دول المغرب العربي

القطاع السياحي في تونس.. أزمات متعاقبة رغم الإمكانات الكبيرة

تواجه السياحة التونسية منذ بداية العام الماضي 2020، أزمة غير مسبوقة في تاريخها، حيث أدى انتشار جائحة كورونا على مستوى العالم إلى خسارة القطاع السياحي التونسي لأكثر من 78% من جملة السائحين الدوليين، وهو ما أدى بدوره إلى حرمان البلاد من عوائد مالية فاقت في قيمتها 1.36 مليار دولار، ليتسبب ذلك في تراجع الناتج الإجمالي للدولة التونسية بما نسبته 3.5 %.

تداعيات الأزمة استمرت خلال العام الحالي 2021، غير أن عددا من التوقعات المتفائلة ظهرت خلال الربع الأول من العام لُتبشر باحتمالية تعافي القطاع السياحي خلال النصف الثاني من العام الجاري، كما أن تلك التوقعات المتفائلة ابتعدت بنظرتها لترى أن السياحة التونسية ستشهد استقراراً كاملاً بحلول العام المقبل 2022.

لكن تلك التوقعات سرعان ما سقطت مع توسع انتشار الفيروس في الداخل التونسي، حيث أدى تصاعد منحنى الإصابات المسجلة رسميا خلال الفترة من ابريل إلى يوليو 2021 إلى تحذير عدد من الدول المصدرة للسائحين مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والتشيك رعاياها من السفر إلى تونس، كما أدت عمليات إغلاق الحدود البرية إلى عجز السائحين الليبيين والجزائريين عن الوصول إلى الأرضي التونسية.

فيما فضل العشرات من “المتعهدين السياحين” حول العالم عدم طرح عروض العطلات بتونس على عملائهم ضمانا لسلامتهم، كما أن التوترات السياسية والأمنية المتزايدة والتي اشتدت تداعياتها خلال أواخر شهر يوليو الحالي، كانت سبباً مضافاً في إحجام السائحين الدوليين عن الذهاب إلى تونس.

أهمية القطاع السياحي لتونس

استطاعت تونس خلال السنوات الماضية أن تعزز مكانتها في صدارة الوجهات السياحية على مستوى القارة الافريقية، حيث تمكن القطاع السياحي التونسي خلال الفترة 2015 – 2019 وحدها من زيادة أعداد السائحين الدوليين الوافدين بنسبة 43%, ليصل العدد في هذا العام الأخير إلى 9.42 مليون سائح – أنظر الشكل التالي رقم 1 -.

* المصدر: تقارير منظمة السياحة العالمية World tourism barometer report للأعوام 2019, 2014, 2012م.

هذا ما دفع إلى زيادة اعتماد الدولة التونسية على السياحة كمصدر من مصادر الدخل للعملة الأجنبي، حيث استطاع القطاع خلال 2019 من تحقيق ايرادات فاقت ملياري دولار – انظر الشكل التالي رقم 2-, وهو ما أدى بدوره لتموضع قطاع السياحة على رأس قطاع الخدمات التونسي، فضلاً عن اعتباره عمودا أساسيا من أعمدة اقتصاد البلاد، حيث تشارك الأنشطة السياحية وحدها بما نسبته 5.4% من جملة الناتج المحلي لتونس.

* المصدر: تقارير منظمة السياحة العالمية World tourism barometer report للأعوام 2019, 2014, 2012م.

ونظرا لدوره الكبير في تطوير الاقتصاد التونسي، واهتمام أجهزة الدولة ومستثمرين القطاع الخاص على حد سواء بتطويره، لاعتباره من أسرع القطاعات القادرة على جلب الدخل الأجنبي، جرى تعزيز المجال بمئات الآلاف من الأيدي العاملة.

 لذلك قدرت بعض الدراسات أن عدد العمال في قطاع السياحة في تونس يفوق 430,000 موظف، لتساهم السياحة بذلك في تشغيل قرابة 11% من جملة الأيدي العاملة في عموم البلاد، وهو ما يساعد في توفير الدخل لقرابة 1.2 مليون مواطن من العاملين السياحين وأسرهم.

كما أن تعداد العمال في القطاع يشهد ازديادا خلال المواسم السياحية، نظرا للاحتياج القطاع للأيدي العاملة الموسمية، فضلاً عن الاستفادة غير المباشرة لمئات الاف الأخرى من المواطنين، وهم من العاملين في قطاعات اقتصادية متنوعة كالنقل والتجارة والحرف التقليدية والصناعة والزراعة.

إمكانات كبيرة

تتميز تونس بالعديد من المقومات الطبيعية والتاريخية التي تؤهلها لكي تكون وجهة سياحية عالمية مميزة، فالدولة التونسية تتوسط في موقعها الجغرافي عددا من الدول المهمة على المستويين الافريقي والأوروبي.

وتحدها من الشرق والغرب ؛ دولتا ليبيا والجزائر، فيما تحدها من الشمال عدد من دول جنوب حوض المتوسط الأوروبية كفرنسا وإيطاليا ومالطا – انظر الخريطة رقم 3-. كما تمتلك تونس واجهة بحرية على المتوسط تفوق في طولها 1.145كم.

فيما يتميز المناخ العام للدولة التونسية بالاعتدال طوال العام، وتتصف الجغرافيا الطبيعية للأرض التونسية بالتنوع الكبير، حيث تنتشر في الشمال والوسط القمم الجبيلية والسهول الخصبة القابلة للزراعة، فيما تنتشر المناطق الصحراوية بالجنوب التونسي.

خريطة رقم 3: موقع تونس بحوض البحر المتوسط

        * المصدر: Encyclopedia Britannica

المناخ والطبيعة المتنوعة لتونس كانا سببين رئيسيين في خلق التنوع السياحي داخل حدود الدولة، حيث تنتشر في مناطق الشمال والشرق العديد من المدن والمنتجعات الشاطئية، مثل مدن منتسير ونابل والحمامات وسوسة وجزيرة جربة والمهدية.

 فيما نتشر المقاصد الاثرية والثقافية على طول البلاد وعرضها بداية من تونس العاصمة، والتي تضم عددا من المقاصد التراثية بداخلها مثل مدينة قرطاج الاثرية ومدينة سيدي بوسعيد التراثية ومنطقة حلق الوادي وحي المرسى وحي باردو. مرورا بمدينة القيروان الاسلامية والتي تشتهر بجامعها العتيق، ومدينة الجم التي تعرف بمسرحها الروماني الضخم، وصولا لمدن بنزرت وطبرقة الوقعتين في شمال البلاد، ونظرا لوجود هذا العدد الكبير من المواقع التراثية، فلقد تمكنت تونس من تسجيل 8 مواقع على قائمة التراث العالمي 7 منها مواقع ومدن اثرية – انظر الجدول التالي رقم 4 -.

إلى جانب المواقع الاثرية والتراثية، تنتشر على مستوى مدن تونس العشرات من المتاحف الاثرية والفنية، والتي من أبرزها متحف باردو في العاصمة، ومتحف سوسة الاثري، ومتحف درا الشرايت التاريخي، كما تنتشر في الوسط والجنوب التونسي العديد من المقاصد التي تهتم بالأنشطة البيئية والسياحة العلاجية مثل مدن تطاوين وتوزر ودوز. 

جدول رقم 4: المواقع التونسية المسجلة على قائمة التراث العالمي

*المصدر: الموقع الرسمي لمنظمة اليونيسكو التابعة للأمم المتحدة

وتعتبر البينة التحتية التي تمتلكها تونس عامل قوة للنشاط السياحي، حيث تمتلك البلاد وفق إحصاءات منظمة الايكاو ICAO 9 مطارات مدنية منتشرة على كافة المدن الرئيسية، وتخدم تلك المطارات كافة شركات النقل الجوي التونسية المقدر عددها بسبع شركات والتي تعمل على الخطوط الجوية والمحلية، كما تخدم المطارات التونسية  أيضا كافة الخطوط الدولية الوافدة إلى البلاد خاصة القائمة منها بنقل السائحين من خلال رحلات ” الشارتر”.

 كما تمتلك البلاد مجموعة من الموانئ البحرية القادرة على استضافة السفن السياحية مثل  قابس،  سفاقس ؛ وسوسة، بالإضافة إلى ذلك تربط أنحاء البلاد شبكة من الطرق البرية، والتي تقدر أطوالها وفق إحصاءات وكالة المخابرات المركزية الامريكية بأكثر من 20,000كم.

 فيما يترابط النصف الشمالي من الدولة من خلال شبكة خطوط حديدية تفوق في أطوالها 2,170كم. وأخيرا تسمح تونس لمواطني أكثر من 70 دولة حول العالم الدخول إلى اراضيها بدون تأشيرة، ومعظم تلك الدول من غرب أوروبا وامريكا الشمالية بالإضافة إلى عدد من دول الخليج العربي، وهو ما يشجع حركة السياحة الوافدة إلى البلاد. 

أزمات متعاقبة 

تعرضت السياحة التونسية خلال العقد الماضي لمجموعة من الانتكاسات، والتي كان لها إثر عميق على أداء القطاع السياحي، الذي يتميز باستراتيجيته من الناحية الاقتصادية، فقبل أن ينتهي عام 2010م بأيام معدودة تعرضت تونس لموجة اضطرابات سياسية غير متوقعة، وهو ما عرف فيما بعد باسم ثورة الياسمين، تلك الاضطرابات كانت سببا في هبوط حركة السياحة بما نسبته 40%

لتخسر البلاد بسبب ذلك ما يقارب على 840 مليون دولار من عائداتها السنوية – انظر الشكلين السابقين رقمي 1 و2 -. لكن القائمين على المجال السياحي في تونس بدأوا  تنفيذ محاولات جادة من أجل انقاذ الوضع المتردي للقطاع على مدار الثلاث سنوات التالية 2012 و2013 و2015, وذلك رغما عن حالة الهشاشة الامنية التي عانت منها الدولة، ورغم استمرار وتوالي الهجمات الإرهابية خلال تلك السنوات. 

الا ان الحادثين الإرهابيين اللذين وقعا في تونس عام 2015م، والذي وقع أولهما داخل متحف باردو في 18 مارس وأسفر عن مقتل 22 شخصا وجرح 45 اخرين، فيما وقع الحادث الثاني بأحد المنتجعات السياحية بمدينة تونس والذي أدى إلى مقتل 38 سائح وجرح 39 اخرين، كانا  سببين في حدوث انتكاسة كبيرة للسياحة التونسية، حيث فقد القطاع في هذا العام وحده ما يفوق المليون سائح وهو ما أدى إلى تراجع العائدات السياحية بقرابة مليار دولار بالمقارنة عن العام السابق عليه.

القطاع السياحي التونسي لم يستسلم لأزمات عام 2015 ؛  حيث أخذ خلال السنوات التالية من 2016 إلى 2019 في تسجيل تصاعدات غير مسبوقة، حيث سجلت التقارير الرسمية ارتفاع اعداد السائحين بما متوسطة 17% على أساس سنوي، 

كما أن الإيرادات المالية شهدت تصاعدا بما متوسطة 21% خلال ذات الفترة، ولقد كان متوقعا خلال 2020 أن يصل عدد السائحين الدوليين الوافدين إلى البلاد لأكثر من 11 مليون سائح.

الا أن جائحة كورونا غير المتوقعة، والتي طالت العالم كله حالت دون ذلك، حيث انحسرت الحركة السياحية بشكل سريع جدا، لتصل في أحد المراحل إلى ما يشبه الاغلاق التام، لكن الآمال عادت مع بداية 2021 حينما جرى التوقع بقرب عودة السياحة، لكن الوضع شهد مزيدا من التأزم مع إصابة تونس بموجة عاتية من الفيروس – انظر الشك التالي رقم 5 – لتواجه البلاد بسبب تلك الموجة ركودا شبه تام.

* المصدر: منظمة الصحة العالمية WHO

الأزمة السياحية الأخيرة أدت ؛  وفق تصريحات بعض المسؤولين التونسيين ؛ إلى إغلاق  ما يزيد عن 90% من الفنادق, فيما تعاني القلة القليلة الباقية من المنشآت الفندقية من ضعف الطلب وهو ما يهددها هي الأخرى بالإغلاق الوشيك.

 كما أن الأزمة الأخيرة أدت إلى اضطرت بالمؤسسات العاملة في القطاع السياحي إلى تسريح ما يزيد عن 45% من قوتها العاملة وذلك لانعدام موارد الدخل, وهو ما سيؤدي وفق رأي المتخصصين إلى وقوع العاملين السياحيين وأسرهم في براثن الفقر, خاصة وأن دعم الدولة للعمالة السياحية محدود جداً بسبب انحسار الموارد العامة في تونس, كما أن الأزمة ستطال كافة الصناعات التي تُغذي القطاع السياحي, وهو ما سيؤدي  بدوره لانحسار موارد العاملين بتلك القطاعات, مما سيصعد أزمة البلاد الاقتصادية الجارية في الوقت الحالي. 

ختاماً

يمكننا القول إن أزمة القطاع السياحي التونسي ستمتد بفعل انتشار وباء كوفيد-19 وبفعل التوترات السياسية الحالية التي تشهدها البلاد إلى فترة من الزمان لا تقل عن عام، وهو ما يؤشر على أن النشاط السياحي لن يعود إلى كامل قوته في تونس قبل الموسم الصيفي من 2022، وقد تواجه عودة السياحة التونسية مزيدامن التأخر، حال وقوع عدد آخر من الاضطرابات السياسية والأمنية والصحية. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى