إيران

انتفاضة “الأحواز” في إيران.. هل يشعل الشرر المتطاير “حريقا”؟

المنطقة التي يقطنها ” الأحواز” في إيران اليوم هي أرض اقتطعت من العراق عام 1925 عن طريق صفقة بريطانية- إيرانية مقابل تقليص النفوذ الروسي، كما أنه يشار لهذه المنطقة في كثير من الأدبيات بـ” عرب ستان” بينما يشار إلى سكانها بمسمى “العرب الأحواز” وما إطلاق مسمى ” خوزستان” على تلك المنطقة إلا محاولة لنزع صفة ” العروبة” عنها.

المنطقة التي تشهد اليوم احتجاجات واسعة امتدت إلى مدن إيرانية أخرى على خلفية ” شح المياه” سبق وأن حاولت الثورة على نظام ” الملالي ” إلا أن المحاولات المتكررة والتي كان أبرزها عام 1979 باءت بالفشل لأن النظام عمد على طول تلك الاحتجاجات إلى قمعها بالعنف حتى أن وسائل إعلامية أشارت إلى أن السلطات الإيرانية استقدمت خلال الاحتجاجات الحالية ما يقرب من 1500 من قوات الحشد الشعبي الموالية لها في العراق بهدف إسكات المتظاهرين.

C:\Users\owner\Desktop\فصول دكتوراه\1-1448359.jpg

للعنف أنواع

لا ينبغي بحال من الأحوال النظر للقمع الأمني الذي يطال ” العرب الأحواز ” في إيران باعتباره نمطا وحيدا للعنف يتعرض له سكان تلك المنطقة، لأنه لا يعد إلا الحلقة الأخيرة في سلسلة عنف طويلة بطول تاريخ المنطقة.

فمناطق الأقليات في إيران عانت طويلًا من سياسات اعتمدت ” التجاهل ” وإن كانت منطقة ” الأحواز” من أبرز تلك المناطق التي تتعرض لسياسات “تجاهلية” و ‘قمعية” ممنهجة تهدف أغلب الظن تهجير سكان المنطقة وتغيير الهوية العربية ولذلك ليس غريبًا أن يوصف ملف حقوق الإنسان في إيران بالأسوأ خصوصًا مع انتشار أوضاع تشمل التضييق على “السنة” وملاحقتهم أمنيًا في حالة واضحة من ” الصلف الفارسي” الذي استدعى مراقبة مستمرة وعن كثب لأوضاع حقوق الإنسان هناك من قبل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

خزان الماء الإيراني

على الرغم من أن المياه في منطقة “الأحواز” تمثل نصف المخرون المائي الإيراني إلا أن الإقليم عانى على مدى عقود “فقرا  مائيا شديدا ” نتيجة للممارسات النظام الإيراني التي تعتمد على مشاريع نقل المياه من المنطقة التي تقطنها الأغلبية العربية السنية إلى باقي المدن الإيرانية بهدف نهائي يتمثل في تهجير السكان العرب وتفريغ الإقليم من هويته.

C:\Users\owner\Desktop\فصول دكتوراه\1-1342781.jpg

ويحتوي الإقليم الواقع في جنوب غرب إيران أكثر من ثلثي إنتاج النفط الإيراني كما أنه منطقة غنية بالغاز الطبيعي. وعلى الرغم من ذلك فقد غابت عن المنطقة أي سياسات للتنمية على مدى عقود حيث يسجل الإقليم أعلى مستويات الفقر في إيران.

محاولات الفكاك

في عام 1946 تأسس ما عرف بـ” حزب السعادة” وانضمت العديد من الأحزاب المستقلة تحت مظلة ” الجبهة الوطنية لتحرير عرب ستان”، وهو ما واجهته السلطات الإيرانية بمجازر مؤرخة. 

وتلا ذلك محاولات أخرى للفكاك في خمسينيات القرن الماضي حيث سعى العرب إلى إنشاء دولتهم المستقلة ضد ما يرونه “احتلالًا إيرانيًا ”  لأن نهج المحتل أنه يسعى لاستنزاف خيرات المكان دون ترك أي أثر للتنمية وهو ما يحدث في إيران بالفعل في ظل الحرص على تعمير المدن التي تغلب عليها الأغلبية الفارسية مثل كرمان وأصفهان في وقت تنهب فيه خيرات خوزستان وتترك في حالة من الفقر ونقص مطالب المعيشة التي كانت محرجًا أساسيًا للاحتجاجات الحالية في ظل تفشي كورونا حيث أشار تقرير صادر عن معهد الولايات المتحدة للسلام إلى أن منطقة خوزستان من أكثر المناطق تضررًا من تفشي فيروس كورونا حيث أجبرت الموجة الثانية عدد من المدن في الإقليم على الإغلاق  في وقت سعت فيه السلطة إلى بناء السدود في المنطقة الغنية بالمياه لتحويل مجراها إلى المدن الصحراوية مثل أصفهان وهو ما أطلق شرارة التظاهرات التي اجتاحت عددًا من المدن الإيرانية في مرحلة انتقالية تمر بها البلاد تمهيدًا لتسليم السلطة لإبراهيم رئيسي المحسوب على المعسكر المتشدد في التعامل مع المعرضة السياسية ويندرج تحت هذا البند رغبة الرئيس الجديد في تخليص إيران من عقوباتها الاقتصادية الأمر الذي يتطلب تعاملًا يليق بمعايير حقوق الإنسان في أعين الإدارة الأمريكية في ظل توقعات باستمرار محادثات فيينا أغسطس المقبل.

C:\Users\owner\Desktop\فصول دكتوراه\c6cf370b-9433-43ab-a1a6-baef1437009b_16x9_1200x676.jpg

ولكن في الوقت الذي قالت فيه وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية أن الحكومة فتحت بوابات السدود في خوزستان لحل أزمة المياه إلا أن هذه الحلول تبقى مؤقتة لأن الأزمة هي عرقية ومذهبية بالأساس.

امتصاص للغضب

مع استمرار المظاهرات خرج روحاني الرئيس المنتهية ولايته بخطاب سياسي ناعم في محاولة لامتصاص الغضب إلا أن المحاولة لم تجد نفعًا بعد أن توعد قائد الشرطة الإيرانية المتظاهرين في أسلوب بدا بعيدًا عن تقدير المسؤولية.

ولكن إذا جمعنا بين القوات الغفيرة التي تم الدفع بها للمنطقة جنوب غرب إيران فضلًا عن توجه الحرس الثوري الإيراني للمنطقة مع خطاب روحاني المهادن يمكننا أن نعي بسهولة أن النظام الإيراني يستشعر الخطر ويدرك أن هناك مطالبات قديمة بالحكم الذاتي قد تتجدد بل أن الشرارة قد تمتد فتشعل حريقا في عموم البلاد وهو ما حدث جزئيًا حتى الآن حيث علت أصوات تنادي بإنهاء ولاية الفقيه .

سياسات مستمدة من الدستور

ينص الدستور الإيراني ضمن مواده وتحديدًا في المادة الثالثة على إعطاء الأولية للزراعة التي تستهلك القدر الأكبر من المياه في إيران وفي ظل جفاف الأراضي الرطبة ثارت عواصف ترابية أدت إلى تغير مناخ الإقليم وارتفاع درجات الحرارة فيه فضلًا عن تحويل مجرى المياه إلى المدن الصحراوية مما أدى إلى تراجع دور خوزستان كوجهة زراعية وأثر بالتبعية على وضعها الاقتصادي وأنتج موجة ضخمة من الهجرة وصلت إلى 240 ألف مهاجر في عام 2018.

C:\Users\owner\Desktop\فصول دكتوراه\DyGfLYWUcAA1DnN.jpg

ولكن على الرغم من الممارسات غير الإنسانية للنظام الإيراني في الأحواز يبدو أن المجتمع الدولي يهتم بشكل أكبر بمصير المفاوضات النووية في فيينا الأمر الذي يطرح قضية أخلاقية تتعلق بالتفاوض بشكل مباشر مع رئيسي وهو المتهم والمتورط بجرائم قتل ناشطين في فترات سابقة ومدرج على القوائم الأمريكية.

وتمثل التظاهرات في الأحواز خطورة كبيرة للنظام الإيراني ذلك أن المكون السني يمثل 10% من سكان إيران كما أن المذهب السني يتميز بتنوع قومي بين العرب الأحواز والتركمان الأمر الذي ينذر بإمكانية أن تنضم القوميات السنية الأخرى إلى الأحواز لمساندتها ضد الممارسات السلطوية لأن النظام الإيراني لا يفرق بين القوميات عندما يتعلق الامر باضطهاد السنة.

حيث يمارس النظام الإيراني أساليب مبتكرة في الاضطهاد والقمع لا تقتصر على تفريس الأسماء والتعليم وإنما امتدت لتشمل تغيير قيم القومية العربية ومذهبيتها وكان هذا واضحًا عندما شيع جثمان قاسم سليماني قائد الحرس الثوري الإيراني الذي اغتيل على أيدي الأمريكيين من الأحواز على الرغم من أن الرجل لا ينتمي من قريب أو بعيد للمنطقة كما أنه يعتنق مذهب مغاير ولكن مرة أخرى أراد النظام الإيراني في 

C:\Users\owner\Desktop\فصول دكتوراه\2020-01-05T084251Z_440436812_RC2K9E9E7HL2_RTRMADP_3_IRAQ-SECURITY-BLAST-SOLEIMANI-FUNERAL.jpeg

وقتها أن يثبت أنه صاحب الكلمة العليا في الإقليم الأحوازي عندما اعتمد على الأحواز الشيعة في تشييع جثمان سليماني. وعلى العموم لم يكن هذا فقط ما سعت إليه السلطة في إيران وإنما سارت على نهجها وكما استغلت الإقليم من الناحية المائية والاقتصادية أرادت استغلاله من الناحية العسكرية وتوظيف أبنائه من الشباب المقيمين في المقاطعات الريفية من المحافظة للانضمام لقوات ” الباسيج ” بعد تردي أوضاعهم الاقتصادية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى