دول المغرب العربي

“مدعوم النهضة أمس عدوهم اليوم”… أبرز مواقف الرئيس التونسي “قيس سعيد”

منذ أكثر من 21 شهرا هي فترة تولي الرئيس “قيس سعيد” حكم تونس، والعلاقة بين مؤسسات الحكم في صراعات مفتوحة وأزمات حكومية وسياسية مع ظروف صعبة لم تترك مساحة من الحرية للرئيس للتحرك في الملفات الإصلاحية الداخلية والخارجية التي طالما وعد بها، ورغم كل هذا يعد قيس سعيد رمانة الميزان ضد ضياع تونس والذي ظل يتصدى لمحاولات التوغل والسيطرة خاصة في ظل تواجد ترويكا ثلاثي “حركة النهضة، قلب تونس، ائتلاف الكرامة” الذي يريد التغول وسن قوانين على مقاسه ووضع نفوذه في مفاصل الدولة التونسية.

مما دعى الرئيس التونسي إلى آخذ قرارات مهمة لاستعادة هوية الدولة التونسية والقضاء على الفساد والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والصحية المتراكمة، واستهدفت هذه القرارات بالأساس حركة النهضة الإخوانية، حيث أعلن: تجميد أعمال مجلس النواب لمدة 30 يومًا، وإعفاء رئيس الوزراء هشام المشيشي من منصبه وتوليه بنفسه النيابة العمومية. 

خلفية الرئيس التونسي “قيس سعيد”

يعد قيس سعيد سابع رئيس لدولة تونس منذ إعلان الجمهورية التونسية في يوليو 1957، حيث فاز في انتخابات أكتوبر 2019 بأغلبية كاسحة وصلت لـ “72 %” في مواجهة منافسه نبيل القروي، وتولى رئاسة تونس رسميًّا في 23 أكتوبر 2019. 

وعن نشأته، فقد ولد سعيد في تونس العاصمة عام 1958، واتجه إلى دراسة القانون الدولي العام، حتى حصل على شهادته العليا من كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، واستكمل دراساته العليا في الأكاديمية الدولية للقانون الدستوري في تونس عام 1986، ثم استكمل دراساته في المعهد العالي للقانون الإنساني في سان ريمو، بإيطاليا عام 2001. 

وقد بدأ حياته المهنية كمدرس بكلية الحقوق والعلوم الاقتصادية والسياسية بسوسة سنة 1986 وأثناء عمله بالكلية شغل منصب مدير قسم القانون العام بين 1994 و1999، وانتقل في عام 1999 إلى التدريس في كلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس العاصمة.

وبخلاف الحياة الأكاديمية، شارك قيس سعيد بخطط مقرر اللجنتين الخاصتين لدى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية لإعداد مشروع تعديل ميثاق الجامعة ولإعداد مشروع النظام الأساسي لمحكمة العدل العربية عامي 1989 و1990، وخبير متعاون مع المعهد العربي لحقوق الإنسان من عام 1993 إلى 1995.

وشغل سعيد منصب كاتب عام ثم نائب رئيس الجمعية التونسية للقانون الدستوري في الفترة الممتدة من عام 1990 إلى عام 1995. كما أنه عضو بالمجلس العلمي ومجلس إدارة الأكاديمية الدولية للقانون الدستوري منذ عام 1997 وكذلك رئيس مركز تونس للقانون الدستوري من أجل الديمقراطية، وله عديد الأعمال العلمية في مجالات القانون والقانون الدستوري خاصة.

أما عن انتمائه الحزبي فقيس سعيد طوال حياته إلى الآن لا يتبع لأي حزب كما أنه خاض الانتخابات الرئاسية كمستقل. 

أبرز مواقف” قيس”

قبل توليه حكم البلاد: كان دائمًا ما يرفض سعيد أن يكون للتدخل الأجنبي “سواء ماديا أو سياسيا” دور في توجيه خيارات الشعب، وكان يرفض التدخل في أي من الصراعات الدائرة في المنطقة، سواء سوريا أو ليبيا، أو اليمن. كما كان يهاجم صراحة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، ويعتبر قضية فلسطين محورية بالنسبة لتونس ودول المنطقة كلها.

\\SERVER\Folder Redirection\nesren.elsharkawy\Desktop\توكل كرمان\_113588341_gettyimages-1168695535.jpg

منذ توليه حكم البلاد: كان له مواقف وطنية بارزة تسببت في زيادة الاحتقان والتعرض للنقد وحملات تشويه ممنهج من قبل حركة النهضة الإسلامية:

أولًا- مواقفه بالنسبة لمشكلات الدول العربية: بالنسبة لليبيا فعلى غير رغبة حركة النهضة الإخوانية ورئيس برلمانها راشد الغنوشي وأعوانهم انتقد قيس سعيد حكومة الوفاق الليبية وقال إن شرعيتها مؤقتة، ولا يعني أن لها شرعية أنها تستمر في الحكم، وأنه يجب إنتاج سلطة شرعية جديدة في ليبيا نابعة من إرادة الشعب، مشددًا على أن تونس ترفض بشكل قاطع أي مخطط يهدد أمن ووحدة التراب الليبي، ومعلنًا رفض تونس لتقسيم ليبيا، فدائمًا ما كانت مواقف قيس سعيد واضحة وصريحة بأنه لا حل في ليبيا إلا الحل السياسي المبني على التوافق الداخلي دون أي تدخل خارجي. كما أكدت الرئاسة التونسية أنها ترفض رفضًا قاطعًا التدخلات الأجنبية في الأزمة الليبية وأنها لن تسمح باستخدام أراضيها لأي إنزال تركي.

أما عن فلسطين فلطالما أكد سعيد على موقف تونس الثابت من الحق الفلسطيني الذي لن يسقط بالتقادم، وإدانتها لكل الممارسات الممنهجة والانتهاكات المتكررة لحرمة المسجد الأقصى وللسياسات التوسعية والمخططات الاستيطانية، واستعداد تونس للقيام بدورها الطبيعي والتاريخي في نصرة الشعب الفلسطيني، وشدد سعيد على أن تونس، العضو العربي بمجلس الأمن، ستقوم بواجبها في كافة المحافل الإقليمية والدولية في تنسيق كامل مع الأشقاء الفلسطينيين، حيث تم عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي بناءً على دعوة تونس بشأن الأوضاع الأخيرة في فلسطين من اعتداءات سلطات الاحتلال على الفلسطينيين. ودائمًا ما يؤكد الرئيس قيس سعيد موقفه من عدم التطبيع وأن تونس لن تقيم أبدًا علاقات دبلوماسية مع إسرائيل طالما لا يوجد حل يوفر عدالة دائمة للفلسطينيين

وعن موقفه من سوريا: فعلاقات تونس مع سوريا “لم تنقطع”، وفي إطار التحضير للقمة العربية التي عقدت في تونس 2019، أكدت الخارجية التونسية وجود مساعٍ حقيقية لإعادة سوريا إلى الجامعة العربية، ورفع التجميد عن عضويتها”. كما أعلن قيس سعيد أن “قضية إسقاط النظام في سوريا هي شأن سوري داخلي يجب ألا يتدخل به أحد”.

وبالنسبة لمصر: ففي أول زيارة للرئيس التونسي قيس سعيد لمصر أكد أن هناك تقاربا وتطابقا في الرؤى بين مصر وتونس، وتحدث عن موقفه إزاء مشكلة سد النهضة قائلًا “أكررها أمام العالم أجمع، نحن نبحث عن حلول عادلة، الأمن القومي المصري هو أمننا، وموقف مصر في أي محفل دولي سيكون موقفنا” مما يؤكد أن تونس ستكون ساندة وداعمة لمصر في أي موقف على أي مستوى من المستويات دوليًا وأفريقيًا، وإزاء ذلك دعمت تونس رؤية القاهرة والخرطوم بشأن سد النهضة باعتبارها الدولة العربية الوحيدة ذات العضوية غير الدائمة في الدورة الحالية لمجلس الأمن؛ حيث قامت بدعوة مجلس الأمن الدولي للانعقاد وقدمت مشروع قرار يدعو أديس أبابا إلى التوقف عن ملء خزان سد النهضة، وطالبت تونس مجلس الأمن بتفعيل دورة في أن يطلب من كل من “مصر وإثيوبيا والسودان استئناف مفاوضاتهم للوصول لاتفاقية ملزمة لملء السد وإدارته”.

ثانيًا- مواقفه بالنسبة للداخل التونسي وقضايا الفساد: فمنذ تولي قيس سعيد رئاسة البلاد وهو يعاني من تكتلات الفساد المستشري في البلاد حيث أصبحت ملفات الفساد الحدث البارز بشكل يومي في تونس ومن ملفات الفساد: قضية “القمح الفاسد” المستورد من الخارج والتي تم توقيف موظفين تابعين لوزارة الصحة بسبب عدم إجرائهما التحاليل الضرورية على شحنة القمح المستورد قبل نقلها خارج الميناء للاستهلاك، بالإضافة لأطراف أخرى وموظفون كبار في الدولة على علاقة بالقمح الفاسد، هذا بالإضافة لفساد حكومة إلياس الفخفاخ حيث ظهرت قضية فساد أخرى وهي “النفايات المنزلية الإيطالية” والتي احتوت على شحنة تضم أطنانًا من النفايات المنزلية القادمة من إيطاليا نحو ميناء سوسة بهدف التخلص منها بطريقة غير قانونية في إطار صفقة توريد فاسدة تحت غطاء النفايات القابلة للتدوير، وجدير بالذكر أن هذه القضية قد أطاحت بمستويات عليا في الدولة، فقد تم إعفاء وزير الشؤون المحلية والبيئة مصطفى العروي من مهامه، كما تم إيقاف 12 شخصًا من بينهم مدير الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات ومدير ديوان وزارة البيئة ومديرون في الوكالة الوطنية لحماية المحيط، ومسؤولون في الجمارك، وصاحب مخبر كيميائي خاص.

هذا إضافةً لتقرير دائرة المحاسبات حول نتائج مراقبة تمويل الحملات للانتخابات الرئاسية 2019، والتي بينت تجاوزات عديدة لمختلف المترشحين. 

\\SERVER\Folder Redirection\nesren.elsharkawy\Desktop\توكل كرمان\79-021347-ghannouchi-president-warning-tunisia_700x400.jpg

إلى جانب عمل حركة النهضة الوجه السياسي لتنظيم الإخوان في تونس على ضرب استقرار البلاد واستشراء فسادهم، وقد قيل إن فريقًا استخباراتيًا وأمنيًا يضم أيضا متخصصين ماليين يعمل بتوجيه من الرئيس التونسي قيس سعيد يعكف على إعداد ملفات فساد من الحجم الثقيل تتعلق بعشرات رجال الأعمال المتنفذين والسياسيين مرتبطين بجماعة الإخوان.

كما رفض سعيد قبول تعيين بعض الوزراء الذين تدور حولهم شبهات فساد في تشكيل الحكومة الأخيرة برئاسة هشام المشيشي. وأمس أعلن القضاء التونسي عن فتح تحقيق في تلقي الاخوان تمويلات سياسية، كما أنهى قيس سعيد مهام مسئولين في مناصب عليا بالحكومة، بالإضافة إلى أن القضاء التونسي فتح تحقيق مع 3 أحزاب بينهما حزب النهضة، هذا بالإضافة لتقرير صدر اليوم عن اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد بأن عدد الذين نهبوا أموال البلاد 460 فردًا. 

فلطالما كان يلمح قيس سعيد على ملاحقته لأيادي الفساد ودائمًا ما كان يؤكد في خطاباته لمواقفه السياسية ضد السلوك السياسي للإخوان وضد أذرعهم الفاشية؛ حيث قال “إن الدولة التونسية واحدة، ولها رئيس واحد في الداخل والخارج”، مؤكدًا على أن “أموال الشعب المنهوبة يجب أن تعود إلى الشعب التونسي، وأنه بصدد إعداد مشروع قانون لمكافحة الفساد واسترجاع الأموال المنهوبة”.

وكثيرا ما هدد بكشف الفاسدين قائلًا “هناك من يريد العيش في الفوضى.. فوضى الشارع وفوضى المفاهيم ولكن للدولة مؤسساتها وقوانينها.. الدولة ليست صفقات تبرم في الصباح وفي المساء”.

مواقف متضادة من دعم شديد لعداء أشد

قبل أن يصبح قيس سعيد رئيسًا: ومن تخوف حركة النهضة أن تفقد مكانتها في الحكم عندما فشل عبد الفتاح مورو مرشح حزب النهضة الإخواني في الجولة الانتخابية الأولى بسبب عجزه وحزبه الموجودين منذ 10 سنوات في مواقع صنع القرار وكانوا جزءًا من المشهد السياسي التونسي عن تقديم حلول عملية للأزمة الاقتصادية والاجتماعية والصحية، ومن تخوفهم أيضًا من أن تؤثر نتيجة الانتخابات الرئاسية على التشريعية فسارعت إلى إعلان تأييدها لقيس سعيد في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية بهدف تدعيم قاعدتها.

B:\Screenshot 2021-07-29 183208.png

فنجد أنه لطالما في تلك الفترة أكدت قيادات حركة النهضة على تأييدها للمرشح الرئاسي قيس سعيد، حيث قال عبد الفتاح مورو الذي يشغل منصب نائب رئيس حزب النهضة التونسية ومرشحها للانتخابات الرئاسية التي جرت في تونس 2019 إن التونسيين “انتخبوا رجل قانون بأيدٍ نظيفة غير مقيدة بأمتعة سياسية”؛ فلا عجب أن نجد حزب النهضة قد أيد قيس سعيد وأثنى عليه في حملة انتخابية موسعة حيث أنه وجد مصالحه في مساندة قيس سعيد، فمن ناحية ظن قيادات حزب النهضة أن أجندة قيس سعيد الاجتماعية المحافظة التي تعارض حقوق المثليين والمساواة في الميراث القانوني بين الرجال والنساء تتوافق مع أجندتهم الإخوانية، ومن ناحية آخرى سيساعد تأييدهم لقيس سعيد على إعادة تجميع صفوفهم وتأمين المركز الأول في الانتخابات البرلمانية وهو ما تم بالفعل بحصول حركة النهضة على الأكثرية في الانتخابات البرلمانية؛ وبهذا فلقد اعتبرت حركة النهضة قيس سعيد هبة من السماء نظرًا للدعم الواسع الذي حظى به سعيد من الإسلاميين وأيضًا من التونسيين الذين لا يعتنقون – بل ويعارضون – الأجندة الإسلامية.

كما أعربت شخصيات أخرى كثيرة سواء من جماعة الإخوان الإرهابية أو داعميها عن دعمها لقيس سعيد B:\Screenshot 2021-07-29 184455.png

وبعد أن أصبح قيس سعيد رئيسًا: ضاعت ظنون وأوهام حركة النهضة بأن قيس سعيد الذي ليس لديه خبرة سياسية أو انتماء حزبي، من السهل التأثير عليه وتحديد هويته وفقًا لمصالحهم وأجنداتهم الإخوانية، فقد اتضحت هوية الرئيس التونسي وعمل وفقًا لأجندة وطنية قائمة على نهضة الدولة التونسية، ومن هنا بدأ الصدام، وتمكنت حركة النهضة من الفساد والإفساد، وساعدهم على ذلك دستور الدولة التونسية الذي يمنح سلطات متوازنة بين البرلمان ورئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، الأمر الذي أدى بالرئيس سعيد لخوض مواجهات على جبهات إخوانية عديدة سواء مع البرلمان أو في ظل سوء الأداء الحكومي المسئول عن تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية خاصة في ظل جائحة كورونا، وزيادة معدلات التضخم والبطالة… الخ.

وقد توالت الخلافات أيضًا بدعوة حركة النهضة ورئيس برلمانها راشد الغنوشي لنظام حكم برلماني يكون فيه مجلس نواب الشعب هو مركز السلطة ومحورها وذلك لإدراك الغنوشي صعوبة أن يصل مرشح إسلامي لقصر قرطاج بسبب المزاج السياسي للشعب التونسي الرافض لهم.

ونظرًا لهيمنة حركة النهضة الإخوانية، شن الرئيس التونسي قيس سعيد هجومًا على تيار الإسلام السياسي خلال كلمة وجهها للشعب التونسي في شهر رمضان الماضي قائلًا: “إن الله توجه إلى المسلمين والمؤمنين وليس إلى الإسلاميين، والنبي إبراهيم كان مسلما ولم يكن إسلاميا، نحن مسلمون والحمد لله على نعمة الإسلام ولسنا إسلاميين”، موضحًا أن هناك مناورة كبرى يقصد منها تفريق المجتمع فالقضية لم تكن أبدأ إسلام أو غير إسلام.

إلى أن خرج الرئيس التونسي بقراراته الأخيرة، والتي على آثرها هاجمته حركة النهضة التونسية، وطلبت منه التراجع عن القرارات التي اتخذها حول تجميد البرلمان وإقالة الحكومة، كما دعت لمظاهرات واعتبرت ما شرع فيه قيس سعيد انقلابا دستوريا.

كما أن التنظيم الدولي لجماعة الإخوان كان قد أجرى مشاورات مكثفة لبحث سيناريوهات المواجهة مع الرئيس التونسي ومنع سقوط التنظيم في تونس.

وختامًا، فإن الأزمة الأخيرة الحادثة في تونس كما كشفت عن أهمية القرارات الوطنية التي اتخذها الرئيس قيس سعيد والتي لاقت ترحيب الشعب التونسي ووصفت بأنها قرارات انقاذ تونس، كشفت أيضًا حجم تناقضات مواقف حركة النهضة التي قدمت الدعم لقيس سعيد في انتخابات أكتوبر 2019  ظنا منها أنه بالإمكان السيطرة عليه ودفعه لدعم مسار واستراتيجية حركة النهضة لإضعاف مؤسسات الدولة التونسية للسيطرة عليها لاحقا، ولاحقا هاجمته ونصبته عدوا لها بعدما أصبح حجر عثرة أمام تنفيذ أهدافها 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى