دول المغرب العربي

مستقبل الأزمة في تونس بعد قرارات الرئيس سعيد الأخيرة

أنهى الرئيس التونسي قيس سعيد أكثر من سبعة أشهر من الصراع بين المؤسسات الحاكمة بمجموعة قرارات حاسمة اتخذها يوم 25 يوليو 2021، بعد التعديل الوزاري الذي أجراه رئيس الوزراء هشام المشيشي بإيعاز من حركة النهضة، وأدى إلى تعمق الأزمات التونسية على المستويات السياسية والاقتصادي والاجتماعية والصحية. تشكل هذه القرارات التي اتخذها سعيد بعد اجتماع طارئ عقده مع القيادات العسكرية والأمنية والتي تمثلت في تجميد كافة اختصاصات البرلمان لمدة 30 يومًا، ورفع الحصانة عن كل أعضاء البرلمان، وتولي رئيس الجمهورية رئاسة النيابة العمومية، وإعفاء رئيس الحكومة من منصبه، وتولي رئيس الجمهورية رئاسة السلطة التنفيذية مع حكومة يرأسها رئيس الحكومة الذي يتم تعيينه من خلال رئيس الجمهورية مدة هذه التدابير الاستثنائية، ويتم تعيين أعضاء الحكومة من قبل رئيس الجمهورية باقتراح من رئيس الحكومة؛  نقطة تحول فارقة في مسار المشهد السياسي التونسي، وجاءت بهدف الحفاظ على السلم الاجتماعي لتونس وإنقاذ الدولة والمجتمع، وكان آخر هذه القرارات إعفاء وزيري الدفاع والعدل من منصبهما.

أسباب القرارات

استند الرئيس التونسي في قراراته الاستثنائية إلى الفصل الـ80 من الدستور التونسي الذي ينص على أنه ” لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية”. واستند كذلك إلى الرغبة الشعبية التي عبّر عنها التونسيون في احتجاجات أخذت طابعًا عنيفًا أكثر من مرة، وآخرها الاحتجاجات التي خرجت بالأمس 25 يوليو في الذكرى الرابعة والستين لتأسيس الجمهورية التونسية، وتجمعت في محيط البرلمان التونسي وامتدت إلى اقتحام مقرات حركة النهضة في عدد من المدن والولايات، بوصف حركة النهضة هي السبب الأساسي في الأوضاع التي تشهدها تونس وضاق بها التونسيون ذرعًا.

  • تعمد التأزم السياسي

أصيبت الدولة التونسية على وقع الأزمة السياسية الأخيرة التي بدأت مع التعديل الوزاري في حكومة المشيشي في يناير الماضي، وما سبقها من أزمات حكومية متعاقبة وأزمات سياسية مستمرة بين رئيس البرلمان راشد الغنوشي ورئيس الجمهورية قيس سعيد بحالة من العجز عن قيام المؤسسات بمهامها، إثر الرغبة المستمرة من حركة النهضة في الإمساك بمقاليد الحكم في تونس منذ الثورة عام 2011. وتوقعت الحركة أن تحوز الأغلبية المطلقة في الانتخابات التي جرت في أكتوبر 2019 ليكون بمقدورها تشكيل الحكومة، إلا أن نتائج الانتخابات التي منحت الحركة أكثرية فقط اضطرت حركة النهضة إلى أن تعقد المواءمات لتكوين ائتلاف برلماني يسمح لها بتشكيل هذه الحكومة التي تريدها.

ومع الفسيفساء التي تشكل منها البرلمان التونسي عقب الانتخابات، ووجود العديد من القوى والتيارات التي ترفض مشروع حركة النهضة للسيطرة على الحكم، لم يكن تشكيل هذه الحكومة أمرًا سهلًا. وعمدت حركة النهضة إلى إدخال تونس في أزمات حكومية متواصلة بدءًا من حكومة الحبيب الجملي التي لم تحظ بثقة البرلمان في نوفمبر 2019 بسبب سيطرة حركة النهضة عليها، مرورًا بحكومة إلياس الفخفاخ التي لم تستمر إلا نحو ستة أشهر فقط حتى سقطت على وقع التجاذبات السياسية وسعي الحركة إلى إطباق السيطرة عليها، وصولًا إلى حكومة هشام المشيشي التي دفعتها رغبة النهضة في السيطرة إلى إدخال تعديلات وزارية دون التشاور مع الرئيس التونسي وإزاحة وزراء محسوبين عليه بعد أزمة كبيرة إثر محاولة رئيس البرلمان راشد الغنوشي التغول على صلاحيات الرئيس التونسي في رسم السياسة الخارجية للبلاد، وخاصة عبر دعم التيارات الإخوانية في ليبيا، وهو ما عمل قيس سعيد على تصحيحه من خلال عدد من التحركات الدبلوماسية والزيارات الخارجية ومنها زيارته إلى كل من ليبيا ومصر.

  • الأزمة الاقتصادية

مثّلت هذه الصراعات والتجاذبات السياسية التي تسببت فيها حركة النهضة حجر عثرة أمام أي تقدم إصلاحي في وقت تشهد فيه تونس أوضاعًا اقتصادية صعبة أدت إلى خفض وكالات التصنيف الائتماني الدولية التصنيف الائتماني لتونس مع نظرة مستقبلية سلبية، وبشكل بدت معه الدولة التونسية عاجزة عن دفع ديونها ما قد يسمح بدخول تونس إلى نادي باريس بما يعنيه ذلك من إعادة جدولة ديونها وفقدانها ثقة المانحين الدوليين. ذلك فضلًا عن ارتفاع معدل التضخم إلى أكثر من 5.3% وارتفاع معدل البطالة إلى نحو 17%، وتراجع الناتج المحلي الإجمالي بنحو 7% وتسجيل عجز في الموازنة بنحو 11.4% هو الأعلى منذ أربعة عقود.

ومرد ذلك إلى فشل الحكومات المتعاقبة وسياساتها في تقديم حلول للاقتصاد التونسي، وعجزها عن صياغة برنامج إصلاح حقيقي من أجل إنعاش الاقتصاد التونسي. وأدى هذا الوضع المتردي إلى زيادة الغضب الشعبي وعودة مظاهر الحراك الشعبي والاحتجاجات إلى الشارع التونسي خلال الشهور الماضية، وخاصة في بعض المدن والولايات المهمشة التي ترتفع فيها نسبة الفقر بشكل كبير وخاصة منطقة الكامور بولاية تطاوين التي عمد شبابها إلى إغلاق محطة ضخ البترول، وولاية القصرين التي قام شبابها باعتصام أمام حقولها النفطية، وولاية قفصة التي قام محتجون بها بوقف إنتاج الفوسفات.

  • الأزمة الصحية

تزامنًا مع هذا التدهور الاقتصادي الحاد والعجز الحكومي عن مواجهة المشكلات المزمنة، واجه التونسيون تدهورًا صحيًا كبيرًا بسبب تفشي فيروس كورونا المستجد؛ إذ تسجل تونس ارتفاعًا مطردًا في أعداد الإصابات والوفيات منذ أسابيع، وتعاني نقصًا حادًا في المستلزمات الطبية والأكسجين، ولم تستطع الحكومة تلبية هذه الاحتياجات اللازمة للحيلولة دون ارتفاع التكلفة البشرية لانتشار الفيروس بشكل أكبر. ورغم هذا التردي العام في الأوضاع الصحية، عمدت الحكومة برئاسة المشيشي ومن ورائها حركة النهضة إلى استغلال الأزمة في الصراع السياسي، فأقدمت على إقالة وزير الصحة فوزي مهدي في 20 يوليو. وهو ما أدى إلى إعلان الرئيس قيس سعيد تسليم إدارة الأزمة الصحية إلى الإدارة الصحية العسكرية.

ومثّلت هذه الأزمة الصحية الحادة نقطة التحول في التعاطي الشعبي مع التأزم السياسي في البلاد وعجز الحكومة والنهضة عن الإيفاء بالاحتياجات الأساسية، خاصة وأن العلاقات الخارجية التي أدارها رئيس الجمهورية التي ساهمت في توافد المساعدات الطبية العاجلة واللازمة لإنقاذ الوضع الصحي في البلاد. ولذلك خرج المتظاهرون يوم 25 يوليو مطالبين بإعفاء الحكومة وحل البرلمان. وهو ما استجاب له الرئيس التونسي قيس سعيد في القرارات التي أصدرها في اليوم ذاته وفقًا لصلاحياته الدستورية.

ماذا بعد؟

  • تحرك حركة النهضة

يشير تعاطي حركة النهضة عبر زعيمها راشد الغنوشي مع قرارات رئيس الجمهورية التونسية الذي عبّر عن رفضها لهذه القرارات ووصفها بالانقلاب على الثورة والدستور والتأكيد أن المؤسسات مازالت قائمة ثم محاولته عقد جلسة داخل البرلمان إلى أن الحركة تتجه إلى التصعيد ولن تقبل بسهولة بهذه القرارات ولن تتنازل بسهولة عن الموقع الذي وصلت إليه في المشهد السياسي التونسي طوال 10 سنوات منذ الثورة. ومن المتوقع أن تلجأ في سبيل ذلك إلى تنظيم مظاهرات في عدد من المدن التونسية في محاولة منها لتصوير الأمر على أنه رفض شعبي لقرارات الرئيس التونسي، وقد تلجا إلى الدعوة إلى العصيان المدني لإظهار ما يمكن وصفه بالرفض الشعبي لهذه القرارات.

وبالإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن تلجأ الحركة إلى استخدام العنف وتحريك أنصارها للدخول في مواجهات مع المتظاهرين الرافضين لها أو مع قوات الأمن والجيش لخلق حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني في البلاد. وسبق أن صرّحت حركة النهضة بأنها تقبل اللجوء إلى ذلك على لسان المتحدث باسمها عماد الخميري في 21 يوليو 2020 بعد استقالة حكومة إلياس الفخفاخ بأنه “لا استقرار في تونس إذا استثنت تشكيلة الحكومة المقبلة حركة النهضة”. وكانت “هيئة الدفاع عن بلعيد والبراهمي” قد أكدت أكثر من مرة امتلاكها أدلة على ضلوع الجهاز السري لحركة النهضة في اغتيال الناشطين شكري بلعيد ومحمد البراهمي عام 2013، وهي القضية التي عملت الحركة عبر عدد من القضاة على التستر عليها، ووعد الرئيس التونسي بموجب توليه رئاسة النيابة العمومية بتحريك كل القضايا. 

وأظهرت وثائق لمراسلات إلكترونية بين قيادات من تنظيم الإخوان في مصر والمتهم بقيادة الجهاز السري لحركة النهضة مصطفى خذر والتي تعود إلى عام 2012 وكشفت عنها الهيئة، مراحل بناء الجهاز السري والأمني الموازي المتهم بالتورط في عمليات الاغتيال، وكشفت عن قوّة والارتباط بين تنظيم الإخوان المسلمين في مصر وحركة النهضة، وألقت الضوء على الدور البارز الذي لعبه إخوان مصر في إنشاء جهاز سري لحركة النهضة مواز للدولة، من خلال التوجيه والتدريب والتجنيد والرصد والمتابعة وحتى التخطيط.

ومن ثم قد يعاود هذا الجهاز السري لحركة النهضة عمله لإحداث حالة من الفوضى وعدم الاستقرار. فضلًا عن احتمالات استغلال حالة الهشاشة الأمنية في ليبيا وبمساعدة التيارات الإخوانية هناك في نقل مسلحين إلى داخل تونس لزعزعة الاستقرار وإنقاذ آخر معاقل جماعة الإخوان. وقد توقع ذلك الرئيس التونسي في البيان، ولذلك أكد أن القوات العسكرية والأمنية ستواجه من يطلق رصاصة واحدة بوابل من الرصاص، وسيتم تطبيق القانون على من سيلجأ إلى السلاح. ومن ثم فإن مسؤولية كبرى ستكون على عاتق القوات المسلحة والقوات الأمنية التونسية لحفظ الاستقرار في ضوء احتمالات اللجوء إلى العنف وحدوث موجة جديدة من العمليات الإرهابية.

  • مستقبل المشهد السياسي

حددت رئاسة الجمهورية مدة تعليق أعمال واختصاصات مجلس النواب بـ30 يومًا، وحسب الفصل الـ80 من الدستور التونسي فإنه بعد مدة الـ30 يومًا من المفترض أن يُعهد إلى المحكمة الدستورية البت في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه. وفي الوضع الراهن لم تشكل المحكمة الدستورية بعد، ولأن النص الدستوري يؤكد استمرار العمل بالتدابير الاستثنائية بزوال أسبابها فإن هذه الحالة قد تستمر شهورًا، وسيعمل الرئيس التونسي خلال الأيام القليلة المقبلة على تشكيل حكومة انتقالية “لتأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال”، وخاصة إعادة الأمن والاستقرار ومعالجة الأوضاع الاقتصادية والصحية الصعبة.

وقد تشهد الفترة المقبلة مساعي دولية وإقليمية ومحلية لرأب الصدع بين الفرقاء عن طريق إجراء حوار وطني وفقًا لمعطيات الأمر الواقع، ولكنّ الوقائع السابقة والتي شهدت عرقلة متعمدة لمختلف دعوات الحوار الوطني التي أطلقتها جهات تونسية عدة قد تشير إلى أن انعقاد هذا الحوار الوطني سيكون صعبًا. وفي ضوء الغضب الشعبي العارم ضد منظومة الحكم فإن مخرجات هذا الحوار –إن حدث- قد لا تلبي طموحات الشعب التونسي الذي لن يقبل بعودة حركة النهضة إلى منظومة الحكم مجددًا مثلما كان الوضع في السنوات الماضية، وهو ما تشير إليه نتائج استطلاعات الرأي من انخفاض حاد في شعبية حركة النهضة بين التونسيين. وتبقى ضرورة إجراء تعديلات دستورية قائمة، إلا أن غياب المحكمة الدستورية وتجميد أعمال مجلس النواب يؤجل هذا الأمر إلى مرحلة لاحقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى