أفريقيا

“الأوضاع الإنسانية بالتيجراي”.. مؤشرات صعبة وعقبات تعترض مسار المساعدات

عرض – ماري ماهر

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز”  الأمريكية تقريرًا للكاتب “ديكلان والش”، سلط الضوء على الطريق الذي يربط إثيوبيا مع منطقة “العفر” على الحدود الجيبوتية، جاء بعنوان “هذا الطريق الإثيوبي هو شريان الحياة للملايين. الآن تم حظره”، بدأه بالإشارة إلى أن هذا الطريق عبارة عن شريط مدرج يبلغ طوله 300 ميل يمر عبر بعض أكثر التضاريس الوعرة على وجه الأرض، هو السبيل الوحيد إلى منطقة مزقتها الصراعات حيث يواجه ملايين الإثيوبيين خطر المجاعة الجماعية، لكنه شريان حياة هش ومحفوف بالمخاطر جعلته بالكاد سالكًا لقوافل الإغاثة التي تحاول إيصال الإمدادات الإنسانية إلى منطقة “التيجراي”.

ويقول عمال الإغاثة إن العقبة الرئيسية هي الحصار غير الرسمي الذي تفرضه الحكومة الإثيوبية، الذي يتم فرضه باستخدام تكتيكات العرقلة والترهيب، مما أدى إلى قطع الطريق بشكل فعال وفاقم ما يسميه البعض “أسوأ أزمة إنسانية في العالم” منذ عقد.

وتأتي الأزمة على خلفية اشتداد الحرب التي امتدت من التيجراي إلى مناطق أخرى، مما أدى إلى تعميق التوترات العرقية وإذكاء المخاوف من أن إثيوبيا، ثاني أكبر دولة في إفريقيا من حيث عدد السكان، تمزق نفسها.

أزمة إنسانية وإنكار حكومي

تقدر الأمم المتحدة أن 400 ألف شخص يعيشون في ظروف شبيهة بالمجاعة، وأن 4.8 مليون آخرين بحاجة إلى مساعدة عاجلة. كما أفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف” بأن أكثر من 100 ألف طفل في التيجراي يعانون من سوء التغذية الحاد الذي يهدد حياتهم في الأشهر الـ 12 المقبلة، بزيادة عشرة أضعاف عن متوسط المستويات السنوية.

وتستند تقديرات سوء التغذية للأطفال إلى تحليل البيانات المأخوذة من الفحوصات الأسبوعية لمحيط منتصف العضد (MUAC) التي أجرتها اليونيسف وشركاؤها منذ اندلاع النزاع في المنطقة على أكثر من 435 ألف طفل، والتي أظهرت أن 2.3% من الأطفال يعانون سوء التغذية الحاد الشديد، و15.6% يعانون سوء التغذية الحاد المعتدل، وهو ما يتجاوز عتبة الطوارئ البالغة 15%، فيما تستند البيانات الخاصة بالأمهات إلى الفحوصات التي أجريت في نفس الوقت.

وقالت المتحدثة باسم اليونيسف، ماريكسي ميركادو، بعد عودتها من التيجراي، إن النساء الحوامل والمرضعات يعانين من سوء التغذية الحاد، مشددة على الحاجة إلى وصول غير مقيد للتيجراي وعبر المنطقة من أجل توفير الدعم الذي يحتاجه الأطفال والنساء بشكل عاجل، كاشفة أن منظمتها تمتلك 6900 كرتونة فقط من الأطعمة العلاجية الجاهزة للأكل المنقذة للحياة في مستودعاتها بالتيجراي، وهذا يكفي لعلاج سوء التغذية الحاد لدى 6900 طفل فقط. بينما أكد المتحدث باسم الأمم المتحدة ينس ليركه أن الأمم المتحدة بحاجة إلى هواتف تعمل بالأقمار الصناعية ومعدات اتصالات مهمة أخرى في عملية المساعدة بالتيجراي.

وذكرت الصحيفة الأمريكية أن أزمة سوء التغذية هذه، تحدث وسط أضرار منهجية واسعة النطاق تلحق بالغذاء والصحة والتغذية والمياه وأنظمة الصرف الصحي والخدمات التي يعتمد عليها الأطفال وأسرهم في بقائهم على قيد الحياة، مع تصاعد خطر تفشي الأمراض، لا سيما في المناطق المكتظة، والمواقع غير الصحية التي تستضيف العائلات النازحة.

وكان الجنود الإثيوبيون والإريتريون المتحالفون معهم قد سرقوا الحبوب وأحرقوا المحاصيل ودمروا الأدوات الزراعية أثناء انسحابهم من التيجراي، وفقًا لكل من مجموعات الإغاثة والشهود المحليين الذين قابلتهم صحيفة نيويورك تايمز. وقد تسبب هذا في فقدان العديد من المزارعين لموسم الزراعة، مما تسبب في أزمة غذائية من المتوقع أن تبلغ ذروتها عندما يفشل الحصاد في سبتمبر.

وقال رئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد، الأسبوع الماضي إن حكومته توفر “وصولا إنسانيًا غير مقيد” وتلتزم “بالتوصيل الآمن للإمدادات الحيوية لشعبها في منطقة تيجراي”. لكن وزراء أبي اتهموا علنًا ​​عمال الإغاثة بمساعدة وحتى تسليح مقاتلي التيجراي، مما أثار نفيًا قويًا من إحدى وكالات الأمم المتحدة. وقال مسؤولون كبار في مجال الإغاثة، تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم لتجنب تعريض عملياتهم للخطر، إن التزام الحكومة المعلن بتمكين توصيل المساعدات يتناقض مع أفعالها على الأرض.

ويتعرض عمال الإغاثة للمضايقات في المطارات، أو يموتون داخل التيجراي بسبب نقص الرعاية الطبية الفورية، كما في حالة مسؤول في برنامج الغذاء العالمي نهاية الأسبوع الماضي.

وقالت بيلين سيوم ولدايز، المتحدثة باسم أبي أحمد، إن القوات الفيدرالية تركت وراءها 44 ألف طن من القمح و2.5 مليون لتر من زيت الطعام عند انسحابها من التيجراي في يونيو، مؤكدة أن أي عقبات أمام وصول المساعدات الإنسانية “تراقب عن كثب” من قبل الحكومة. لكن على الأرض الأوضاع مختلفة؛ إذ تنفد الإمدادات الحيوية بسرعة ليس فقط الغذاء والدواء، بل أيضًا الوقود والأموال اللازمة لتوزيع المساعدات الطارئة. بدأت العديد من وكالات الإغاثة في تقليص عملياتها في التيجراي، مشيرة إلى ظروف العمل المستحيلة.

ويحتدم القتال على طول الطريق السريع الرئيسي المؤدي إلى التيجراي، مما أجبر مجموعات الإغاثة على اللجوء إلى البديل الوحيد، وهو الطريق البعيد الذي يربط تيجراي بالعفر ويمتد عبر مشهد صارخ من درجات الحرارة المحترقة. وقبل أيام، سار مقاتلو “تيجرايان” إلى العاصمة الإقليمية ميكيلي، بعد ساعات من مغادرة الجنود الإثيوبيين المحاصرين المدينة، وتم إغلاق مطار المدينة، لذلك كان السبيل الوحيد للخروج من التيجراي في قافلة الأمم المتحدة البطيئة التي سلكت نفس الطريق المقفر مثل الجنود الإثيوبيين الفارين.

مسار   شاق  ومخاطر تهدد قوافل الإغاثة

استعرض كاتب التقرير “ديكلان والش”، تفاصيل رحلة قطعها بشاحنة صغيرة على الطريق الذي يربط إثيوبيا مع منطقة العفر على الحدود الجيبوتية، أوضح فيه إن الطريق كانت تشوبه آثار دبابات وخاليًا من المركبات باستثناء بعض الشاحنات المعطلة، كان ملتفًا على الحافة الغربية لمنخفض داناكيل، وهي منطقة شاسعة تقع تحت مستوى سطح البحر بها براكين نشطة وتشكيلات صخرية سريالية بألوان زاهية تُشبه كثيرًا مناظر طبيعية أخرى، لافتًا إلى أن الشاحنة انطلقت عبر حقل قاحل من الحمم البركانية الجافة التي امتدت لأميال، وكانت درجة الحرارة مرتفعة للغاية بحيث وصلت إلى 115 درجة بالخارج، واحتمى سكان عدد قليل من القرى التي عبرها داخل المباني المغطاة بأغطية من الصفيح والبطانيات الثقيلة.

وأوضح الكاتب أن الشاحنة التي كان يرتادها مرت بـ 13 نقطة تفتيش، أولها كان يديرها مقاتلو الميليشيات ثم لاحقًا تلك التي تحرسها القوات الحكومية الإثيوبية، ووصل إلى مدينة سيميرا عاصمة منطقة العفر، بعد 12 ساعة. لكن بعد أيام لم تكن قافلة ثانية للأمم المتحدة متجهة من التيجراي محظوظة للغاية؛ فوفقًا لعامل إغاثة في القافلة، أخضعت الشرطة الفيدرالية الإثيوبية عمال الإغاثة الغربيين لعمليات تفتيش مكثفة على طول الطريق، ثم احتجزت سبعة سائقي من تيجرايان طوال الليل بعد حجز سياراتهم، وتم الإفراج عن السائقين والمركبات بعد يومين.

وفي 18 يوليو، تعرضت قافلة تابعة للأمم المتحدة مؤلفة من 10 مركبات تحمل الطعام إلى التيجراي لهجوم على بعد 60 ميلاً شمال سيميرا عندما فتح مسلحون مجهولون النار ونهبوا عدة شاحنات، وفقًا لبرنامج الغذاء العالمي، ومنذ ذلك الحين تم تعليق جميع شحنات المساعدات على طول الطريق. وقد ألقى مكتب أبي أحمد باللوم في الهجوم على جبهة تحرير شعب التيجراي، لكن اثنين من كبار المسؤولين في الأمم المتحدة، تحدثا شريطة عدم الكشف عن هويتهما لتجنب تدهور العلاقات مع السلطات الإثيوبية، قالا إن الهجوم نفذته ميليشيا موالية للحكومة بناء على طلب من قوات الأمن الإثيوبية.

وفي الشهر الماضي، تمكنت قافلة مساعدات واحدة تابعة للأمم المتحدة مؤلفة من 50 شاحنة من السفر عبر هذا الطريق، بينما تحدد الأمم المتحدة الحاجة إلى مضاعفة عدد الشاحنات التي تسافر كل يوم لدرء النقص الكارثي في الغذاء والدواء داخل التيجراي. ويضاف إلى ذلك إفادة برنامج الغذاء العالمي بأن 170 شاحنة محملة بمساعدات إغاثة عالقة في سيميرا في انتظار الإذن الإثيوبي للقيام بالرحلة الصحراوية إلى التيجراي، وكتب مدير الوكالة ديفيد بيزلي: “يجب السماح لهذه الشاحنات بالتحرك الآن. الناس يتضورون جوعًا”.

وقد كشفت رحلة إغاثية جوية إلى التيجراي أن السلطات الإثيوبية تتبع استراتيجية الترويج علنًا بالسماح بوصول المساعدات الإنسانية بينما تعمل عمليًا على إحباطها؛ ففي مطار بأديس أبابا، قال عدد من الأشخاص الذين كانوا على متن طائرة إغاثية إن 30 من عمال الإغاثة الذين كانوا على متن أول رحلة للأمم المتحدة متوجهة إلى ميكيلي خلال أكثر من شهر تعرضوا لعمليات تفتيش ومضايقات مكثفة، منها منعهم من حمل نقود تزيد عن 250 دولارًا، وهواتف الأقمار الصناعية والأدوية الشخصية، وقد أدى الإجراء الأخير إلى اضطرار مسؤول من منظمة أطباء بلا حدود إلى النزول من الرحلة، مما أخرها لست ساعات.

هذا وقد أعلن برنامج الغذاء العالمي عن الرحلة لكنه لم يشر إلى التأخيرات أو المضايقات، وهو إغفال أثار غضب العديد من مسؤولي الأمم المتحدة وغيرهم من عمال الإغاثة الذين قالوا إنه يتبع نمطًا من وكالات الأمم المتحدة التي لا ترغب في انتقاد السلطات الإثيوبية علنًا.

ومما يزيد من تعقيد جهود الإغاثة أن الحرب تنتقل الآن إلى بلدة عفر؛ فخلال الأسبوع الماضي توغلت القوات التيجراي في المنطقة. وردًا على ذلك، حشدت حكومة أبي أحمد ميليشيات عرقية من مناطق أخرى لمواجهة الهجوم، كما لجأ أبي إلى لغة تحريضية بشكل متزايد، بالإشارة إلى قادة التيجراي بأنهم “سرطان” و “أعشاب ضارة” بحاجة إلى الإزالة، وهي تصريحات ينظر إليها المسؤولون الأجانب على أنها عامل اشتعال محتمل لموجة جديدة من العنف العرقي في جميع أنحاء البلاد. بينما رفضت المتحدثة باسم رئيس الوزراء تلك المخاوف ووصفتها بأنها “مثيرة للقلق”، معتبرة أن آبي كان يشير بوضوح إلى منظمة إرهابية وليس إلى شعب التيجراي.

وتبقى الأولوية الأكثر إلحاحًا داخل التيجراي الآن هي إعادة فتح الطريق المؤدية إلى العفر. وقد قالت لورين سويني من مؤسسة دعم أفريقيا “Support Africa Foundation”، وهي مؤسسة خيرية تؤوي حوالي 100 امرأة حامل نزحت بسبب القتال في مدينة أديغرات: “هذا وضع يائس ويائس”. وكشفت سويني التي تقيم في أيرلندا، أنها تلقت مكالمات من موظفين مذعورين يطلبون المساعدة في إطعام النساء، وجميعهن حامل في الشهر الثامن على الأقل. مضيفة: “هذا يعيدني إلى أوقات المجاعة في أيرلندا. هذه أشياء مجنونة في هذا اليوم وهذا العصر”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى