دول المغرب العربي

” واشنطن لدراسات الشرق الأدنى” : أزمة تونس وخيارات ” الاستجابة الأمريكية”

عرض – داليا يسري

بينما تواجه الديموقراطيات العربية الهشة أخطر اختبار لها منذ قرابة عقد من الزمان، ينبغي على واشنطن معارضة أي مركزية غير دستورية للسلطة. كما ينبغي حث الرئيس التونسي قيس سعيد على توضيح خارطة الطريق الخاصة به لإنهاء المأزق، والنظر فيما يتم تقديمه من المساعدات الاقتصادية والطبية الإضافية لتونس. 

جاء ذلك في مستهل دراسة نشرها معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، بعنوان “الأزمة السياسية في تونس: خيارات الاستجابة الأمريكية“، لكاتبتها الدكتورة سارة فوير، الخبيرة في شؤون الدين والسياسة بشمال أفريقيا.

وسلطت الدراسة الضوء على تداعيات المظاهرات المناهضة للحكومة التي اندلعت في تونس. وما تلى ذلك من قرارات للرئيس التونسي بإقالة الحكومة وتعليق جلسات البرلمان لمدة ثلاثين يومًا، علاوة على تجريد أعضائه من الحصانات القانونية. 

وذكرت الكاتبة أن الجيش التونسي أغلق في اليوم التالي مدخل مقر مجلس النواب، وأن ذلك جاء ردًا على انضمام رئيس مجلس النواب ورئيس حزب النهضة الإسلامي، راشد الغنوشي، لزملائه المشرعين خارج المبنى أملاً في عقد جلسة برلمانية يعلنوا من خلالها رفضهم التام لكل تحركات الرئيس قيس السعيد. 

وترى الكاتبة، أنه يبدو أن قرارات الرئيس لا تُشكل رادعا حتى الآن! ذلك لأن التطورات الدراماتيكية الهشة التي جرت مؤخرًا في تونس قد وضعت البلاد برمتها تحت ضغط هائل. لذا تُرجح الكاتبة أن تُحدد الأيام المقبلة ما إذا كانت البلاد تتجه بالفعل نحو قفزة مؤقتة في تحولها الديموقراطي تقود بطبيعة الحال إما الى توطيد الرئيس لموقفه في السلطة أو أن تقود البلاد برمتها إلى العنف. 

وتستطرد الكاتبة أنه توجد هناك ثلاثة مسارات شهدتها الأزمة التونسية منذ بداياتها. بدأ المسار الأول منذ الإطاحة بالرئيس التونسي زين العابدين بن على في 2011. حيث أدت سلسلة من الهجمات الإرهابية التي وقعت في السنوات اللاحقة إلى تدمير صناعة السياحة، والتي كانت تُمثل نحو 10% من إجمالي الناتج المحلي للبلاد. 

في غضون ذلك، كان التراجع في الأداء الاقتصادي المستمر منذ عقود في تونس قد أدى الى تضخم في القطاع العام، وعندما اقترح المسؤولون أن يتم تقليص هذا التضخم، قوبلت هذه الاقتراحات برفض من قِبَل القطاع العام. 

وإلى جانب التضخم، ظلت معدلات البطالة في تزايد خاصة بين الشباب. كما تفاقمت الأوضاع بسبب تباطؤ الآفاق الاقتصادية في أوروبا، حيث تقوم تونس بتصريف نحو 70% من صادراتها. بالإضافة إلى تفشي وباء كوفيد مما ترتب عليه أن بلغ معدل البطالة الرسمي، بحلول عام 2020، 36% بين الشباب. ورأت الحكومة أنها ستحتاج إلى 6,9 مليار دولار في شكل قروض لمجرد تمويل العجز التوقع في 2021. واستجابة لهذه المشكلات المُتزايدة، اندلعت الاحتجاجات مرارًا وتكرارًا على مر السنوات، مما يعكس احباط واسع بين جموع الشعب التونسي من جراء الاقتصاد المتهالك وعجز الحكومة الواضح عن وقف النزيف. 

وبالنسبة للمسار الثاني، تقول الكاتبة إنها السياسة التي بدأت بالقتال السياسي المرير بين الإسلاميين والجماعات العلمانية في الفترة ما بين “2011/2013″، وتطلبت تسوية هذه الصراعات تنازلات صعبة تم تكريسها فيما بعد في دستور 2014، وهو الميثاق الدستوري الذي يعد بنسبة كبيرة الأكثر تقدمًا في العالم العربي من حيث الحريات الفردية وغيرها من الأسس الأساسية للديموقراطية. 

ومع ذلك، فقد منح هذا الدستور صلاحيات واسعة للهيئة التشريعية المُنتخبة، لكنه في الوقت نفسه احتفظ بمسؤوليات رئيسية للرئاسة، والتي كانت فيما سبق تمثل المؤسسة الحاكمة الوحيدة. ولقد نتج عن هذا النظام الهجين فيما بعد توترات شبه مستمرة بين الرؤساء ورؤساء الوزارات. 

وفي البداية، أجمعت جميع القوى السياسية التونسية على ضرورة الحفاظ على السلام الاجتماعي وتسهيل عملية الانتقال السياسي بعيدًا عن الاستبداد. لكن ما حدث خلال السنوات الأخيرة، هو تراجع لحالة الاجمال مما جعل الأحزاب السياسية ضعيفة وهشة للغاية وغير قادرة على اتخاذ أي قرارات سياسية جريئة. حتى حزب النهضة، باعتباره أقوى الأحزاب السياسية في تونس، شهد اضطرابات داخلية في الآونة الأخيرة، واتهم بعض أعضائه الغنوشي برفض التنازل عن القيادة لشخصية سياسية جديدة وتجاوزه حدوده بإعلانه الترشح لمنصب رئاسة البرلمان. 

ولقد أدى كل هذا التدهور إلى نتائج مثيرة للقلق وخيبة أمل عامة من الأحزاب السياسية، وتصاعد حدة المواجهة بين سعيد والمشيشي. وبناء عليه، تمنح المادة 80 من الدستور التونسي السلطة في تنفيذ إجراءات استثنائية في حالة وجود تهديدات أمنية وشيكة أو مخاطر تُعيق العمل الطبيعي للدولة. 

وردًا على سؤال، حول كيف من الممكن لواشنطن أن تستجيب، تقول الكاتبة أنه إلى جانب الرمزية المأساوية لانهيار الديمقراطية المنفردة في المنطقة، فإن عدم الاستقرار الشديد في تونس سيكون بمثابة نعمة لبعض الأطراف في ليبيا والجزائر وأماكن أخرى ممن يتوقون للسيطرة على البلاد، وبالتالي يعرضون حلفاء الولايات المتحدة للخطر، ليس فقط الشعب التونسي ولكن أيضًا شركاء آخرين عبر البحر الأبيض المتوسط ​​في أوروبا. لذلك فإن لدى واشنطن مصلحة قوية في مساعدة البلاد على استقرار تجربتها الديمقراطية. 

ومن ناحية أخرى، كانت إدارة بايدن جنبًا الى جنب الكونجرس، أصدرا عددًا من البيانات تحث المسؤولين التونسيين على احترام الدستور ودعم المكاسب الديموقراطية للأمة. لكن ينبغي على بايدن الآن الضغط على الرئيس سعيد لتوضيح خارطة الطريق الخاصة به لإنهاء الأزمة بسرعة، وتعيين حكومة جديدة سوف يكون خطوة أولى في هذا السياق.

وبالنظر إلى الظروف الاقتصادية والصحية الأساسية التي تغذي الأزمة، ترى الكاتبة أنه ينبغي على واشنطن أيضًا النظر في اتخاذ التدابير التي تهدف إلى تعزيز مرونة تونس في هذه القطاعات. ومن الجدير بالذكر، أن رئيس الوزراء التونسي كان قبيل اقالته منخرطًا في مفاوضات خاصة بحزمة قروض بقيمة 4 مليارات دولار مع صندوق النقد الدولي. وكانت تونس تنظر بعين الأهمية البالغة لهذه القروض بكل ما يرتبط بها من إصلاحات، لأنها ستضمن عدم معاناة الدولة من تخفيضات التنصيف الائتماني مرة أخرى. وبناءً على ذلك، ينبغي على واشنطن أن تُسهل عملية تسليم القروض وفي الوقت نفسه تشرح للسعيد أن توضح أن صرف هذه الأموال سوف يعتمد على طريقته في صرف الأموال وخارطة الطريق الديموقراطية التي سوف يوضحها. 

وأشارت الكاتبة إلى المساعدات الطبية التي كانت واشنطن بالفعل قد قدمتها لتونس، والتي تتمثل مساعدات فيروس كوفيد بقيمة 36 مليون دولار منذ مارس 2020، إلى جانب 500000 جرعة لقاح وأكثر من مليون لتر أكسجين. 

ومع ذلك ينبغي على إدارة بايدن أن تستمر في استكشاف المزيد من الطرق التي تؤهلها لإرسال المساعدات الطبية الإضافية للدول المُحاصرة. وفي غضون كل هذه الجهود ينبغي أن تعمل واشنطن على تنسيق الجهود مع الحلفاء الأوروبيين الذين يتشاركون مصالح قوية مع رؤية التجربة الديموقراطية التونسية تنجح. 

داليا يسري

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى