العراق

تقييم المخاطر… تداعيات الانسحاب الأمريكي من العراق وبدائل واشنطن

وقع الرئيس الأمريكي جو بايدن ورئيس الوزراء العراقي إبراهيم الكاظمي، اتفاقًا مشتركًا خلال زيارة الأخير إلى البيت الأبيض يقضي بإنهاء المهمة القتالية للقوات الأمريكية في العراق بحلول نهاية العام الجاري. هذا الاتفاق المعني بحوالي 2500 جندي المتبقين من أصل 160 ألف دخلوا البلاد عام 2003 ليس مفاجئًا لأوساط المراقبين السياسيين كونه نتيجة حتمية للمزاج السياسي والشعبي الناظر للحضور الأمريكي بوصفه “احتلالًا غير متكافئ”، وانعكاسًا مباشرًا لطبيعة الاشتباك الأمريكي-الإيراني على المسرح العراقي منذ اغتيال سليماني والمهندس أوائل يناير 2020.

أحدث الإعلان الذي لم يقدم خريطة طريق مفصلة لجوهر عملية الانسحاب ردود فعل متضادة على طول الطيف السياسي العراقي؛ فبينما رحبت الفصائل الولائية بالخطوة، أبدى عدد من القوى الوطنية وشيوخ العشائر مخاوف مشروعة من انزلاق البلاد إلى نفق مظلم، خاصة وأن منطق اللا دولة والميليشيات هو الحاكم الفعلي للبلاد في ظل عدم وجود سلطة حكومية على الميليشيات، فيما رأى السُنَّة أن من شأنه تقوية الفصائل المسلحة الموالية لإيران، وحذر الأكراد من نشوب حرب أهلية أو تكرار السيناريو الأفغاني، وهو تباين يعكس حجم المأزق السياسي والاختلاف على قضايا وطنية بحتة؛ فمنذ صدور قرار البرلمان العراقي بإخراج القوات الأمريكية (يناير 2020) لم تنجح القوى الشيعية في إقناع الأكراد والعرب السُنَّة بتأييده.

تداعيات الانسحاب الأمريكي

لا يُمكن النظر لاتفاق بايدن-الكاظمي بوصفه تخليًا أمريكيًا كاملًا عن العراق على غرار النموذج الأفغاني، فالأهمية الاستراتيجية لبغداد بالنسبة لواشنطن تفوق تلك التي لكابول، كونها منطقة مصالح حيوية لا يُمكن التخلي عنها منها مواجهة النفوذ الإيراني والتركي؛ وضمان أمن الحلفاء، وأمن جنوب شرق المتوسط، ومحاربة الإرهاب؛ لذلك تنضوي العملية المرتقبة على “إعادة تعريف” لمهمة القوات بحيث تتحول من الأدوار القتالية والعملياتية إلى الأدوار اللوجيستية والمعلوماتية والتدريبية والاستشارية وهي مهمة تلقى قبول القوى الشيعية، وهي عملية سترتب مجموعة من التداعيات على عدة ملفات نستعرضها تاليًا:

• مستقبل العملية السياسية: يأتي القرار الأمريكي في توقيت مثالي بالنسبة لكافة مكونات العملية السياسية العراقية، يجعله بمثابة “جائزة سياسية” للكاظمي والكتل المدعومة إيرانيًا على السواء، بإمكان كلاهما توظيفه لكسب نقاط في الانتخابات المقررة 10 أكتوبر المقبل، فالأول مثقل بسلسلة من الإخفاقات في ملفات كبح جماح الميليشيات ومكافحة الفساد وتحسين الأوضاع الاقتصادية ويتعرض لضغوط إيرانية ميليشياوية، والثانية تواجه غضبًا شعبيًا متصاعدًا ورفضًا لأدوارها التي أوقعت البلاد في براثن الطائفية والفوضى الأمنية. 

وبالتالي، فإن هذا التطور سيمنح الكاظمي فرصة لالتقاط الأنفاس ودفعة سياسية يأمل من خلالها استرضاء الشارع العراقي واللاعبين السياسيين الموالين لإيران الذين يريدون مغادرة القوات الأمريكية، حيث سيجعل منه نفسه حامي السيادة العراقية الذي انتقل بالعلاقات مع واشنطن إلى نموذج الشراكة عوضًا عن العلاقة أحادية الجانب. بينما ما تُعرف “بقوى المقاومة” فستقدمه بوصفه انتصارًا سياسيًا وعسكريًا لاستراتيجية رفع تكلفة بقاء القوات الأمريكية وتكبيدها خسائر مادية وبشرية باهظة تمثل خطًا أحمر بالنسبة لواشنطن التي انتهجتها منذ مطلع العام الجاري عبر سلسلة من الهجمات المزدوجة “صواريخ-درونز” استهدفت مناطق تمركز القوات الدولية والمصالح الأمريكية في بغداد وأربيل ونينوى وصلاح الدين وغيرهم، وتنفيذًا لقرار البرلمان العراقي أوائل 2020، الذي قادته التيارات الموالية لإيران وطالب بإخراج القوات الأجنبية من البلاد.

ومع ذلك، لا تزال فرص الكاظمي في الانتخابات المقبلة غير واضحة بالنظر إلى عدد لا يحصى من التحديات التي تواجهه كاستمرار عمليات اغتيال النشطاء، وانقطاع التيار الكهربائي، وندرة المياه، وارتفاع معدل البطالة، وانتشار الفساد، ووباء فيروس كورونا، فضلًا عن تراجع التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر (أهم مؤيديه) عن خوض الانتخابات وعدم حسم قوى “تشرين” موقفها من المشاركة، علاوة على هيمنة طهران على العملية الانتخابية المقبلة من خلال توظيف المال السياسي والسلاح المنفلت للتأثير على مجرياتها.

• القوى الكردية والسنية: الأكراد هم الحليف المحلي الأول للولايات المتحدة وكان طرفًا أصيلًا في هزيمة داعش، ويثير القرار الأمريكي مخاوف جمة ويحسبونه خيانة أمريكية ثانية بعد الضوء الأخضر الذي منحه ترامب لأنقرة لغزو مناطقهم في أكتوبر 2019. فالإحساس بالأمن والاستقلال الذاتي قد يتعرض للخطر مع تصاعد احتمالات التوتر بين الإقليم والحكومة المركزية ودعوات بعض الشيعة لأخذ معظم امتيازاتهم؛ إذ لا تزال هناك حالة من عدم اليقين بشأن الأراضي المتنازع عليها التي تشمل مدينة كركوك الغنية بالنفط والمختلطة عرقيًا ولها أهمية تاريخية بالنسبة للأكراد والتي قد تسقط في يد الميليشيات الشيعية، فضلًا عن إمكانية تضييق حكومة بغداد على الإقليم بحجب أو تقليص مستحقاته المالية المقدرة بـ 17% من الميزانية الوطنية. علاوة على إمكانية تأجيج تركيا حربًا أهلية بالإقليم بالضغط على حكومته لتعميق مشاركتها في حملة أنقرة ضد حزب العمال الكردستاني.

وفي الوقت ذاته، تعتقد القوى السياسية السنّية أن انسحاب القوات الأمريكية في هذه المرحلة يعني إحكام إيران قبضتها على العراق، ما يعني تهميشًا وإقصاءً لهم، وبالتالي قد تعود مناطقهم إلى الاحتجاج وربما المواجهات العنيفة مع الحكومة والمليشيات الموالية لإيران.

• نفوذ القوى الإقليمية والدولية: لما كان الانسحاب الأمريكي من شأنه أن يحدث فراغًا استراتيجيًا فإن القوى الدولية والإقليمية ستسعى لملئه مخلفةً حالة من التجاذبات وصراع الأدوار على كافة الأصعدة السياسية والأمنية والعسكرية وما يتعلق بإعادة الأعمار. فبالنظر شرقًا نجد أنه مثلما أحكم الغزو الأمريكي قبل 18عامًا السيطرة الإيرانية على مفاصل السياسة والاقتصاد والأمن والجيش العراقيين، فإن الانسحاب المتعجل سيثبت أقدام طهران في البلاد ويغير موازين القوى لصالحها، كونها تمتلك كل مقومات السيطرة؛ فسياسيًا تتغلل عناصرها عبر مفاصل ومؤسسات الحكم، وعسكريًا ستؤول المسائل الأمنية تلقائيًا إلى الجيش الذي تشكل ميليشيات الحشد الشعبي جزءًا أصيلًا منه، واقتصاديًا وتجاريًا تتشابك مصالح الدولتين إلى حد التماهي الذي يرتب تأثيرًا مباشرًا لأزمات أحدهما على الأخرى (الكهرباء والمياه نموذجين).

وبالاتجاه شمالًا سيطلق غياب الدعم الأمريكي المباشر للأكراد يد أنقرة للمضي قدمًا في تحقيق أهدافها الاستراتيجية ومشروعها التوسعي، عبر إنشاء منطقة حدودية آمنة وتأسيس وجود عسكري دائم يمتد إلى الحدود الجنوبية لإقليم كردستان، ولطالما سعى أردوغان إلى تحييد السياسة الأمريكية تجاه الأكراد وانتزاع التنازلات بشأن هذا الملف مقابل تولى أنقرة مهام أمنية وسياسية بالنيابة عن واشنطن، ولعل الدور التركي المرتقب في أفغانستان خير دليل على ذلك. ناهيك عن أن أي خلاف محتمل قد ينشأ بين بغداد وأربيل ستسرع أنقرة لتوظيفه لدفع أهدافها الإقليمية قدمًا.

ويحفز هذا المشهد تحويل الساحة العراقية إلى مسرح للاشتباك الدبلوماسي وربما العسكري المباشر بين المشروعين الإيراني والتركي المتنافسين، وهو أمر تكرر مرات ومرات سابقًا، خاصة أن كلا البلدين يملكان مقاربة مختلفة تجاه العراق؛ فبينما تراها طهران مكونًا رئيسيًا لعمقها الاستراتيجي ولا ترغب في مشاركة مجال نفوذها الاستراتيجي هذا مع الخصوم، اندفعت أنقرة مستغلة تصاعد المشاعر المعادية لإيران وضعف نشاطها إقليميًا تأثرًا بسياسة أقصى ضغط الأمريكية لاستعادة ما تعتبره دورًا تاريخيًا في العراق ودحر نفوذ منافستها الإقليمية. ومع أن البلدين يسعيان للاحتفاظ بقواعد اشتباك واضحة تقسم مناطق النفوذ والمصالح التجارية، إلا أنه في ظل هذا الجو المشحون فإن أي شرارة قد تشعل الأوضاع وتصعدها إلى مستوى غير متوقع خاصة على صعيد سنجار.

أما دوليًا، تراقب الصين وروسيا عن كثب التطورات ورغم أنهما لا يرغبان في تحمل خسائر سياسية أو عسكرية؛ إلا أنهما يتطلعان إلى فتح سوق السلاح العراقي أمام منتجاتهما العسكرية، وفي حين تسعى موسكو لتقديم الاستشارات العسكرية للقوات أو القيام بمهام قتالية مباشرة، تطمح بكين لتعزيز روابطها الاقتصادية والتجارية مع بغداد وبالأخص في قطاعات النفط وإعادة الأعمار.

• التهديدات الأمنية والإرهابية: لا يزال يعاني العراق من توترات ومخاطر محدقة بأمنه، ودون شك سيخلق التخلي عن المهام القتالية الأمريكية فراغًا ميدانيًا ستحاول تنظيمات إرهابية وجماعات مسلحة ملئه، وفي مقدمتهم تنظيم داعش الإرهابي، فرغم تلاشي سيطرته الميدانية عام 2017 تظل خلاياه منتشرة وفقًا لأنساق تحكمها عوامل الجغرافيا ودرجة السيطرة الأمنية وخارطة التوزيع الطائفي والاستقرار السياسي وغيرها، بحيث تتركز معظم عناصره المقدرة بنحو 10 آلاف مقاتل في عمق الصحراء بالأنبار ونينوى وسلاسل الجبال والوديان والبساتين في بغداد وكركوك وصلاح الدين وديالى. وقد أعاد داعش تنظيم صفوفه في مجموعات فرعية متنقلة وشن هجمات خاطفة وموجعة، وهو ما جسده الهجوم على مدينة الصدر قبل يوم من عيد الأضحى مخلفًا أكثر من 35 قتيلًا، وغيرها من العمليات التي أظهرت استعادة بعض قدراته في مجالات التمويل والدعم اللوجستي والتخطيط.

ولا شك أن إنهاء الإسناد الأمريكي للقوات العراقية سيمنح متنفسًا لخلايا التنظيم، لكن على كل حال لن يحقق سيطرة جغرافية على غرار نموذج 2014، فحينها استفاد من السخط الهائل الذي شعر به السُنَّة تجاه الحكومة الشيعية الحزبية برئاسة نوري المالكي، الذي أدار البلاد من 2006 إلى 2014 وحرم السُنَّة بشكل منهجي من حقوقهم، ودفع الكثيرين إلى أحضان تنظيم داعش، بينما المعادلة السياسية اليوم أكثر قبولًا لدى الجماعات العرقية المتعددة. فضلًا عن اتساع رقعة أهدافه متجاوزًا مناطق الانتشار التقليدي بالعراق وسوريا إلى أفريقيا وأفغانستان. ناهيك عن استمرار المتابعة اللصيقة لتحركات التنظيم من قبل عناصر الاستطلاع والتحالف الدولي ومهمة الناتو، والتحرك الفوري إذا تجاوز الخطر قدرات المنظومة الأمنية العراقية. 

وهو وضع يثير حالة من الاطمئنان الحذر بشأن قدرة القوات العراقية على احتواء المخاطر الأمنية، خاصة إذا علمنا أن المهمة القتالية للتحالف انتهت فعليًا في نوفمبر الماضي عندما خفض البنتاجون القوات الأمريكية إلى 2500، ولم تعد ترافق القوات الأمريكية نظيرتها العراقية في مهام برية. ويبقى نطاق الهجمات المتوقعة مركزًا وموسميًا يستهدف إرباك القوات، لكن فرص تصاعده تظل قائمة إذا ما انتهجت الحكومة سياسات طائفية ضد السُنَّة أو زاد الاحتقان الشعبي من ممارسات الحشد الشعبي أو بحصولهم على دعم تركي في مواجهة الأكراد. 

وتجادل بعض التحليلات بأن قوة مكافحة الإرهاب الحكومية متعددة الأعراق التي مولتها ودربتها القوات الأمريكية، قد تدمج مع الميليشيات المدعومة إيرانيًا، بما يقوض أدوراها.

• أمن دول الخليج: لعقود عملت الولايات المتحدة كضامن لبقاء معادلة التوازن الإقليمي القائمة والحفاظ على أمن الخليج مما ثبط دون قصد العملية الدبلوماسية الإقليمية وسيطر الجمود والخلافات على العلاقات بين إيران والخليج، لكن مع تحول أنظار واشنطن عن المنطقة وتسليم أدوراها للقوى الإقليمية المتوسطة وإبداء رغبة انفتاحية على طهران، ثارت مخاوف خليجية مشروعة من تعاظم المنافسة الجيوسياسية مع إيران، من البديهي تفاقمها مع الإعلان الأمريكي الأخير المتزامن مع مفاوضات فيينا لإنقاذ الاتفاق النووي.

ومن هنا قد ترى دول خليجية أن الانخراط في عملية دبلوماسية مباشرة مع عدوتها اللدود سيكون الخيار الأمثل الضامن لتبريد الساحة وإبعاد المصالح الخليجية عن دائرة الاستهداف الميليشياوي الإيراني المباشر، ومن جانب آخر، مواصلة جهود دمج العراق ضمن المنظومة العربية. فيما تدور الحلول الأمريكية المقترحة حتى الآن حول تطوير القدرات الدفاعية لدول المنطقة ضد الصواريخ والطائرات التقليدية والمسيرة، وتفعيل اتفاقية لحماية الملاحة في الممرات البحرية ورفع مستوى الاعتماد على دول المنطقة للدفاع عن مياهها ضد أي عدوان إيراني.

• التصعيد الميليشياوي الإيراني: طرح القرار الأمريكي تساؤلات بشأن إمكانية أن تخفض طهران عمليات استهداف القوات الأمريكية من عدمه، وسط معلومات عن زيارة سرية قام بها إسماعيل قآني قائد فيلق القدس إلى العراق للاجتماع مع الفصائل المسلحة وقادة سياسيين، والتي تأتي غالبًا قبل حملات تصعيد مكثفة ضد القوات الأمريكية والنخبة السياسية المحسوبة عليها وعلى رأسها الكاظمي الذي ينتظر إليه باعتباره صديقًا معتدلًا للولايات المتحدة. 

إلا أن طهران اختارت قطع الشك باليقين فلم يُمر سوى ثلاث أيام على اتفاق بادين-الكاظمي حتى نفذت ميليشياتها هجمة صاروخية قرب السفارة الأمريكية ببغداد فخر يوم 29 يوليو، مهتدية بخطوات حركة طالبان الأفغانية التي كثفت هجماتها ضد المدنيين ووسعت مناطق سيطرتها بمجرد توقيع اتفاق سحب القوات الأمريكية في فبراير 2020. وهي رسائل إثبات وجود صاروخية تخبر بايدن بحقيقة رسوخ النفوذ الإيراني بالعراق، وتضغط للتوصل إلى صيغة مرضي عنها فيما يتعلق بمفاوضات الاتفاق النووي.

حسابات الأطراف وبدائل واشنطن

ربما أراد بايدن بمناورة الانسحاب الرمزي للقوات الأمريكية من العراق منح الكاظمي والقوى السياسية الداعمة له نقاطًا في معركة الانتخابات المقبلة بوصفه حليفًا معتدلًا لواشنطن يُمكن الاعتماد عليه لحماية المصالح الأمريكية بالعراق. كما أن هذا القرار يتفق واستراتيجية الولايات المتحدة الشاملة لتقليل الوجود بالشرق الأوسط وتصفية حروبها الأبدية وترشيد النفقات ضمن خططتها لإعادة الانتشار العسكري شرقًا للتعامل مع التحدي الأمني الصيني طويل الأجل. وبالفعل شهدت الشهور الماضية سحب المعدات العسكرية الأمريكية الثقيلة كبطاريات صواريخ باتريوت وثاد، وكذلك طائرات قتالية.

هذا علاوة على رغبة البيت الأبيض في تفادي الانتقادات المتعددة التي تلاحق الدور الأمريكي في العراق؛ فباستثناء هزيمة تنظيم داعش ضمن جهود التحالف الدولي، لم تحقق القوات الأمريكية للعراق الديمقراطية التي روجت لها، وإنما أسقطت البلاد في دوامة الصراعات الدينية والعرقية، وخلفت أكثر من 200 ألف قتيل مدني و4500 جندي أمريكي، وحتى استراتيجيتها لمكافحة الإرهاب اتسمت بالتخبط وسوء التقدير الذي اتضح في ترك جيش ضعيف لم يستطع الصمود أمام تمدد تنظيم داعش الذي سيطر على مساحات واسعة من البلاد بعد ثلاثة سنوات فقط من اكتمال الانسحاب الأول عام 2011.

وتذهب بعض التحليلات إلى اعتبار قرار بايدن نابع من رغبته في “تسييس الحرب مع الميليشيات الإيرانية”، بإنهاء أحد ذرائع هجماتها الإرهابية، وتقليل ثقل ورقة المقايضة العراقية، مع إدراك واشنطن أن طهران لن تتورع عن إشعال الساحة العراقية مهما كلفها من خسائر إذا لقنت ميليشياتها ضربات قاسية.

أما بالنسبة لرئيس الوزراء العراقي فإنه يسعى إلى تحييد جغرافية بلاده عن المواجهات الأمريكية-الإيرانية، وبعد نجاحه في إقناع الإدارة الأمريكية بتحقيق تقدم على مسار استعادة السيادة العراقية، يعتزم الكاظمي القيام بزيارة إلى طهران عقب تنصيب الرئيس الجديد إبراهيم رئيسي في محاولة لإقناعه بالتهدئة وانعكاساتها الإيجابية على ملفات الانتخابات المقبلة، ومفاوضات فيينا بشأن الاتفاق النووي، والحوار الإقليمي الذي تخوضه إيران مع المملكة العربية السعودية وتنسقه بغداد.

وعلى كل حال، فإن الانسحاب الرمزي الأمريكي لا يعني تخليًا من واشنطن عن العراق أو الشرق الأوسط، فستظل تحفظ على نفوذها في المنطقة بطريقة أخرى. ولما كانت واشنطن مسؤولة مسؤولية كبيرة عن حالة الفشل التي آلت إليها البلاد بعدما سلمتها إدارة جورج بوش الابن على طبق من فضة إلى إيران عقب غزو 2003، ثم كررت إدارة باراك أوباما الخطأ عندما اتفقت مع إيران على تعين نور المالكي رئيسًا للوزراء وقد لعبت حكومته دورًا في تسهيل انتشار داعش، لذلك فهي معنية بمجموعة من الأدوار لإعانة العراق على تخفيض أزماته الأمنية والاقتصادية والسياسية، وإقامة علاقات طبيعية مع إيران، واتخاذ موقف واضح من مشروعها التوسعي، ويُمكن تحقيق ذلك بالعودة إلى بنود اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة عام 2008، والعمل على كافة الأصعدة كما هو موضح تاليًا:

• على الصعيد الأمني، ستضطلع واشنطن بمهمة أمنية أساسية خلال المرحلة المقبلة جوهرها الدعم الاستخباراتي والمعلوماتي وتقديم صور الأقمار الصناعية وبيانات تجسس ورصد التحركات للقوات الأمنية العراقية، وربما تنفيذ ضربات جوية مركزة حال تمدد الخطر الإرهابي، مع استمرار عملها ضمن بعثة الناتو والشركات العاملة في المجالات الأمنية، بينما بصبح إعادة إعمار المناطق المحررة ضرورة لمنع عودة تنظيم داعش إليها. ويتوقع دور أكبر لقوات الناتو العاملة بالبلاد وهو موضوع زيارة الكاظمي لبروكسل التي سبقت واشنطن وبحثت زيادة عدد قواته إلى 4000 فردًا، وتنويع مهامها لتشمل مكافحة تنظيم داعش وتقديم التدريب والاستشارات العسكرية.

وتجدر الإشارة إلى أن واشنطن طورت نهجًا استباقيًا لمرحلة الانسحاب من العراق تبلورت أبرز ملامحه في إعادة تموضع قواتها بالمنطقة؛ فبعد أربع أشهر من توصل الأردن والولايات المتحدة إلى اتفاق دفاعي يسمح بدخول القوات والطائرات والمركبات الأمريكية إلى أراضي المملكة بحرية، نقلت واشنطن قواتها من قاعدة السيلية القطرية إلى الأردن، لتكون نقطة انطلاق أمامية لتقديم الدعم العسكري واللوجيستي والفني لنظيرتها المتمركزة في العراق أو للقوات العراقية، وتكون بعيدة عن دائرة الاستهداف المباشر للفصائل والميليشيات الإيرانية. 

• على الصعيد السياسي، يجب على واشنطن التأكيد صراحةَ على دعم الدولة الوطنية العراقية، واحترام التقاليد والأعراف المتفق عليها ضمنًا في العلاقات بين الأطراف الدولية ذات السيادة في تعاملاتها مع بغداد، وتشجيع سياسة الاندماج العراقي عربيًا سواء ما يتعلق بروابطها الثنائية مع الدول الخليجية، أو عبر “تحالف الشام الجديد” الذي تتضمن أهدافه الفكاك من ثنائية واشنطن-طهران إلى إقامة علاقات متوازية ومتوازنة تفضي إلى إضعاف قبضة إيران على السياسة العراقية ومنحه هوية ودورًا إقليميًا أوسع والتخلص من عقود الفوضى والسيولة الأمنية.

• على الصعيد الاقتصادي، يشهد العراق وضعًا اقتصاديًا مأزومًا، وبالتالي سيكون على واشنطن مساعدته لتحسين ظروفه الاقتصادية، ويبرز هنا ملفا الاستثمارات في قطاع الطاقة والمساعدة على توفير الكهرباء اللازمة للنهوض بالصناعة كمجالي تعاون واعدين، إلى جانب مجالات الطاقة النظيفة والصحة ومواجهة كورونا والتعليم الاستثمارات والمساعدات الاقتصادية وفقًا للاتفاقيات الثنائية وغيرها. كما يُمكن لواشنطن المساهمة في مكافحة الفساد بالكشف عن حجم المليارات المسروقة عبر رصدها وتتبعها كونها تكون بعملة الدولار، وهو ما سيساهم في تحسن الأوضاع المعيشية وتقليل فرص استقطاب الميليشيات للشباب وتجنيدهم.

ختامًا، وصل رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن محملًا بضغوط داخلية، أراد الحليف الأمريكي تخفيف وطأتها وإعطائه دفعة سياسية بانسحاب رمزي، لكن مثلما لم يسفر الحضور الأمريكي المباشر عن إطلاق عملية سياسية ديمقراطية ولم يطور سياسة أمنية فعالة، فإن غيابه لن يحدث انتكاسة خاصة مع اختلاف نمطه عن النموذج الأفغاني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى