أفريقيا

“الجرائم الإنسانية” بإقليم “تيجراي”.. القصة كاملة

تمر قرابة الثلاث سنوات، على تعيين رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد”، والذي بدأ فترة حكمه بوعود بتحقيق التنمية والاستقرار وتجميع شتات الدولة بمختلف أعراقها تحت راية إثيوبيا. إلا أن حقيقة الأوضاع التي يتابعها العالم، داخل إثيوبيا عكس ذلك تمامًا، والتي تشهد الآن حربًا أهلية، فكانت البداية مع إقليم “التيجراي” والذي طحنت الحرب سكانه الذين ارتكبت بحقهم أبشع الجرائم الإنسانية، والاستعانة بجيش دولة أخرى للانتقام من معارضة أبناء “عرقية التيجراي” الإثيوبيين. وبدأت دائرة الحرب تتسع يومًا بعد الأخر، وباتت الاشتباكات تضرب إقليما تلو الأخر.

لكن قبل الحديث عن طبيعة الأوضاع الحالية بإقليم التيجراي، والجرائم التي ارتكبت بحق سكانه من “تجويع” و”اغتصاب جماعي”، وحرمان من المرافق والخدمات والغذاء والعلاج في ظل انتشار جائحة كورونا. دعونا نتعرف على طبيعة التقسيم الإداري بإثيوبيا، وموقع إقليم التيجراي منها.

إقليم التيجراي

فبإلقاء نظرة سريعة على تقسيم الداخل الإثيوبي، وتكوينه العرقي. تنقسم إثيوبيا إلى عشر مناطق إدارية، وأكثر من 80 مجموعة عرقية مختلفة وفقًا لنظام “فيدرالي إثني”، وهي ثالث أكبر مجموعة عرقية في البلاد بعد “الأورومو” و”الأمهرا”، ويقع إقليم التيجراي وعاصمته “ميكيلي” عند أقصى شمال إثيوبيا، على مسافة أكثر من 600 كم من العاصمة الفيدرالية أديس أبابا. وتحدّه من الشمال إريتريا، والتي تضم بين سكانها أيضا إثنية التيجراي.

ويقطن بالإقليم، أقلية التيجراي والتي تبلغ حوالي 6 ملايين نسمة، وهي أقل من 6% من إجمالي عدد السكان الإثيوبيين. ويحمل الإقليم مكانة خاصة لدى //المسيحيين الأرثوذكس//، إذ يضم مدينة إكسوم – المصنفة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي – والتي تحتوي كنيستها على تابوت “العهد”.

ويستند إقليم “التيجراي” إلى جبهة تحرير شعب التيجراي، والتي تضم حوالي 200 ألف عنصر من القوات شبه العسكرية والمسلحين، وكان للجبهة نفوذ داخل الجهاز الأمني والعسكري الفيدرالي، إلا أن الأمر تغير مع تولي أبي أحمد لرئاسة وزراء إثيوبيا – الحاكم الفعلي- والذي وعد في بداية حكمه بالسعي نحو توحيد ومعالجة كافة الانقسامات، إلا إنه عمد إلى الاستبعاد التدريجي لقادة الجبهة من مناصب المسئولية في “أديس أبابا” والحد من نفوذهم السياسي، فانتقلوا إلى المعارضة. وكان الحدث الأبرز في هذا السياق اجراء آبي أحمد لأول تغيير لرئيس الأركان ومدير جهاز الأمن والمخابرات الوطنية، في 7يونيو 2020، في تعديلات هي الأولى من نوعها منذ 17 عاما، خاصة وأن هذه المناصب كانت من نصيب قومية التيجراي منذ وصول جبهة شعوب إثيوبيا إلى الحكم عام 1991.

سلسلة من الضغط الحكومي

يمكن القول إن شرارة الغضب بإقليم التجراي بدأت مع عقد السلام مع إريتريا، وذلك نظرًا للتوترات القائمة منذ فترة طويلة بين جبهة تحرير التيجراي والحكومة الاريترية نتيجة لنزاع على منطقة حدودية.

فالخلافات والحروب عميقة بين التيجراي وبين نظام الجبهة الشعبية الحاكمة في إريتريا بقيادة أفورقي، في حين أعلن آبي أحمد موافقته على تسليم إريتريا المنطقة المتنازع عليها في مثلث (بادمي)، تنفيذا لحكم محكمة العدل الدولية الصادر عام 2002 واتفاقية صلح وقعت في العام ذاته بين الدولتين في الجزائر.

ثم وعد آبي أحمد بإجراء انتخابات ديمقراطية في يونيو 2020 لكنه أجلها بسبب فيروس كورونا، على أن يتم تمديد ولايته، الأمر الذي قابلته جبهة تحرير تيجراي بالرفض باعتباره أمرا غير دستوري، وأعلنت رئيسة البرلمان ثريا إبراهيم المنتمية للتيجراي استقالتها من منصبها تبعها عدة استقالات أخرى، وأعلنت القومية عدم اعترافها بآبي أحمد، وإجراء انتخابات إقليمية منفصلة عن باقي الأقاليم الإثيوبية في التاسع من شهر سبتمبر الماضي، مستندة إلى ما تقول إنها خطوة “يكفلها لها الدستور”، وفازت بها، كما اختار برلمان إقليم تجراي، دبري صيون، رئيسا لحكومته.

وتعتبر “جبهة تحرير تجراي” هي عرابة الائتلاف السابق “الجبهة الديمقراطية الثورية”، وقادت المشهد السياسي في إثيوبيا من 1991 إلى 2018، قبل أن تغادره بوصول آبي أحمد لرئاسة الوزراء في أبريل 2018. وتطور الخلاف بين آبي أحمد والجبهة بعد رفض الجبهة الانضمام إلى حزب الازدهار الذي شكله رئيس الوزراء الحالي مؤخرا، كائتلاف جديد بديلا للائتلاف السابق المسمى بـ”الجبهة الديمقراطية الثورية”.

وألغت الحكومة الفيدرالية هذه الانتخابات بذريعة أنها تخرق الإجراءات الاحترازية الخاصة بجائحة كورونا، كما رفضها رئيس الوزراء وأكد أن هذه الانتخابات باطلة، وكان رد فعل السلطات المركزية هو قطع التمويل عن المنطقة في أكتوبر؛ حيث صوت النواب الاثيوبيين على قطع التمويل عن منطقة التيجراي، ومنع التعامل معها باعتبارها حكومة غير شرعية، الأمر الذي أثار حفيظة زعماء تيجراي، واعتبره الإقليم إعلانا للحرب عليه، وفي الأسبوع الأخير من أكتوبر 2020 طالب إقليم تيجراي المجتمع الدولي بالتدخل في الأزمة، خاصة بعد إعلانه تعرضه لتهديد عسكري من الحكومة المركزية باعتبار أن قومية التيجراي مجموعة متمردة.

ثم زُعم أن الجبهة الشعبية لتحرير التيجراي هاجمت قاعدة عسكرية إثيوبية، الأمر الذي رد عليه آبي أحمد بالانتقام، وأمر بشن هجوم عسكري على تيجراي. مستعينًا بجارته إريتريا في حربه على إقليم التيجراي. وتحولت العلاقة بين الحكومة الاثيوبية وإقليم تجراي من حالة الخلاف السياسي بين أديس أبابا وتجراي لأكثر من عامين إلى المواجهة العسكرية المباشرة.

وأشار تقرير لموقع العين الإخبارية إلى أن بوادر المواجهة العسكرية كانت في 2 سبتمبر 2020، عندما اتهمت حكومة إقليم أوروميا، جبهة تجراي الحاكمة، بمساعدة جماعة ” أونق شني ” المسلحة المنشقة عن جبهة تحرير الأورومو ، في أعمال القتل التي شهدتها منطقة وللغا، غرب أوروميا، وراح ضحيتها 32 شخصا وجرح العشرات فضلاً عن حرق منازل. فيما اعترف الأشخاص الذين تم اعتقالهم بعد الهجوم، بأنهم كانوا يتلقون تدريبات برعاية جبهة تحرير تيجراي من خلال السفر باستمرار إلى الإقليم الواقع بشمال إثيوبيا.

وأثارت الاشتباكات الدائرة بإثيوبيا قلق المجتمع الدولي، ففي نهاية نوفمبر من العام الماضي، عقد مجلس الأمن الدولي أول اجتماع له بشأن المعارك الدائرة في منطقة تيجراي، لكنه لم يتمكّن من الاتفاق على بيان مشترك بشأن النزاع، الأمر الذي وصفته اثيوبيا بأنه “تدخلا” في شئونها الداخلية. ورفض رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد الإجماع الدولي المتنامي على الدعوة للحوار ووقف القتال الدامي في منطقة تيجراي، قائلا إن “بلاده ستتعامل مع الصراع بمفردها بعد نفاد مهلة 72 ساعة للاستسلام”.

واندلعت الحرب التي استمرت قرابة ثمانية أشهر، عقب اعلان رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، مهلة 72 ساعة لمقاتلي إقليم تيجراي للاستسلام، انتهت في 25 نوفمبر 2020، وبعدها أعلن للجيش الفيدرالي الاثيوبي الحق في الاشتباك مع معارضي إقليم التيجراي الاثيوبي، غير عابئ بتكلفة الحرب الإنسانية وخطورة خلق حرب أهلية بين مواطني الدولة الواحدة، باختلاف انتمائهم السياسية والعرقية،

هذا فضلا عن التكلفة المادية للحرب والتي كبدت ميزانية إثيوبيا أكثر من 100 مليار “بر” إثيوبي في الحرب بإقليم التيجراي، وهو ما يعادل ثمانية أضعاف ميزانية إقليم تجراي نفسه لكنه لم يسهم في تغير الأوضاع، وفقًا لتصريحات رضوان حسين وزير الدولة للشئون الخارجية الإثيوبية نهاية يونيو الماضي، في حين كان يمكن استهلاك هذه الموارد في البناء والتنمية – التي تتشدق بها إثيوبيا في كافة المحافل الدولية في دفاعها عن أحقيتها في بناء سد النهضة- بدلا من الصراع والحرب الاهلية.

حتى أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، وفي الـ 30 من يونيو 2021 في كلمة بثها التليفزيون الإثيوبي الرسمي، انسحاب الجيش من تيجراي، لأنه لم يعد أحد يرغب في وجوده هناك. وأردف قائلا: «عندما يصبح الجيش يقتل على يد شعب تيجراي فلا داعي لبقائه وإذا أبقينا الجيش على هذه الحالة، فقد يقوم الجيش بعمل غير مرغوب فيه دفاعا عن نفسه». مضيفا: «نحن غير مسؤولين بعد اليوم عما يحدث في تجراي».

جرائم ضد الإنسانية

حرب إثيوبيا على إقليم التيجراي شابها العديد من الاتهامات بارتكاب مذابح وفظائع مؤلمة ترقى لحد وصفها بأنها أزمة إنسانية، وجرائم حرب، دون تورع من انتشار جائحة كورونا المستجدة بأرجاء البلاد، ومن أبرز الاتهامات المقدمة في هذا الصدد استخدام الاغتصاب كسلاح حرب، هذا إلى جانب مداهمة البنوك والمكاتب الإعلامية ومكاتب الوكالات الإنسانية بالمخالفة للقانون الإنساني الدولي.

كانت البداية الحقيقية لإرهاصات وقوع جرائم حرب بإقليم التيجراي مع تقرير لمنظمة العفو الدولية، وصفت فيه الوضع هناك بأنه “مذبحة” راح ضحيته العشرات، فيما قالت الأمم المتحدة إنه ربما يكون هناك جرائم حرب تمت بإقليم تيجراي. وذلك في أعقاب العثور على عشرات الجثث لأشخاص مدنيين بجنوب قرية “حيمورا” والمقتلون بآلات حادة.

فقبل تقرير منظمة العفو الدولية بأسبوع أصدر آبي أحمد أوامره للقوات المسلحة الفيدرالية، بالاشتباك مع قوات تحرير التيجراي في 4 نوفمبر، عندما قال إن معسكرات تابعة للجيش تعرضت لهجوم. فيما ألقى الجيش الفيدرالي اللوم قوات التيجراي في إحداث هذه المذبحة. وأسفرت هذه المذبحة عن نزوح الألاف حينها نحو السودان للفرار من القتال. والتي وصفها وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن الأعمال بأنها تطهير عرقي. ورفضت إثيوبيا ادعاء بلينكن، ورفضت دعوة أمريكية بوقف إطلاق النار من جانب واحد في الإقليم.

وفي 26 مارس 2021، أعلن رئيس الوزراء الأثيوبي أن إريتريا وافقت على سحب قواتها من المنطقة الحدودية المشتركة، بعد أيام من الإقرار بأن جنودا إريتريين دخلوا إقليم تيغراي في شمال البلاد، على الرغم من الإنكار الدائم بوجود قوات إريترية داخل الإقليم، وتزايدت شهادات شهود العيان حول قيام جنود اريتريين بقتل المدنيين وارتكاب عمليات اغتصاب جماعي وتعذيب النساء ونهب البيوت والمحاصيل.

وجاء هذا الإعلان كنوع من التهدئة، غداة إعلان الأمم المتحدة عن حدوث أكثر من 516 حالة اغتصاب سجلتها خمسة عيادات طبية في منطقة تيغراي، مشددة أن الرقم الحقيقي أكبر من ذلك بكثير. وقالت وفاء سعيد، نائبة منسق مساعدات الأمم المتحدة في إثيوبيا، في إفادة للدول الأعضاء في المنظمة الدولية في نيويورك: “قالت نساء إنهن تعرضن للاغتصاب من عناصر مسلحة، كما روين قصصا عن اغتصاب جماعي واغتصاب أمام العائلات وإجبار رجال على اغتصاب نساء من عائلاتهم تحت التهديد بالعنف”. وأضافت المسؤولة الأممية أنه “بالنظر لحقيقة أن معظم المرافق الصحية لا تعمل إضافة إلى الوصمة المرتبطة بالاغتصاب، فمن المتوقع أن تكون الأعداد الفعلية أعلى من ذلك بكثير”.

حتى عندما لا تتعرض النساء للعنف الجنسي، فإن الخوف من الاغتصاب أو انعدام الأمن يمنعهن من الوصول إلى مراكز توزيع الطعام، وخدمات الرعاية الصحية المهمة لأنفسهن أو لأطفالهن، وقد تبتعد الفتيات المراهقات عن المدرسة. الامر الذي يسهم على المدى البعيد إلى سوء التغذية ونقص التحصيل العلمي بين الاناث.

الأمر الذي أدركته الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. لذا دعا قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1325 بشأن المرأة والسلام والأمن ، جميع الأطراف في الأعمال العدائية إلى اتخاذ تدابير خاصة “لحماية النساء والفتيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي ، ولا سيما الاغتصاب وغيره من أشكال الاعتداء الجنسي ، في حالات نزاع مسلح “.

وأضافت وفاء سعيد حول الوضع الإنساني للنازحين بأن: “معظم النازحين فرّوا بلا أي شيء سوى الملابس التي يرتدونها. بشكل عام هم في حالة صدمة ويروون قصصا عن الرحلة الصعبة التي قطعوها بحثا عن الأمان. بعضهم تحدث عن المشي لأسبوعين وبعضهم الآخر لمسافة 500 كيلو متر”.

الأمر الذي أثار قلق المجتمع الدولي مرة أخرى وأصدر وزراء خارجية مجموعة السبع، التي تضم كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية والممثل السامي للاتحاد الأوروبي، في 2 ابريل 2021، بيانًا مشتركًا أعربوا فيه عن شعورهم بقلق بالغ إزاء التقارير الأخيرة بشأن انتهاكات حقوق الإنسان والتجاوزات والانتهاكات للقانون الدولي الإنساني في تيجراي.

كما أدانوا قتل المدنيين والعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي والقصف العشوائي والتهجير القسري لسكان تيغراي واللاجئين الإريتريين. مطالبين أن تمارس كافة الأطراف أقصى درجات ضبط النفس وضمان حماية المدنيين واحترام حقوق الإنسان والقانون الدولي. ودعوا إلى إنهاء العنف وإقامة عملية سياسية شاملة وواضحة مقبولة من كافة الإثيوبيين، بمن فيهم أهالي تيغراي، وتؤدي إلى انتخابات موثوقة وعملية مصالحة وطنية أوسع.

كما اجتمع مجلس الأمن الدولي، الخميس 15 ابريل 2021، لمناقشة الأزمة في إقليم تجراي الإثيوبي، بناء على طلب أمريكي، للاستماع لشهادة منسق الأمم المتحدة للإغاثة الطارئة مارك لوكوك الذي سيتحدث عن الصعوبات المستمرة في إيصال المساعدات إلى اللاجئين. وكان لوكوك قد دعا في بداية مارس إريتريا إلى سحب قواتها من تجراي، في أول اعتراف من قبل مسؤول أممي بتورط هذه الجارة في القتال هناك.

وفي مطلع شهر يونيو، أعلنت منظمة الأمم المتحدة، أن سكان إقليم تيجراي في إثيوبيا يعانون كارثة إنسانية حقيقية فجميعهم تقريبا بحاجة إلى مساعدة غذائية، موجهة دعوة لجمع 203 ملايين دولار لزيادة مساعداته. وصرح المتحدث باسم برنامج الأغذية العالمي، تومسون فيري، في تصريحات أوردتها قناة الحرة الأمريكية، أن «البرنامج التابع للأمم المتحدة وزع مساعدات غذائية طارئة على أكثر من مليون شخص منذ بدء عمليات التوزيع في مارس في مناطق شمال غرب إقليم تيجراي وجنوبه، حيث هناك 91% من سكان تيجراي، بحاجة إلى مساعدة غذائية طارئة بسبب النزاع».

https://twitter.com/sam_shishay/status/1405235011914174467?ref_src=twsrc%5Etfw%7Ctwcamp%5Etweetembed%7Ctwterm%5E1405235011914174467%7Ctwgr%5E%7Ctwcon%5Es1_&ref_url=https%3A%2F%2Fwww.almasryalyoum.com%2Fnews%2Fdetails%2F2361348

وفي منتصف يونيو 2021، تداول عدد من النشطاء الاثيوبيين على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك لمقاطع مصورة لمشاهد قتل يقوم الجنود الإثيوبيون بحق مدنيين عبر إعدامهم ثم الإطاحة بجثثهم من قمة منحدر في منطقة «دبري أباي» الواقعة شرقي الأقليم.

فيما لفت حساب منسوب لناشطة إثيوبية تدعى، سام شيشيه، إلى قيام جنود الجيش الإثيوبي، بإلقاء جثث المدنيين من فوق المنحدر، مضيفة أن جنود الجيش الإثيوبي أعدموا 40 مدنيا بطريقة مماثلة في «دبري أباي» في فبراير الماضي.

وسبق وأن أدانت المديرة التنفيذية لليونيسف، هنريتا فور، نهاية شهر يونيو 2021 بأشد العبارات، قيام قوات الدفاع الوطني الإثيوبية بدخول مكتب المنظم في ميكيلي، وتفكيك معداته، في انتهاك واضح لامتيازات وحصانات الأمم المتحدة وقواعد القانون الإنساني الدولي فيما يتعلق باحترام أهداف الإغاثة الإنسانية.

وفي 22 يونيو، أعلن مسؤول بالقطاع الطبي لوكالة رويترز إن ضربة جوية قتلت 43 على الأقل بينهم نساء وأطفال في بلدة توجوجا في إقليم «تيجراي» بإثيوبيا.

وأضاف التقرير أن جنودا من الجيش الإثيوبي منعوا سيارات الإسعاف من الوصول إلى المكان، كما أكد المسؤول الطبي نقلا عن شهود وأول من وصلوا إلى المكان من خدمات الطوارئ أن 43 على الأقل قتلوا جراء الغارة.

فيما لم يعلق المتحدث باسم الجيش الإثيوبي على الغارة الجوية، فيما قال الكولونيل جيتنيت أداني على هذه الواقعة، مكتفيا بالقول إن الضربات الجوية تكتيك عسكري شائع وإن القوات لا تستهدف المدنيين.

وفي التاسع والعشرين من يونيو الماضي، أعلن المقاتلون من أبناء تيغراي استعادة عاصمة الإقليم ميكيلي، والتي كانت تحت سيطرة الحكومة المركزية منذ نوفمبر الماضي. وأسفر الاقتتال الدائر عن مقتل الآلاف، ونزوح أكثر من مليوني شخص.

وفي بداية الشهر الجاري، حذرت الأمم المتحدة من أن أكثر من 400 ألف شخص “دخلوا في مجاعة” في إقليم تيجراي، وأن 1,8 مليون آخرين باتوا على عتبة المجاعة، ويعاني 33 ألف طفل من سوء التغذية الحاد، وذلك على خلفية قيام القوات الاثيوبية بتدمير جسرين حيويين لنقل المساعدات إلى تيجراي. في حين يقول برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة إن 5,2 ملايين شخص، أو 91% من سكان تيجراي، يحتاجون إلى مساعدات غذائية طارئة.

وفي هذا الصدد، شددت دول عدة من بينها الولايات المتحدة وإيرلندا والمملكة المتحدة التي تقف وراء الاجتماع الذي عارضته الدول الإفريقية باعتبار أن الأمر يتعلق بشأن إثيوبي داخلي، على أن وصول المساعدات الإنسانية يجب ألا تشوبه أي عراقيل.

إلا أن انقطاع الكهرباء والاتصالات وتعليق الرحلات الجوية وانقطاع غالبية الطرقات، كانت البوابة الخلفية لتعذيب الملايين من سكان التيجراي ومنع وصول المؤن والأدوية لملايين التجريين.

وفي هذا الصدد قال وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزف بوريل، “لا يعني وقف إطلاق النار قطع الكهرباء في المنطقة أو تدمير البنية التحتية الحيوية. يعني وقف إطلاق النار الموثوق به القيام بكل ما هو ممكن حتى تصل المساعدات إلى ملايين الأطفال والنساء والرجال الذين هم في أمس الحاجة إليها. يجب أن يكون إنقاذ الأرواح أولوية للجميع”.

فعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار بأخر يونيو، تحت زعم أنه على الرغم من أن الجيش في كامل قدراته ويمكنه العودة إلى تجراي في أي وقت –بالتناقض مع قدرته على الصمود أمام الجيش السوداني والذي تمكن من استعادة السيطرة على غالبية منطقة الفشقة والتي كانت تحتلها المليشيات الإثيوبية المدعومة من أديس أبابا- إلا إنه قرر الانسحاب لإنهاء الوضع القائم والمخطط له لاستنزاف إثيوبيا، على حد قول وزير الدولة للشئون الخارجية الإثيوبية، والجنرال باتشا دبلي بالجيش الإثيوبي والذين تنصلا من مسؤولية الحكومة الفيدرالية عن وصول المساعدات الإنسانية في الإقليم. بالرغم من إعلانهم سيطرة الحكومة الفيدرالية الاثيوبية على كل المعابر الحدودية لإقليم تجراي مع السودان وعلى الحدود مع إقليم أمهرا وإقليم عفر.

الوضع في تيجراي أصبح متأزما، فوفقًا لأخر تقرير لمنظمة الفاو عن شهر يونيو والمنشور بتاريخ 9 يوليو، أكد أن هناك 5.5 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، منهم 353000 شخص في المرحلة 5 (كارثة) في تيغراي. كما يوجد 2.1 مليون نازح داخليًا جراء الحرب بالإقليم. وأكثر من 5.2 مليون شخص في تيغراي وحدها يحتاجون إلى مساعدات إنسانية ؛ من بينهم 118000 امرأة حامل و 1.3 مليون امرأة في سن الإنجاب.

ولفت التقرير إلى أن قوة دفاع تيغرايTDF على مدينة ميكيلي في 28 يونيو 2021 كان سلميًا. في اليوم نفسه، أعلنت الحكومة الاتحادية وقف إطلاق النار مشيرة إلى ضرورة ضمان نجاح الموسم الزراعي الجاري؛ فأكثر من 80% من سكان التيجراي يعتمدون على الزراعة كمصدر رئيسي للغذاء والمعيشة. ولفت تقرير الفاو إلى أنه لا تزال الكهرباء والاتصالات مقطوعة في جميع أنحاء المنطقة، باستثناء مجمعين للأمم المتحدة. مؤكدًا أن منطقة تيغراي تواجه حاليًا أزمة إنسانية معقدة، مع زيادة مقلقة في انعدام الأمن الغذائي وفقدان سبل العيش نتيجة للنزاع المسلح.

تسعى منظمة الفاو على وجه السرعة للحصول على 30 مليون دولار أمريكي لدعم 1.4 مليون شخص بين يونيو وديسمبر 2021 من خلال دعم الإنتاج الزراعي وتوليد الدخل والمساعدة في حماية الثروة الحيوانية.

كما أكد تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية OCHA وصول أول قافلة إنسانية مؤلفة من 54 شاحنة الغذاء والوقود والإمدادات الطبية ومواد الإغاثة الحيوية الأخرى في 12 يوليو منذ ما أكثر من أسبوعين من تعثر توصيل الاغاثات. فعلى الرغم من التحسينات الأخيرة في الوصول داخل تيغراي منذ نهاية يونيو.

كانت التحركات داخل المنطقة وخارجها صعبة للغاية، مما أثر على قدرة المنظمات الإنسانية على تجديد المخزونات وتعبئة الأفراد لمواصلة عمليات الإغاثة. داخل تيجراي، فأصبح بإمكان عمال الإغاثة الآن الوصول إلى المناطق التي كان من الصعب الوصول إليها في السابق، حيث يحتاج ما يقدر بنحو 75 في المائة من الأشخاص إلى المساعدة (4 ملايين من أصل 5.2 مليون شخص محتاج) الآن في مناطق يمكن أن تتم فيها العمليات الإنسانية مقارنة بنسبة 30 في المائة في مايو.

ومع ذلك، فإن المخزونات تستنفد بسرعة داخل تيجراي، حيث يجب أن تصل 60 شاحنة على الأقل إلى تيغراي يوميًا لتلبية احتياجات الأشخاص المحاصرين في الأزمة. كما تم تقليص الوصول إلى المنطقة عبر الطرق خلال الأسابيع الماضية. فلا يمكن الآن الوصول إلى تيجراي إلا من خلال سمارة في منطقة عفر. مع سيطرة شديدة من قبل السلطات الإقليمية والفيدرالية. تلقت الخدمة الجوية الإنسانية للأمم المتحدة، في 5 يوليو، موافقة من حكومة إثيوبيا لاستئناف الرحلات الجوية إلى تيجراي. وتم إجراء رحلة تجريبية للخدمات الجوية الإنسانية التابعة للأمم المتحدة يوم السبت 17 يوليو إلى تيجراي ووضع جدول زمني لاستئناف الرحلات المنتظمة اعتبارًا من 21 يوليو.

كما اكدت المنظمة على ضرورة استعادة الخدمات الأساسية والكهرباء والاتصالات والرحلات التجارية والخدمات المصرفية، فهو أمرًا بالغ الأهمية للحياة اليومية للمدنيين وتمنع المزيد من الأذى للأشخاص في تيغراي. فتعطل الوصول إلى خدمات المياه والنظافة والصرف الصحي إلى حد كبير في جميع أنحاء تيغراي، يعرض السكان لخطر تفشي الأمراض، بما في ذلك الأمراض التي تنقلها المياه. كما أن انقطاع التيار الكهربائي المتكرر يعيق إمدادات المياه والوظائف المستمرة لمخططات المياه في جميع أنحاء المنطقة.

بالإضافة إلى ذلك، أفادت منظمة صندوق الأمم المتحدة للسكان UNFPA أن هناك ما يقدر بنحو 3.8 مليون شخص بحاجة إلى رعاية صحية في حين أن قدرة النظام الصحي قد تضاءلت بشكل خطير بعد الأضرار والنهب على نطاق واسع من قبل الجماعات المسلحة. على الرغم من الجهود المبذولة على نطاق واسع، فإن العوائق الرئيسية التي تحول دون إعادة بناء القدرة على تقديم الرعاية الصحية ما زالت تتمثل في النقص الحاد في الموظفين (26٪) ، والإمدادات والمعدات الطبية (56٪) ونقص تدريب العاملين الصحيين (14٪)، كما أن مقتل ثلاثة عمال إغاثة من منظمة أطباء بلا حدود في إسبانيا في 25 يونيو أدى إلى صدمة شديدة للمجتمع الإنساني ودفع إلى إجلاء الموظفين وتعليق العمليات في بعض أجزاء من تيغراي ، مما أضعف فرص الحصول على الرعاية الصحية.

على الرغم من التحديات الإدارية والتشغيلية، منذ بدء النزاع، وصل الشركاء في المجال الإنساني إلى 4.8 مليون شخص بالمساعدات الغذائية. والحماية. قدم العاملون في المجال الإنساني دعمًا لحوالي 568،047 شخصًا (21 في المائة من إجمالي 2.7 مليون شخص مستهدف لهذا العام) في حالات الطوارئ لدعم المأوى والمواد غير الغذائية. حصل أكثر من 630 ألف شخص على المياه النظيفة من خلال نقل المياه بالشاحنات ، ويقدم 55 فريقًا متنقلًا للصحة والتغذية الخدمات في 57 ولاية. تم الوصول إلى حوالي 42000 شخص من خلال أنشطة الدعم النفسي والاجتماعي في 11 ولاية. وخدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية بـ 37 ولاية، كما تم إعادة تأهيل 61 بئراً وأنظمة مياه مزودة بمحركات.

على الرغم من محاولات إثيوبيا التعتيم الإعلامي حول الاشتباكات وأعداد القتلى، بالفظائع المروعة التي ترتكب في تيجراي، والتي أصبحت على مرئ ومسمع من الجميع، الأمر الذي دفع عدد من الدول والمنظمات الدولية للإعراب عن قلقها بشأن حدة الاشتباكات القائمة، إلا أن الحكومة الاثيوبية مازالت تحاول تدليس حقيقة الاشتباكات وكسب شرعية دولية لما ترتكبه بإقليم التيجراي؛ حيث شنت حملة دبلوماسية بهدف إقناع العالم بأن هذه مسألة داخلية، ووصفت الحكومة الصراع بأنه “عملية تطبيق للقانون” ضد “زمرة” تهدف إلى تدمير النظام الدستوري الإثيوبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى