دول المغرب العربي

تونس.. 10 سنوات من الانهيار الاقتصادي

تأثرت تونس بشدة بثورة 2011، تسببت تلك المظاهرات في ارتفاع معدلات البطالة ونتيجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية ارتفع التضخم العام، وما فاقم الأمر هو انتشار الفساد وانعدام الحريات السياسية وسوء الأحوال المعيشية، وعلى الرغم من الإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي في يناير 2011، إلا أن الخلافات السياسية بالبلاد قادتها إلى حالة من الشلل السياسي والاقتصادي، خاصة وأن تلك الخلافات تدور بين رئاسة الجمهورية وبين حركة النهضة الإسلامية وهو الحزب صاحب الأكثرية في البرلمان التونسي.

لم يكن ذلك الاضطراب السياسي هو الأول؛ إذ عانت البلاد مزيدًا من الاضطرابات السياسية في عام كورونا بسبب سقوط الحكومة التي شكلها إلياس الفخفاخ في يوليو 2020. ذلك التشتت السياسي دفع بالاقتصاد التونسي إلى حافة الهاوية، خاصة وأن البلاد لم تشهد أي تعافٍ اقتصادي منذ ثورة 2011، ومن ثم فقد جاءت جائحة كورونا لتقضي على الأمل المتبقي لعودة اقتصاد تونس مرة أخرى، الأمر الذي زاد من حالة عدم اليقين وعرقل مفاوضات تونس مع الدائنين وصندوق النقد الدولي وخفض التقييم الاقتصادي للبلاد للمرة التاسعة خلال 10 سنوات.

سنوات الانهيار

على الرغم من أن “ثورة الياسمين” في تونس قامت لأسباب معظمها اقتصادي؛ إذ اندلعت في يوم 17 ديسمبر 2010 تضامنًا مع الشباب محمد البوعزيزي الذي قام بإضرام النار في جسده تعبيرًا عن غضبه على بطالته ومصادرة العربة التي يبيع عليها، خرج آلاف التونسيين الرافضين لأوضاع البطالة وعدم وجود العدالة الاجتماعية وتفاقم الفساد داخل النظام الحاكم، والتي تسببت في مواجهات دامية مع قوات الأمن نتج عنها إقالة الرئيس السابق زين العابدين بن علي لعدد من الوزراء ثم تركه لكرسي الحكم لتبدأ تونس حقبة سياسية جديدة تسببت في صراع سياسي بين العديد من الأطراف.

لكن وبعد عشر سنوات من قيام تلك الثورة يبدو أن الوضع لم يتغير، بل أن الأوضاع بالاقتصاد التونسي ازدادت سوءًا؛ فقد اتسم أداء الاقتصاد التونسي بالضعف منذ ثورة 2011 وحتى عام 2014 ، فحقق الناتج المحلي الإجمالي معدلات نمو متفاوتة أكبرها في عام 2012 بلغت 4.1 % وأقلها في عام 2011 والتي انخفض معدل النمو الاقتصادي بنسبة 1.9 %، لكن الفترة بعد العام 2014 شهدت تدهورًا أكبر بكثير في أداء الاقتصاد التونسي؛ إذ حقق الاقتصاد التونسي معدل نمو بمتوسط 1.8 % خلال الفترة بين 2014 – 2019، وكان العام 2020 (عام جائحة كورونا) وما تبعها من سياسات تباعد اجتماعي وإغلاق اقتصادي جزئي (مارس 2020) أو كلي (أبريل 2020) لتسبب انخفاضًا حادًا في أداء الاقتصاد التونسي فانخفض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 8 %، وتنكشف ملامح الضعف التي مر بها الاقتصاد التونسي خلال العشر سنوات السابقة.

وفي محاولة من الحكومة لتعويض الانخفاض في الأداء الاقتصادي وكمحاولة لدفع الاقتصاد التونسي للنمو توسعت الحكومة في الاقتراض، وهو ما دفع معدل العجز العام إلى الناتج المحلي الإجمالي للنمو من 3.4 % في عام 2011 إلى 10.6 % في عام 2020، خاصة وأن عام 2020 قد شهد ارتفاع تلك النسبة بمقدار 6.7 %، وسط الأداء الضعيف للقطاعات المختلفة بالاقتصاد التونسي (القطاع الزراعي 10.4 % من الناتج المحلى الاجمالي، القطاع الصناعي 22.7 % من الناتج المحلى الاجمالي، القطاع الخدمي 59.9 % من الناتج المحلى الإجمالي). وخاصة القطاع الخدمي الذي تأثر بشدة نتيجة لحالة الإغلاق الاقتصادي التي رافقت جائحة كورونا، الأمر الذي تسبب في تراجع إيرادات ذلك القطاع بنسبة 30%، خاصة وأن ذلك القطاع يتضمن قطاع السياحة الذي تراجع بنسبة 80 % خلال جائحة كورونا نتيجة إلغاء جميع حجوزات السياح الأجانب، هذا فضلًا عن تراجع أداء قطاع النقل بنسبة 60 % في عام 2020.

عام كورونا

نتيجة لما سبق ذكره (إغلاق وتوقف للنشاط الاقتصادي) انخفض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 8.8 % في عام 2020، أما عن الدين العام فقد بلغ 87.6 % في عام 2020، ومن المتوقع أن يرتفع في عام 2021 إلى 91.2 % (وفقا لتوقعات صندوق النقد الدولي – أبريل 2021)، وارتفع الدين الخارجي إلى نحو 35 مليار دولار أي ما يزيد عن 100 % من الناتج المحلي الإجمالي، خاصة وأن احتياطيات النقد الأجنبي بالبلاد تبلغ نحو 8.27 دولار فقط، وهو ما يعني أن الدين الخارجي يمثل 4.23 مرة من احتياطيات النقد الأجنبي بالبنك المركزي.

لكن ما تسبب في مفاقمة الأمور هو عجز تونس عن دفع الأقساط والفوائد للديون دون الحصول على قرض جديد من صندوق النقد الدولي (تبلغ المطالبات المالية لتونس في العام الحالي نحو 10.5 مليار دولار تنقسم إلى 4.5 مليار دولار لخدمة الديون، و6 مليار دولار أخرى لتمويل الموازنة العامة وسد العجز)، أما عن العجز الكلي بالموازنة العامة بالبلاد فقد ارتفع إلى 9.8 % من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020 بسبب التدابير الاحترازية التي تم تطبيقها لاحتواء آثار جائحة كورونا، أما عن المعاملات الخارجية للبلاد فقد ظل عجز الحساب الجاري مرتفعا، عند 6.8٪ من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2020، لكنه تحسن (من 8.4٪ في 2019) مع انخفاض الواردات بوتيرة أسرع من الصادرات.

على جانب آخر، شهد معدل التضخم في البلاد انخفاضا في عام 2020 ليصل إلى 5.7 %، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 5.8 % في عام 2021 و6.3 % في عام 2022 نتيجة لاستمرار الأداء السيء للاقتصاد، وارتفع معدل البطالة من 15٪ إلى 18٪ في الربع الثاني من عام 2020 (World Bank، أكتوبر 2020)، وهو مستوى لم تصل إليه البلاد منذ ثورة 2011. ولمواجهة الارتفاع في أسعار المواد الغذائية أو للتعويض عن فقدان الوظائف التي مرت بها البلاد نتيجة ارتفاع معدلات البطالة، اعتمدت الأسر على مدخراتها أو تلقي مساعدات أو الاقتراض وتأجيل سداد التزاماتها. تسببت تلك الأوضاع الاقتصادية في ارتفاع معدلات الفقر في البلاد، يوضح الجدول التالي تطورات أهم المؤشرات الاقتصادية وتوقعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بشأن الاقتصاد التونسي.

أزمات مركبة

ساهمت الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في حدوث أزمة مركبة، ففي الوقت الذي تمر به تونس بأزمة سياسية نتيجة تصارع القوى السياسية المختلفة على الحكم، تتفاقم الأزمة الصحية نتيجة جائحة كورونا، ويمر البلاد بأسوأ أزمة اقتصادية منذ عقود بسبب عدم مرونة الاقتصاد نتيجة وجود العديد من بنود الدعم والأجور بالمصروفات والتي تتسبب في تدهور وضع المالية العامة، وتتسبب في انتشار واستمرار الاحتجاجات الاجتماعية نتيجة لسوء الأوضاع الاقتصادية، وهو أمر يجعل سبل التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي والمانحين بشأن قرض جديد أو جدولة الديون القائمة أمر شبه مستحيل، خاصة وأن تونس ترفض تنفيذ حزمة المطالب التي يصر عليها الصندوق والتي تتمثل في تخفيض بند الأجور ورفع الدعم عن المواد الأساسية والبنزين وإعادة هيكلة المؤسسات العمومية التي تثقل كاهل المالية العامة.

تنظر مؤسسات التقييم الائتماني الدولية لذلك المشهد بنظرة سلبية، وهو الأمر الذي ترتب عليه تخفيض مؤسسة فيتش للتصنيف الائتماني الجدارة الائتمانية لاقتصاد تونس للمرة التاسعة في عشر سنوات (منذ قيام ثورة 2011)، حيث خفضت الوكالة العالمية للتصنيف الائتماني “فيتش” التصنيف الائتماني طويل المدى لمصادر العملة الأجنبية في تونس من”B”إلى “B-” مع نظرة سلبية للاقتصاد. وقد أشارت في التقرير الخاص بها أن ما يحدث في تونس قد يدفعها للتوجه نحو نادي باريس للمطالبة بإعادة جدولة ديونه، أو يهدد أن يتم تخفيض التقييم الائتماني لها إلى الدرجة “C” لتصبح دولة عاجزة عن سداد ديونها ومن ثم الاتجاه نحو إعلان تونس مفلسة.

الأمل قائم

في ظل تلك التعقيدات السياسية دخل المواطنون في تونس في حالة من الإضراب العام ينظمه الاتحاد التونسي للشغل، يشمل ذلك الإضراب جميع المرافق العامة مثل خدمات النقل (المطارات، الموانئ، والقطارات) احتجاجًا على رفض الحكومة زيادة أجور موظفي القطاع العام في البلاد، وهو ما رفضته حكومة البلاد في ظل الأوضاع الاقتصادية السابق الإشارة إليها والتي اتسمت بارتفاع الدين العام وارتفاع العجز العام بالبلاد وعدم قدرة الحكومة على الوفاء بديونها أو الحصول على ديون جديدة. 

عرض رئيس الحكومة مجموعة بديلة من الحوافز الاقتصادية لم ترض المحتجين وبرر رئيس الحكومة رفضه لتلك الزيادات في الأجور بأن الزيادات التي منحتها الحكومة التونسية بعد ثورة يناير لم تحقق الأثر المرجو ولم يكن لها أثر إيجابي على وضعية المواطنين، وهو الأمر الذي دفع بالاقتصاد إلى مزيد من التضخم ومزيد من ارتفاع في مديونية البلاد.

لكن الأمل ما زال قائمًا في حال استقرار الأوضاع وتنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي تقشفي تستطيع به الدولة السيطرة على اختلال ماليتها العامة، حيث أشار صندوق النقد الدولي قبل تلك الاحتجاجات إلى قدرة الاقتصاد التونسي على النمو بنسبة 3.8 % في عام 2021، وأن يستقر عند 2.4 % في عام 2022، كما توقع الصندوق أن ينخفض العجز بشكل طفيف ليصل إلى 9.3 % في عام 2021، ثم 6.9 % في عام 2022، لكن ذلك الأمل معقود على إدراك المواطنين لخطورة الوضع، وعلى حدوث تغيرات هيكلية في الساحة السياسية تقود البلاد إلى حالة سياسية أكثر استقرارا، ومن ثم فأمام تونس طريقين الآن إما السقوط في الهاوية أو العودة من جديد، فماذا سيقرر التونسيون؟!.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى