أسواق وقضايا الطاقة

معهد أمريكي يستشرف مستقبل “سوق النفط والطاقة” بالشرق الأوسط

عرض – محمد هيكل

نشر معهد  “الدراسات الاستراتيجية والدولية ” الأمريكي تقريرا للخبير جون التيرمان الذي يشغل منصب نائب مدير المعهد وهو متخصص في الأمن العالمي والاستراتيجية الجغرافية ، ومدير برنامج الشرق الأوسط في المعهد ، تحدث فيه عن مستقبل سوق النفط والطاقة في الشرق الأوسط ، والتغيرات التي ستطرأ على هذا السوق مستقبلاً وستؤثر حتماً على مستقبل الشرق الأوسط المنطقة الغنية بموارد الطاقة.

وأوضح  الخبير  وجهة نظره فيما قد يحمله المستقبل للمنطقة بالتزامن مع زيادة الاهتمام العالمي بمصادر الطاقة النظيفة على حساب مصادر الطاقة التقليدية والتي تعتمد عدة دول في منطقتنا عليه كمصدر رئيسي في التقدم الاقتصادي.

في بداية التقرير ؛ أوضح الخبير أن انتقال العالم للطاقة النظيفة والمتجددة أصبح أقرب من أي وقت مضى ، كما أن الحكومات والشركات والمستهلكين أصبحوا أكثر جدية حول التحول للطاقة النظيفة وترك مصادر الطاقة الهيدروكربونية وهو ما يترجم في ابتعاد المستثمرين عن الاستثمار في القطاع النفطي والتحول للاستثمار بشراهة في مصادر الطاقة المتجددة.

 وكدليل دامغ على تحول العالم والحكومات للطاقة المتجددة؛ يقول الخبير إن الصين ترى أن الطاقة المتجددة والنظيفة أصبحت ضرورة وطنية وأمنية لها.

ويتوقع  انهيار الأسواق النفطية في ” العالم الجديد” حيث يرى أن الإنتاج سيفوق الطلب على النفط في مرحلة قريبة ، بل ويرى أن المنتجين من الدول النفطية سيذهبون لزيادة الإنتاج لتعويض فارق السعر في النفط مما سيؤدي إلى  “سقوط حر”  لسعر النفط.

ويطرح  خبير  الطاقة وجهة نظر بديلة مفادها أن، الانتقال للطاقة النظيفة سيستغرق عقوداً ، كما أن البنية التحتية الموجودة أساساً في معظم دول العالم تعمل على الطاقة الهيدروكربونية ، فعلى الرغم مثلاً بزيادة الاهتمام عالمياً بالسيارات الكهربائية إلا أن ما يقرب من 90% من مبيعات السيارات الجديدة لاتزال السيارات التي تعمل بالغاز والوقود .

 كما أن البنية التحتية العالمية لعمليات الشحن والتجارة لاتزال تعتمد على طاقة النفط والمحروقات وهناك عقود شحن تمتد لسنوات ، كما أن الطائرات النفاثة لاتزال تعمل بالوقود، بالإضافة لكل ذلك فإن دول العالم النامي حيث يعيش غالبية البشر لا يمكنها إلا الاعتماد على المعدات او التكنولوجية الموجودة لفترة طويلة ، ففي حين أن الدول الغنية يمكنها صرف الألاف على المنتجات والطاقة الخضراء هذه الرفاهية ليست موجوده لدى معظم دول العالم مما يعني أن الوقود والغاز سيستمر كمصدر أساسي للطاقة وسيكون متوفراً بأسعار معقولة.

ويقول الخبير جون التيرمان أن وجهتي النظر لهما حجج معقولة ومنطقية لذلك لا يمكن لأحد أن يكون على يقين من التغيرات المقبلة في العالم سواء على مستوى الحكومات أو على مستوى تغير التكنولوجيا ودورها مستقبلاً كما التغيرات المستقبلية في سلوك المستهلكين.

مستقبل الشرق الأوسط

بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط ؛ وفقاً للخبير  فإن المنطقة ترى في السيناريو الثاني ( بقاء الطاقة النفطية في الطليعة) هو الأمثل لها ، ذلك لأن اقتصاديات الشرق الأوسط تعتمد بشكل كبير على عائدات النفط والغاز ، حيث إن المنطقة بالكامل تتكون من دول مصدرة للطاقة ودول مصدرة للعمالة.

ويضيف الخبير أن  الدول الفقيرة ترسل  العمالة للدول النفطية الثرية ويرسل العمال المليارات من العملة الصعبة لأسرهم مما يعزز الاقتصاد في تلك الدول ، كما أن الاهتمام الاستراتيجي بمنطقة الشرق الأوسط يعتمد بالأساس على إنتاج الطاقة ، فعلى الرغم من الأهمية الدينية والسياحية للمنطقة إلا أن يبقى العامل المحدد لمدى اهتمام حكومات العالم بمنطقة الشرق الأوسط هو قدرتها إنتاج الطاقة وتصديرها للأسواق العالمية.

وفقاً لألتيرمان فإن فكرة الانخفاض الحاد في أسعار النفط تأتي من ان النفط هو سوق عالمي في حد ذاته يتأثر بأصغر الاختلالات في العالم ، فاليوم يبلغ استهلاك النفط العالمي 100 مليون  برميل في اليوم ، وقدرات الأنظمة على زيادة الإنتاج تعتبر قليلة نسبياً ، وكدلالة على التأثر السريع لسعر النفط في السوق في 2008 عندما هدد الاستهلاك بتجاوز المعروض في السوق وصل سعر برميل النفط ل140 دولار ، وعندما أدت جائحة كورونا إلى تراجع الطلب العالمي على النفط في فصل الربيع من العام 2020 وصل سعر البرميل ل30 دولار أي أدنى من تصف سعره سابقاً وهو ما تسبب في ضربة موجعة للمملكة العربية السعودية التي اضطرت إلى خفض الإنتاج بنحو 20% في ذلك الحين ، وقد أستغرق الأمر أكثر من 6 أشهر من خفض الإنتاج العالمي لكي يتم الإنهاء على المخزون الزائد عالمياً.

ويرى الخبير جون التيرمان أن الانخفاض المستمر في الاستهلاك العالمي من شأنه أن يضغط على دول الخليج لتعزيز الإنتاج في محاولة منهم لطرد المنتجين ذوي التكلفة العالية من السوق وضمان عدم وصول سعر البرميل للهاوية عندما ينخفض الاستهلاك العالمي أكثر فأكثر وهو ما يفسر جزئياً الخلاف على الإنتاج هذا الشهر بين المملكة العربية السعودية والإمارات وفقاً لألتيرمان الذي يضيف أنه من غير المعروف من سيكونون الفائزون والخاسرون في العقد الجديد بالشرق الأوسط فقد تعوض زيادة حجم المنتجين منخفضي التكلفة عن انخفاض الأسعار ، مما سيؤدي لتجديد الاهتمام الاستراتيجي بالمنتجين في الشرق الأوسط

يضيف التيرمان أنه لا يمكن توقع  من سيكون الفائز والخاسر في العقد المقبل في الشرق الأوسط، وقد تعوض زيادة حجم المنتجين منخفضي التكلفة عن انخفاض الأسعار ، مما يؤدي إلى تجديد التركيز الاستراتيجي على المنتجين في الشرق الأوسط. بدلا من ذلك ، قد تقع حتمية انضباط السوق على عاتق المنتجين في الشرق الأوسط ، الذين سيحتاجون إلى تقييد الإنتاج لمنع انهيار الأسعار..

وسيكون انتقال الطاقة مهما لأكثر من منطقة الشرق الأوسط ، حيث يحفز أمن الطاقة الكثير من الاستثمارات الصينية الأخيرة في المنطقة، إذا ما قررت الحكومة الصينية أن أمن الطاقة الخاص بها مستمد من المناجم في أفريقيا وليس من الآبار في الشرق الأوسط ، فيجب أن نتوقع أن يتحول الاهتمام الصيني ورأس المال إلى هناك ،  إذا كان هناك دور أكثر ديمومة للنفط والغاز في صورة الطاقة العالمية ، فهو التنافس الأمريكي الصيني على السيطرة على الإقليم .

ويرى التيرمان في نهاية تقريره أن التطورات في أسواق الطاقة تتجاوز قدرة حكومات الشرق الأوسط على التكيف وستأتي الدوافع الرئيسية للانتقال العالمي للطاقة من خارج المنطقة، سيكون لها تأثير عميق داخل المنطقة ، وسوف تشكل الطريقة التي ترتبط بها المنطقة ببقية العالم، يمكن أن يكون هذا التغيير عميقا ويمكن أن يأتي قريبا جدا .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى