أفريقيا

“خبايا الميدان”.. كيف ارتكبت الحكومة الإثيوبية جرائم ضد الإنسانية في إقليم “تيجراي”؟

تعيش إثيوبيا على وقع انتهاكات إنسانية جسيمة لم تشهده منذ الحرب الأهلية الإثيوبية 1974، ففي الرابع من نوفمبر 2020، أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، في ديباجة تنم عن ثقة مفرطة؛ شن عملية عسكرية كبرى في إقليم التيجراي تستهدف نزع سلاح عناصر الحزب الحاكم “جبهة تحرير شعب تيجراي”، والقبض على قادتها. وفي 28 نوفمبر من ذات العام، أعلن آبي أحمد السيطرة الكاملة لقوات الجيش الفيدرالي على “ميكيللي” عاصمة إقليم التيجراي، وانتصار إثيوبيا. لكن المعارك استمرت لثمانية أشهر، وفي نهاية يونيو انسحب الجيش الفيدرالي بصورة دراماتيكية أمام تقدم مفاجئ وسريع لعناصر جبهة تحرير شعب تيجراي، تم على غرار نموذج “الحرب الخاطفة” التي نفذتها القوات المسلحة الألمانية عند مواجهة كل من ألمانيا وفرنسا في الحرب العالمية الثانية. إذ نجحت قوات التيجراي في أسر أكثر من9  آلاف ما بين جندي إثيوبي، وتدمير فرقة المشاة الحادية عشر التابعة للجيش الإثيوبي وأسر قائدها العميد حسين محمد، مع عدد من الضباط الآخرين. 

قائد الفرقة الحادية عشر مشاة – الجيش الإثيوبي

هذه الموجة الارتدادية لقوات التيجراي، والتي وصلت أصداؤها لما بعد الحدود السياسية للإقليم من خلال محورين رئيسيين لتقدمها الميداني، المحور الشرقي نحو إقليم “عفر”، والغربي الجنوبي ناحية إقليم “أمهرا”؛ قد استندت على دقة تنظيم قوات التيجراي في التعبئة والتدريب وشن الهجمات، علاوة على الغضب الكبير الذي نال من شعب التيجراي نتيجة للفظائع التي ارتكبها الجيش الإثيوبي وحلفائه من القوات الإرترية والأمهرية بحق سكان مدن وبلدت الإقليم على مدار الثمان أشهر الماضية.

، فإن جملة الانتهاكات الإنسانية المروعة التي ارتكبتها قوات الحكومة الإثيوبية وحلفاؤها أصبحت ليس فقط من المُسلّمات، وانما ضمن الخطاب الدولي لتناول تطورات الصراع الداخلي هناك. حيث دفع حجم الانتهاكات الإثيوبية وأنماطها في إقليم التيجراي إلى عدم مقدرة المجتمع الدولي وشبكة الرعاية الدولية لحكومة أبي أحمد؛ من تجاهلها والفكاك منها

إقرار دولي بارتكاب اثيوبيا لانتهاكات مروعة ضد الإنسانية

أقر الرئيس الأمريكي جو بايدن، في بيان له في مايو الماضي، بوجود انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان تحدث في إقليم تيجراي من بينها العنف الجنسي واسع النطاق. وأضاف الرئيس أن على القوات الإثيوبية والإريترية “أن تسمح بوصول المساعدات الإنسانية على الفور ودون عوائق إلى المنطقة من أجل منع انتشار المجاعة على نطاق واسع”.

بدوره، قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن 91% من سكان إقليم تيجراي، البالغ غددهم نحو 6 ملايين نسمة بحاجة إلى المساعدة الفورية. 

وفي بيان سابق لها، قالت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان “ميشيل باشليه”، أن مكتبها أثبت حدوث سلسلة انتهاكات خطيرة قد تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبتها قوات الجيش الإثيوبي في إقليم تيجراي.

وذكرت منظمة الفو الدولية في فبراير الماضي أن جنوداً إريتريين قتلوا مئات المدنيين العزل وبشكل منهجي في مدينة أكسوم الشمالية، في 28 و29 من نوفمبر 2020، وشنت مداهمات من منزل لمنزل في مذبحة قد تصل إلى مستوى الجريمة ضد الإنسانية.

وقال رئيس الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية، البطريرك “أبونا ماتياس”: “إن ما يحدث في الإقليم يرقى إلى إبادة جماعية”، متهما حكومة آبي أحمد بأنها تريد القضاء على شعب تيجراي. وأوضح أنه “تم ارتكاب فظائع، بما في ذلك تدمير الكنائس والتجويع القسري وعمليات نهب”، مناشدا العالم التدخل وإنهاء النزاع. 

فيما قال المتحدث الرسمي باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، مايو الماضي، إن الوضع الإنساني في إقليم تيجراي مروع للغاية. كما أشار منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة، مارك لوكوك في وقت سابق، إلى أن “الناس بدأوا يموتون من الجوع في منطقة إقليم التيجراي، إذ تدهور الوضع الإنساني وما زال العنف الجنسي يستخدم كسلاح حرب”. وأوضح أنه ليس هناك شك في أن العنف الجنسي يستخدم في هذا الصراع كسلاح في الحرب، وكوسيلة لإذلال وترهيب وصدمة شعب بأكمله اليوم وكذلك للجيل القادم”. كما أكد أن غالبية عمليات الاغتصاب ارتكبها أفراد من الجيش، بما في ذلك “الجيش الإثيوبي، والقوات الإريترية، وقوات الأمهرا الخاصة، والميليشيات غير النظامية الموالية لها”.

فيما قال المفوض الأوروبي لإدارة الأزمات، جانيز ليناريتش، في كلمة خلال الجلسة العامة للبرلمان الأوروبي لمناقشة الوضع في تيجراي، “إن ما يحدث في تيجراي من انتهاكات يمكن أن يرقي إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية”.

بيد أن الإدانات الحادة من المنظمات والقوي الدولية، كالولايات والاتحاد الأوروبي عما يدور في واجهة الميدان المعزول عن العالم في تيجراي؛ قد وضعت المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخرى تجاه كبح جماح الحكومة الإثيوبية في ممارساتها تجاه شعب التيجراي وخاصة بعد البيان الأخير لآبي أحمد والصادر في 18 يوليو الجاري، حيث دعا فيه إلى تدمير شعب التيجراي. 

إلا أنه تجدر الإشارة لضرورة تفنيد أنماط انتهاكات الحكومة الإثيوبية في إقليم التيجراي والتي وصفتها المنظمات والقوى الدولية بالمروعة؛ للوقوف على ارتباط ضعف الموقف الميداني لحكومة آبي أحمد، ومستقبل ممارسات انتهاك حقوق الإنسان كلما ازداد الخناق عليها من الشمال وصولاً لتخوم أديس أبابا، ويمكن تفنيد هذه الأنماط الموثقة كالاتي:

  • قطع إمدادات المساعدات الإنسانية: أفاد منسق الشؤون السياسية بالأمم المتحدة، مارك لوكوك، أن 9 من كل 10 من سكان إقليم تيجراي البالغ عددهم 6 ملايين بحاجة إلى مساعدات غذائية طارئة. ولاسيما بعد تدمير قوات الجيش الاثيوبي لمنشآت البني التحتية وعزل الإقليم وشبكة طرقه ومواصلاته عن سائر الأقاليم الاثيوبية منذ نوفمبر 2020، فضلاً عن قطع جميع الاتصالات هناك، ما حول تيجراي بالكامل إلى جزيرة منعزلة عن العالم الخارجي. كما دُمِر الجسرين الرئيسيين لنقل المساعدات الغذائية لكامل تيجراي حسبما، قال برنامج الأغذية العالمي الذي اتهم القوات الإثيوبية بارتكاب هذه الجريمة. فيما حذرت الأمم المتحدة من أكثر من 400 ألف شخص دخلوا في مجاعة في تيجراي. 

وصلت قافلة طعام واحدة فقط للأمم المتحدة بنجاح إلى ميكيلي هذا الشهر: مكونه من 54 شاحنة محملة بالأغذية وغيرها من المساعدات الحيوية إلى العاصمة الإقليمية في 12 يوليو “بعد أيام من عبور حواجز الطرق”. وهذا لا يمثل سوى 1٪ من الغذاء المطلوب للشهر، كما تقول سامانثا باور، من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية. وتحسب الأمم المتحدة أن 60 شاحنة على الأقل يجب أن تصل إلى تيجراي كل يوم، من أجل تلبية متطلبات أولئك الأشخاص المحاصرين في الأزمة.

وإلى الجنوب، منعت القوات الموالية للحكومة في منطقة الأمهرا وصول الإمدادات الإغاثية حيث أُجبرت قافلة مؤلفة من 29 شاحنة تحمل مساعدات برنامج الغذاء العالمي على العودة في 29 يونيو، حسب تقارير الأمم المتحدة.  كما كان من المستحيل جلب المساعدات عن طريق البر من السودان، إلى غرب تيجراي، وهي منطقة خاضعة لسيطرة الجماعات الداعمة للحكومة الإثيوبية. ما طوق الإقليم تماماً ودفعه لضرورة الاصطدام جنوبا وغربا مع الحكومة الاثيوبية وحلفاءها لكسر الحصار والعزلة المفروضة على قاطنيه وطرق امداده. 


العنف الجنسي واسع النطاق (حالات موثقة): أعلنت الأمم المتحدة عن حدوث أكثر من 516 حالة اغتصاب سجلتها خمس عيادات طبية في اقليم تيجراي، مشددة أن الرقم الحقيقي أكبر من ذلك بكثير. حيث قالت وفاء سعيد، نائبة منسق مساعدات الأمم المتحدة في إثيوبيا، خلال إفادة للدول الأعضاء في المنظمة الدولية في نيويورك: “إن النساء تعرضن للاغتصاب من عناصر مسلحة، كما روين قصصا عن اغتصاب جماعي واغتصاب أمام العائلات وإجبار رجال على اغتصاب نساء من عائلاتهم تحت التهديد بالعنف”.

  • وأضافت المسؤولة الأممية أنه “بالنظر لحقيقة أن معظم المرافق الصحية لا تعمل إضافة إلى الوصمة المرتبطة بالاغتصاب، فمن المتوقع أن تكون الأعداد الفعلية أعلى من ذلك بكثير. ونقلت وكالة رويترز روايات العديد من النساء اللاوتي تعرضن للاعتداء الجنسي في تقرير لها نٌشر في يناير الماضي، وأشارت فيه إلى بيان مكتب براميلا باتن الممثلة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالعنف الجنسي في حالات النزاع، الذي أقرت فيه الممثلة الأممية الخاصة بارتكاب عناصر الجيش الاثيوبي لاعتداءات جنسية مروعة بحق سكان إقليم التيجراي. ونقلت وكالة البي بي سي البريطانية عن طبيب وعضو في إحدى مجموعات حقوق المرأة؛ فضلا عدم الكشف عن هويتهما، إنهما سجلا ما لا يقل عن 200 حالة اغتصاب لفتيات دون سن الـ 18، في مختلف المستشفيات والمراكز الصحية في ميكيلي عاصمة الاقليم. بدوره اعترف قائد فرقة المشاة الحادية عشر في الجيش الاثيوبي، العقيد حسين محمد، الذي وقع في أسر قوات التيجراي أثناء المعارك نهاية يونيو الماضي؛ بارتكاب الجيش الإثيوبي لجرائم نهب وسرقة واغتصاب بحق النساء. حيث قال ذلك في حوار مع مراسل جريدة النيويورك تايمز، الذي زاره في الأسر، حيث عبر له “حسين” عن امتعاض قيادات الجيش الاثيوبي مما اسماه “الزواج” بين حكومة ابي احمد واريتريا، حيث تورطت القوات الاريترية كذلك في حالات قتل واغتصاب طالت شعب التيجراي. 

ومع إصرار الجيش الإثيوبي وقائده “بيرهانو جولا جيلالتشا”، مثل هذه الاتهامات حيث لبي بي سي: “قوات دفاعنا لا تغتصب. إنهم ليسوا قطاع طرق بل قوات حكومية. والقوات الحكومية لديها أخلاقيات وقواعد الاشتباكات”؛ قررت السلطات الاثيوبية محاكمة 28 جنديا في جيش البلاد بتهم تتراوح بين قتل مدنيين واغتصاب في إقليم تيجراي، حيث جاء ذلك في تقرير للمدعي العام الإثيوبي غيديون طيمتيوس، صدر 21 مايو الماضي، ويتناول الجهود المبذولة لضمان المساءلة فيما يتعلق بانتهاكات القانون الإنساني الدولي والمعايير القانونية الأخرى في إقليم تيجراي. 

  • التصفية الميدانية:  حيث تحققت شبكة سي إن إن الأمريكية من صحة مقطع فيديو مروع يظهر القوات الإثيوبية وهي تنفذ عمليات قتل خارج نطاق القانون في ماهيبري ديغو، وهي منطقة جبلية بوسط تيجراي. من خلال تحقيق تشريحي، إطارًا تلو الآخر للفيديو، الذي أكده خبراء من فريق التحقق الرقمي التابع لمنظمة العفو الدولية، يقدم الفيديو الصادم دليلًا على ارتكاب مذبحة قد ترقى إلى مستوى جرائم الحرب. وذلك في إبريل الماضي. 

واستُخدِمت تقنيات تحديد الموقع الجغرافي للتحقق من تصوير الفيديو على حافة جبلية بالقرب من ماهيبير ديجو في يناير 2021. وكشف التحقيق في ذلك الوقت أن 11 شخصًا على الأقل غير مسلحين (عُزّل) تم إعدامهم و39 آخرين في عداد المفقودين. وتأتي هذه الوقائع بالتوازي مع قصف إثيوبيا لسوق شعبي مزدحم في بلدة “توغوغا”، في إقليم تيجراي، 22 يونيو الماضي، ما أدي إلى مقتل 43 شخص على الأقل. ولم يعلق المتحدث باسم الجيش الإثيوبي الكولونيل جيتنيت أداني على هذه الواقعة، مكتفيا بالقول إن الضربات الجوية تكتيك عسكري شائع وإن القوات لا تستهدف المدنيين. كما لم يرد متحدث باسم رئيس الوزراء آبي أحمد ولا رئيس الفريق الحكومي المعني بتيجراي على طلبات بالحصول على تعقيب على الواقعة.

تسببت الحرب في تيجراي، في نزوح نحو مليوني شخص، ودخول نحو 400 ألف شخص داخل الإقليم حيز المجاعة، علاوة على تدمير منشآت البنى التحتية والاتصالات وشبكة المواصلات، الأمر الذي فاقم من التحديات الإغاثية لواقع انساني وصفته البيانات الأممية بالمروع، إلا أن الأخطر لا يتمثل في قدرة حكومة ابي احمد على ممارسة المزيد من الانتهاكات بحق المدنيين في الأقاليم الاثيوبية ولاسيما أولئك المشتبه بهم لانتماءهم لجبهة تحرير شعب التيجراي، حيث سُجلت حالات اعتقال تعسفي بحق العشرات في العاصمة وضواحيها؛ بل يمكن الخطر فيما لو ازداد الموقف الميداني للحكومة الاثيوبية سوءاً. حيث برهن تطور الأحداث منذ نوفمبر 2020، على انتهاج أديس أبابا معالجة سلبية تجاه احتواء تناقضات الداخل وإدارة تحديات التنوع العرقي والإثني الذي يجمع بين شعوب تتشارك في موروث العداء بشكل يعيق تحشيدها ضمن أدبيات قومية كالسردية الاثيوبية الرسمية لأزمة السد. ما يضع إثيوبيا بشكلها الفيدرالي الحالي أمام محطة قد تودع من خلالها العديد من أجزائها ولاسيما إقليم التيجراي. حيث قال قائد “جبهة تحرير شعب تيجراي” دبرسيون جبرميكائيل، إن مستقبل الإقليم كجزء من إثيوبيا “أصبح في موضع شك”. وذلك في حوار له مع صحيفة نيويورك تايمز. كما تشهد جبهة تحرير أوروميا نشاطاً ملحوظاً باتجاه غرب العاصمة أديس أبابا بالتزامن مع الموجة الارتدادية لقوات التيجراي التي دخلت ضمنياً أراضي إقليم امهرا وعفر منذ يومين. ما يضع أديس أبابا أمام حيز أضيق من الوقت لكبح جماح الاقتتال، وإلا المضي بالفيدرالية لمصير قاتم، ولاسيما بعد أن أخبر آبي أحمد البرلمان الاثيوبي هذا الشهر أن إثيوبيا قد تحشد حوالي 100 ألف جندي في أقل من أسبوع، إذ تشير تصريحاته إلى إنهاء وقف إطلاق النار الذي أعلنته الحكومة الاثيوبية من جانب واحد بالتزامن مع الانسحاب الدراماتيكي من إقليم التيجراي. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى