبب اضطهاد النظام النازي لليهود، لكن الأمر لم ينجح بشكل كامل. والمرة الثانية مقاطعة لموسكو عام 1980 احتجاجًا على التدخل السوفيتي في أفغانستان، والضغط لتغيير نظام البلد المضيف وتصويره بأنه منبوذ على المسرح العالمي.

هل تعمل اللجنة الأولمبية الدولية بحيادية؟

على الرغم من تأكيد اللجنة الأولمبية على عدم خلط الرياضة بالسياسة، فقد سبق أن روّج رئيسها “توماس باخ” بجهوده للجمع بين الكوريتين خلال دورة الألعاب الأولمبية الشتوية لعام 2018 في كوريا الجنوبية. كما أنه قد يعمل المراسلون من بلدان أخرى على استكشاف جوانب أخرى من الحياة في الصين خلال الأولمبياد الشتوية القادمة، مثلما فعلوا في اليابان خلال أولمبياد طوكيو، مما يمكنهم إثارة الأمور بشكل أكبر إذا اعتبرت الحكومة أن التصوير يعطي نظرة سلبية عن الصين.

لذا تطالب الصين كل من الحكومات والشركات ووسائل الإعلام بالالتزام الكامل بموقفها بشأن عدد من القضايا، لذا فإن خروج المراسلين الرياضيين عن النص المقبول سيؤدي لملاحقتهم، إذ انتقدت وزارة الخارجية الصينية تسييس الرياضة، وأكدت أن أي مقاطعة أولمبية محكوم عليها بالفشل.

وفيما يخص حقوق الإنسان، تدعم اللجنة الدولية حقوق الإنسان في نطاق اختصاصها، بما يشمل حقوق الصحفيين في تغطية الألعاب الأولمبية، لكن أدرجت اللجنة متطلبات حقوق الإنسان قبل عدة سنوات في عقد المدينة المضيفة لأولمبياد باريس 2024، كأول دورة تحتوي على تلك المعايير التي أكدت عليها جماعات حقوق الإنسان باستمرار. 

حاولت الألعاب الأولمبية الحديثة الحياد بعيدًا عن السياسة، لكنها لم تكن بمعزل عن بعض الحوادث، فقد روّج النازيون لفكرهم العنصري في ألعاب برلين عام 1936، وتم احتجاز رياضيين إسرائيليين كرهائن وقتلهم في ميونيخ عام 1972. ومن جانب آخر، عملت على الحفاظ على بعض أهدافها، مثل الإبقاء على حظر جنوب أفريقيا لمدة 25 عامًا بسبب سياسات الفصل العنصري. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، تم تقديم مظلة لمجموعة الدول المستقلة كي تستطيع التنافس. وفي الدورتين الأخيرتين عامي 2016 و2020، تم تشكيل فريق من اللاجئين للرياضيين الذين جردتهم الحرب والفتنة.

تنص القاعدة 50 من ميثاق اللجنة الأولمبية الدولية على أنه “لا يُسمح بأي نوع من المظاهرات أو الدعاية السياسية أو الدينية أو العرقية في أي مواقع أو أماكن أو مناطق أولمبية أو مناطق أخرى.” لكن مع التغيرات التي يشهدها العالم، زادت المطالبات بالسماح بمزيد من حرية التعبير، مما دفع اللجنة الأولمبية الدولية لجلب مستشارين محترفين لاستطلاع آراء الرياضيين، وتم التوصل إلى أنه يمكن للرياضيين التعبير عن آرائهم بطرق محددة، مثل المؤتمرات الصحفية وقبل المنافسة. 

مما سبق، يتضح أن الألعاب الأولمبية لم تكن بعيدة عن القضايا السياسية والنزاعات الدولية، فهي لم تقتصر على الرياضة وحدها، إذ يتخللها مواءمات وتفضيلات، بجانب البحث عن أدلة للقيادة الدولية بناء على مرتبة الميداليات الذهبية، لذا تقاوم الصين بشدة أي دعوات أو حديث عن المقاطعة.

+ posts

باحثة ببرنامج العلاقات الدولية

فردوس عبد الباقي

باحثة ببرنامج العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى