دول المغرب العربي

تونس… إلى أين؟

شهدت تونس تظاهرات في عدد من المدن “قفصة وسيدي بوزيد والمنستير ونابل وصفاقس وتوزر، وأخرى في باردو في الحبيب بورقيبه بالقرب من مقر مجلس النواب في 25 يوليو 2021 في ذكرى عيد الجمهورية رافعين شعارات “الشعب يريد إسقاط النظام”، “الشعب يريد حل البرلمان”، “لا خوف لا رعب السلطة بيد الشعب“، نظرا لتردي الأوضاع في الدولة، جراء تصاعد أزمات كورونا، وكذلك سوء الأوضاع الاقتصادية، إضافة إلى الأزمة السياسية بين المؤسسات الثلاث “الجمهورية- الحكومة- البرلمان”. وإشكالية انحياز رئيس الحكومة إلى رئيس البرلمان بما يهدد مصلحة الدولة في تونس.

 إضافة إلى تراجع شعبية النهضة في الشارع التونسي، وتجاوز رئيس البرلمان راشد الغنوشي لاختصاصاته كرئيس البرلمان وقيامه بمهام خارجية ليس من اختصاصه ومخالفة للسياسة الخارجية للدولة التونسية، بالإضافة إلى الاعتداء على بعض الأعضاء في البرلمان منهم عبير موسى وسامية عبو وعدم اتخاذ إجراء أو رد الفعل رادع تجاه سابقة في تونس، كما أن الدعوة إلى الحوار الوطني من قبل الاتحاد التونسى للشغل لحل أزمات الدولة لم تلقى استجابة وعرقلة العديد من القوى لها، الأمر الذى أدى إلى تفاقم حالة الاحتقان في الشارع التونسي مطالبين بإسقاط المنظومة السياسية في تونس، واقتحام البعض منهم بالأمس مقر حركة النهضة وأحرقوا مقرها في توز جنوب تونس.

ضمن هذا السياق اتخذ الرئيس سعيد تدابير استثنائية في ظل هذه الفوضى، ورسخ لشرعية قراراته الرغبة والإرادة الشعبية في تونس لاسيما بعد مرور أكثر من عشرة أعوام على الثورة التونسية في 2011 ولم يتحقق ما آمل فيه الشعب.

 إلى الحد الذي وصل معه إلى الخروج بقرارات استثنائية تحمى الدولة استنادا إلى تفسير يلائم مضمون المواد الدستورية 80،77 في ظل عدم وجود محكمة دستورية ورفض شعبي للإخوان في تونس، وتعنت من قبل رئيس البرلمان راشد الغنوشي، وفشل رئيس الحكومة الذي تم إعفائه هشام المشيشي في إدارة أزمات الدولة.

وتعد أبرز هذه القرارات؛ تجميد اختصاصات المجلس النيابي وليس حله، ورفع الحصانة عن كل أعضاء المجلس النيابي، تولى رئيس الدولة السلطة التنفيذية بمساعدة حكومة يرأسها رئيس الحكومة ويعينه رئيس الجمهورية، وتكليف رئيس الأمن الرئاسي خالد اليحياوي بشؤون وزارة الداخلية، وهو رجل ذو خلفية أمنية حيث تخرج من الأكاديمية العسكرية عام 1997 وحصل على شهادة في الأمن الوطني، وكان في وحدة مكافحة الإرهاب في الفترة من 2007-2011، وربما تكون الشخصية الأجدر لضبط الأوضاع في الدولة، عقب إعفاء الحكومة من مهامها وحالة العنف والتحديات التي سوف تشهدها الدولة الفترة القادمة.

ردود الأفعال

تباينت الاتجاهات في تونس ما بين مؤيد للأحداث وللقرارات الرئاسية وما بين رافض لها. جاءت بعض الأصوات الحزبية المؤيدة والداعمة للشرعية الشعبية حيث أيد حزب البديل التونسي تشكيل حكومة إنقاذ وطني، بالإضافة إلى حالة التأييد والاحتفالات التي تصاعدت في الشارع التونسي عقب قرارات الرئيس قيس سعيد، وأيدت عدد من الكتل السياسية حركة الشعب التونسية وحزب التحالف من أجل تونس القرارات التي اتخذت من قبل رئيس الجمهورية.

على الجانب الآخر، هناك من يرفض ما حدث حيث تصاعدت اشتباكات بين من يؤيد ومن يرفض القرارات في ساحة باردو، كما رفض نائب رئيس حركة النهضة على العريض قائلاً “الوضع الحالي سيدخل البلاد في فتن وسيعيدها للاستبداد وأن الحل التراجع عن القرار ويجب أن تمنع الأحزاب والمنظمات التي تؤمن بالديمقراطية الالتفاف على الدستور”

وفى محاولة من قبل الغنوشي وعدد من النواب الموالين له الدخول إلى مقر البرلمان والاعتصام أمامه تصاعدت لغة التهديد قائلا “نحن نعتبر المؤسسات ما زالت قائمة وأنصار النهضة والشعب التونسي سيدافعون عن الثورة”. ورأى الغنوشي أن ما تم هو انقلاب على الثورة التونسية. ورفض المنصف المرزوقي الرئيس السابق للجمهورية التونسية ما تم اتخاذه من قرارات، وأن ما حدث هو انقلاب وخرق للدستور وقفزة إلى مصاف الدول المتخلفة.

في حين أن موقف التيار الديمقراطي اتسم بالتردد ما بين تحميل حركة النهضة وهشام المشيشى المسئولية عن انسداد الأفق في تونس وتصاعد الأزمة السياسية، وما بين اختلاف التيار مع تأويل رئيس الجمهورية للفصل 80 من الدستور، ورفض ما ترتب عليها من قرارات وإجراءات خارج الدستور.

وعلى المستوى الخارجي؛ تصاعدت الأصوات الرافضة للقرارات التونسية ومنها رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا خالد المشري قائلانرفض الانقلابات على الأجسام المنتخبة وتعطيل المسارات الديمقراطية، وترتب على هذا الرفض اجتماعات بين التيارات الإخوانية وتواصلهم مع ذويهم في تونس عازمين على التصعيد خلال الفترة القادمة، والتكاتف في مواجهة قرارات رئيس الجمهورية قيس سعيد، فهناك نحو 3 معسكرات تبعد عن الحدود التونسية 218 كيلومترا أعلنت استعدادها للتحرك نحو الحدود التونسية. أيضا جاء الموقف التركي غير مؤيد للقرارات في بيان الخارجية التركية وأن ما تم في تونس يثير القلق جراء تعليق عمل البرلمان الذي يمثل الإرادة الشعبية.

على الجانب الآخر هناك ترحيب من المشير خليفة حفتر بانتفاضة الشعب في تونس ضد الإخوان، واتجاه الدولة نحو مستقبل أفضل.

مسارات المستقبل

يمكن الإشارة هنا إلى مسارات الدولة في تونس في ضوء السياق السابق ذكره

الأول في ضوء القرارات التي اتخذها رئيس الجمهورية قيس سعيد ومعارضة راشد الغنوشي والقوى المتحالفة معه وعلى رأسها قلب تونس، سوف تشهد تونس الفترة القادمة مزيد من التصعيد بين القلة المؤيدة للتيار الإسلامي والذي سيتم توظيفها في ضوء الانقلاب على شرعية الانتخابات السابقة والدستور والثورة التونسية في 2011، لذلك سوف يكون نهجهم مزيد من الهجمات الإرهابية وهو ليس في سبيل مصلحة الدولة، لكن رغبة في البقاء في السلطة وتحقيق المصالح الخاصة للإخوان.

الثاني وفقا للمادة 80 من الدستور يتوقع بعد شهر من هذه القرارات التي اتخذها الرئيس قيس سعيد ربما يتجه إلى تشكيل حكومة دستورية وتنص المادة أن يكون ذلك “بطلب من رئيس مجلس النواب أو 30 من أعضائه للبت في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه”، وهو الأمر الذي يبرر تجميد عضوية البرلمان وليس حله لمواجهة الأوضاع في الدولة، لأن الإجراءات في الفترة القادمة سواء نيل ثقة الحكومة الجديدة يتطلب وجود مجلس نواب لتنال الثقة منه، أيضا تشكيل المحكمة الدستورية والموافقة على أعضاء المحكمة يتطلب وجود البرلمان.

كما أن استمرار التدابير والقرارات التي اتخذها قيس سعيد يتطلب تصريح من المحكمة الدستورية بقرارها علانية في أجل أقصاه 15 يوم وينهى العمل بتلك التدابير بزوال الأسباب التي اتخذت من قبلها ويوجه رئيس الجمهورية بياناً في ذلك إلى الشعب.

الثالث صمود الدولة التونسية واتجاها نحو مسار أشبه بالمسار في مصر من ناحية الاستقرار وتحقيق التنمية ومواجهة الإرهاب الذي تشهده في الفترة القادمة،إزاء رفض الإخوانللقرارات، ولجوء تيار الإخوان لاستراتيجية العنف في تونس، لكن ما يضبط موقفهم هو سقوط وتراجع شعبيتهم في الدول المختلفة وتصاعد الرفض الشعبي لوجودهم في ممارسات الدول، لذلك يتوقع أن تشهد تونس عدد من القرارات والاستحقاقات الدستورية من حيث تعديل الدستور وإجراء انتخابات نيابية وتشكيل حكومة جديدة في تونس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى