دول المغرب العربي

التهديدات العابرة.. كيف تهدد ميليشيات غرب ليبيا تونس؟

انطلاقًا من الظروف الاستثنائية التي تمر بها تونس خلال الأشهر التسع الماضية من اتساع دائرة الاحتقان الشعبي جراء التوترات السياسية بين مؤسسات الرئاسة والحكومة والبرلمان، وتداعي أداء حكومة المشيشي في إدارة الأزمات، وهبوط مؤشرات الاقتصاد في ظل استمرار جائحة كورونا وضربها لقطاع الصحة مؤخرًا بصورة فاقت الموجات السابقة؛ اندلعت تظاهرات شعبية في عدد من المدن والبلدات بحلول عيد الجمهورية. ونددت التظاهرات بحركة النهضة الإخوانية وسيطرتها على السلطة التشريعية وتدخلاتها في المؤسسات الحكومية بغية السيطرة التامة على مفاصل الدولة. وتطورت التظاهرات إلى اقتحام مكاتب حركة النهضة في مدن باجة والقصر والسند والمهدية وتوزر، كما أحرقوا محتويات المكاتب فور اقتحامها. ولم تمض 12 ساعة على هذه التطورات اللافتة، حتى أعلن الرئيس التونسي قيس سعيد جملة من القرارات الاستثنائية منها تجميد البرلمان لمدة 30 يومًا، ورفع الحصانة عن جميع أعضاءه، وتولى السلطة التنفيذية بنفسه، وذلك بموجب العمل بالفصل 80 بالدستور التونسي، ولاحقًا أصدر سعيد قرارات بإعفاء كل من رئيس الحكومة هشام المشيشي، ووزير الدفاع الوطني إبراهيم البرتاجي، ووزيرة العدل حسناء بن سليمان؛ من مناصبهم. 

أثارت القرارات الرئاسية ردود فعل واسعة في الداخل التونسي والخارج، لكن واحدة من هذه الردود كانت لافتة بما يكفي لاستشعار أخطار ارتباطات تنظيم الاخوان العابرة لحدود الدولة ومبدأ سيادتها. وكان مجس رد الفعل هذا قادم من غرب ليبيا، حيث سارع الإخواني خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، بانتقاد قرارات الرئيس التونسي، واصفًا إياها بـ “الانقلاب”.

وتزامنت انتقادات المشري مع تقارير صحفية تحدثت عن حركة “مشبوهة” للميليشيات المرتبطة بتنظيم الإخوان في غرب ليبيا تجاه تونس. حيث أعلنت حالة الطوارئ واستدعت كافة عناصرها، فيما يبدو كأنها حالة تعبئة عامة. مما أثار التساؤلات حول ماهية التهديدات التي قد تثيرها ميليشيات غرب ليبيا المرتبطة بتنظيم الإخوان سواء من خلال أشخاص قيادية أو تلك التي تعمل ضمن مظلة “الحاكمية الإسلامية”، ويمكن تحديد أبعاد أولية لهذه التهديدات المحتملة التي قد تواجهها تونس انطلاقا من غرب ليبيا، إذا ما أبرزنا أولاً سيناريوهان متوقعان في تونس جراء قرارات الرئيس سعيد، وهما كالآتي:

  1. اتفاق سياسي جديد (تعيين رئيس وزراء جديد + تعديلات دستورية واستفتاء وانتخابات مبكرة).
  2. عنف في الداخل ومجابهات حدودية.

وتجدر الإشارة إلى أن كلا المسارين يحملان حزمة من التهديدات الأمنية قد تتفاوت في الشدة قياسًا على مدى اللفظ الشعبي والرئاسي التونسي لحركة النهضة وكوادرها النيابية والحكومية بما يهدد الاجندة التوسعية للإخوان المسلمين في شمال أفريقيا، الرامية بالأساس لتعويض الخسارة العظمى للتنظيم جراء انهياره في مصر في يونيو 2013، وتحلل شبكاته الإجرامية في إحداثيات الخليج وأوروبا، ولجوئه للعنف كلما ضاق الخناق المجتمعي والأمني عليه، تكمن الأبعاد والأنماط الأولية للتهديدات المحتملة التي قد تواجهها تونس في الآتي:

  1. تهديد الحدود المشتركة من خلال دفع العناصر الإرهابية للداخل التونسي: ويعد هذا النمط ليس بالجديد على الذهنية الأمنية التونسية، إذ تكررت محاولات اختراق الحدود التونسية بواسطة عناصر إرهابية، ولاسيما بعدما بدأ الانخراط التركي في الميدان الليبي ونقل أنقرة – حسب بيانات المرصد السوري لحقوق الإنسان – حوالي 2500 عنصر داعشي من أصحاب الجنسية التونسية لغرب ليبيا مطلع العام 2020. كما أكد العميد مختار بن نصر رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب في العام 2019 بأن السلطات التونسية منعت نحو 17 ألف شخص من مغادرة البلاد كانوا يعتزمون الذهاب لمناطق وبؤر القتال في المنطقة. مما يضع المؤسسات العسكرية والأمنية التونسية أمام ضغط كبير لضبط الموقف على الحدود الليبية وبالداخل التونسي، الذي يضم هو الآخر مزاج إسلاموي غذته حركة النهضة ضمن مناطق نفوذها، إذ فككت تونس حوالي 33 خلية إرهابية في عام 2020 وحده، واعتقلت الأجهزة الأمنية حوالي 1000 إرهابي. وفي يوليو من العام الماضي، تصدى الجيش التونسي لمحاولة اختراق بالمنطقة الحدودية مع ليبيا وقام بإطلاق النار على تشكيل من سيارات الدفع الرباعي كانت تنفذ محاولة الاختراق للساتر الترابي الذي دشنه الجيش التونسي على الحدود مع ليبيا.
  2. استثمار حالة السيولة الأمنية في طرابلس والسيطرة على المعابر الحدود: شهدت العاصمة الليبية خلال اليومين اشتباكات دامية بين ميليشيات “الردع” و “قوة دعم الاستقرار” عكست حقيقة الوضع في العاصمة التي ما زالت تعج بغابة كثيفة من الميليشيات. ورغم انضواء هاتين الميليشيتين لمظلة تنظيم الإخوان إلا أنها تتصارع فيما بينها لتثبيت مناطق نفوذها ضمن مربعات تخص كل ميليشيات على حدى. 

ويربط ليبيا بتونس معبرين حدوديين (رأس جدير + ذهبية وازن)، وعادة ما تسيطر الميليشيات غرب ليبيا على المنافذ الحدودية البحرية والبرية، لتسهيل انخراط قادتها ضمن أنشطة غير مشروعة تتعلق بالاتجار بالبشر والسلاح والتهريب والهجرة غير الشرعية. وما يعزي قيمة المعابر الاستراتيجية، سعي الميليشيات في أن يكون لها أدواراً في مرحلة ما بعد الانتخابات الليبية المزمع إجراءها في 24 من ديسمبر القادم، حيث فشلت محاولات دمج أفرادها ضمن مؤسسات الدولة الأمنية حتى اللحظة وفقاً لمقررات مؤتمر برلين 1-2، ما دفع بالميليشيات إلى عدم ترددها في استخدام واستعراض القوة كلما شعرت بالتهديد جراء الاستحقاق الانتخابي القادم. 

  1. إعادة تدوير المرتزقة السوريين في ليبيا: ما زالت تركيا تحتفظ بقوة من المرتزقة السوريين في الغرب الليبي تُقدر أعدادهم وفق ما أعلنه المرصد السوري لحقوق الإنسان بـ 11 ألفا. وتشير التجارب التركية في استخدام ورقة المرتزقة إلى خضوعها لرؤى مجتمع الاستخبارات والرئاسة التركية التي تعتبر الراعي الإقليمي الأبرز لشبكة جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة. وتعكس تصريحات المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالن، التي انتقد فيها قرارات الرئيس التونسي، الموقف التركي من رعاية حركة النهضة الإخوانية في التحدي الشعبي والرئاسي الذي باتت تواجهه بعدما أعاقت على مدار عقد كامل فرص التنمية الحقيقية للشعب التونسي. 

تعج تعقيدات المشهد التونسي بالفرص كما التحديات، أمام طريق تأسيس فعلي لدولة وطنية مستقلة تعمل وفق مبادئ السيادة الوطنية. إلا أن التحديات الأمنية الخارجية المحتملة، لتعقد المشهد الحالي تتراوح بين الثلاثة نقاط السابقة لكنها تتباين حسب حالة الخنق التي يعاني منها جناح الإخوان في تونس، حيث برهن تنظيم الإخوان في كل بقعة تقريبًا على عدم تردده في الانزلاق لطاحون حرب أهلية تحقيقًا لأهدافه الوظيفية قصيرة الأجل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى